في مساء السبت الخامس والعشرين من يوليو/تموز 2026، اجتمع جمهور عربي في «مركز بهافان» بغرب لندن حول طاولة توقيع صغيرة، لا ليحتفي بكتاب جديد فحسب، بل ليودّع — عبره — زمنًا إذاعيًا بأكمله.
الكتاب هو «ذاكرة مذيع: حكايات وراء المايك»، وصاحبه الدكتور فؤاد عبد الرازق، أحد المخضرمين الذين أمضوا أكثر من ثلاثة عقود خلف ميكروفون إذاعة «بي بي سي» العربية — الإذاعة التي عرفها العرب طويلًا بنداء «هنا لندن»، وعرفها الإنجليز أنفسهم باسم «العمة»، إقرارًا بعراقتها وقِدمها.
ولم يكن اختيار اللحظة اعتباطيًا. فقبل نحو ثلاثة أعوام ونصف، في السابع والعشرين من يناير/كانون الثاني 2023، أُسدل الستار على إذاعة «بي بي سي» العربية بعد خمسة وثمانين عامًا من البث المتواصل، هي عمر أول خدمة أجنبية تطلقها هيئة الإذاعة البريطانية منذ انطلاقها في الثالث من يناير/كانون الثاني 1938.
وحين يصدر مذيع مخضرم مذكراته تحت عنوان «ذاكرة مذيع»، بينما الأثير الذي شغله قد صمت، فإن الكتاب يتجاوز السيرة الشخصية إلى ما هو أبعد: توثيق من الداخل لمؤسسة صنعت وعيًا إعلاميًا عربيًا لأجيال، ثم انطوت صفحتها الإذاعية.
الرجل الذي اختار «العمة» على الأمم المتحدة
فؤاد عبد الرازق إعلامي وأكاديمي عربي بريطاني، يحمل درجة الدكتوراه في الأدب المقارن، وماجستير الترجمة التحريرية والفورية من كلية الألسن بجامعة عين شمس المصرية، ويعمل أستاذًا للترجمة في جامعتَي وستمنستر والسيتي بلندن.
انتقل إلى العاصمة البريطانية عام 1986، وهناك — وفق ما يرويه — وقف أمام مفترق طريق حاسم: عرض للعمل في الأمم المتحدة، أو الالتحاق بإذاعة «بي بي سي». فاختار الميكروفون.
في الإذاعة، تدرّج حتى شغل منصب رئيس قسم الأخبار والبرامج الإخبارية، ثم غدا مسؤولًا عن التعاون الإذاعي مع العالم العربي، فحمل خبرته التدريبية إلى غرف أخبار في الكويت وعُمان وموريتانيا وتونس.
ثلاثة عقود من العمل جعلته شاهدًا على تحوّل المهنة كلها: من زمن الشريط والاستوديو المغلق إلى زمن المنصات الرقمية التي ابتلعت الإذاعة التقليدية.
ما الذي يرويه كتاب «ذاكرة مذيع»؟
عنوانه الفرعي — «حكايات وراء المايك» — يختصر منهجه: لا تأريخ مؤسسي جاف، بل ما يجري خلف الميكروفون حين يُطفأ ضوء البث الأحمر.
يجمع الكتاب مذكرات عن مسيرة إذاعية امتدّت أكثر من ثلاثين عامًا، ولقاءات مع شخصيات بارزة، وحكايات لم تُروَ من قبل.
ومن بين ما استعاده عبد الرازق في أحاديثه الإعلامية عن الكتاب لقاءات أجراها مع قادة عرب رحلوا، منهم الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي — أسماء تكفي وحدها لتقيس المسافة الزمنية التي يقطعها الكتاب.
ولأن صاحب المذكرات مترجم وأكاديمي قبل أن يكون مذيعًا، فإن الكتاب لا يبدو منشغلًا بالحكاية الشخصية وحدها، بل بسؤال المهنة نفسه: كيف تُصاغ النشرة، وكيف يُنتقى الخبر، وأين يقف المذيع بين نص المؤسسة وصوته الخاص؟
وتبقى تفاصيل النشر والطبعات غير معلنة رسميًا على نحو كامل، وهو ما يُنتظر أن توضحه الأيام المقبلة.
توثيق حقبة إذاعة «بي بي سي» العربية
تكتسب المذكرات وزنها من توقيتها. فإذاعة «بي بي سي» العربية لم تكن محطة بين محطات، بل كانت — لعقود — أحد أوثق مصادر الخبر لملايين العرب، وكان نداء «هنا لندن» علامة صوتية حفظتها أجيال.
وحين توقّف بثها في يناير/كانون الثاني 2023، ضمن خفض لخدمات هيئة الإذاعة شمل لغات عدة، شعر كثيرون بأن حقبة كاملة تُطوى.
هنا تحديدًا تكتسب «ذاكرة مذيع» معناها؛ فهي لا تسجّل ماذا بثّت الإذاعة، بل من صنعها، وكيف عاشها من كانوا خلف ميكروفونها — وهو أرشيف إنساني لا تحفظه الموجات.

