مقصلة هيئة الإعلام العراقية: 30 عقوبة في ستة أشهر و18 قرارًا بمنع الظهور

وثّق التقرير، الصادر بعنوان «مقصلة تنتهك الدستور»، القرارات التي اتخذتها الهيئة بين الأول من ديسمبر/كانون الأول 2025 و31 مايو/أيار 2026

أصدرت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية 30 قرارًا عقابيًا خلال ستة أشهر، استهدفت غالبيتها إعلاميين وضيوفًا ومحللين، وفق تقرير حديث لجمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، خلص إلى أن معظم هذه القرارات خالفت الأمر رقم 65 لسنة 2004 والدستور العراقي.

ووثّق التقرير، الصادر بعنوان «مقصلة تنتهك الدستور»، القرارات التي اتخذتها الهيئة بين الأول من ديسمبر/كانون الأول 2025 و31 مايو/أيار 2026، معتبرًا أن الهيئة تجاوزت دورها بوصفها جهة مستقلة معنية بتنظيم قطاع الإعلام والاتصالات، وأصبحت تمارس صلاحيات رقابية وعقابية لا ينص عليها القانون المنظّم لعملها.

ومن أبرز الحالات التي رصدها التقرير منع الإعلامي بشير الحجيمي من الظهور ثلاث مرات في أقل من عام، كان آخرها في 24 مايو/أيار 2026، حين قررت الهيئة منعه لمدة 30 يومًا بدعوى مخالفة لوائح البث الإعلامي.

منع الأفراد يتصدر العقوبات

بحسب البيانات الواردة في التقرير، شملت قرارات الهيئة إيقاف خمسة برامج، وتوجيه إنذارات إلى وسيلتين إعلاميتين، وفرض غرامات على ثلاث وسائل، إلى جانب 18 قرارًا بحظر شخصيات أو منعها من الظهور، وإنذار شخصية واحدة، وتوبيخ مقدمة برامج.

وبذلك، شكّلت قرارات منع الأفراد من الظهور 60 في المئة من إجمالي العقوبات الموثقة، ما يشير إلى أن الإجراءات ركزت بصورة أساسية على الإعلاميين والضيوف والمحللين، وليس على المؤسسات الإعلامية وحدها.

ورصد التقرير تكرار غرامة موحدة بلغت 40 مليون دينار عراقي في ثلاث حالات، شملت قناة «البلد» الفضائية، بالتزامن مع إيقاف برنامج «قضايا البلد» ثلاثة أشهر، وقناة «زاكروس» بدعوى البث من دون ترخيص، وقناة «الأيام»، مع منع المحلل عماد المسافر من الظهور.

كما طالت قرارات الإيقاف عددًا من البرامج السياسية، من بينها «مع ملا طلال»، و«صوت الشعب» على قناة «عراق الحدث»، وبرنامج «الحق يقال»، الذي يقدمه عدنان الطائي، والذي أُوقف مرتين خلال الفترة التي يغطيها التقرير.

عقوبات تمتد إلى عام كامل

استندت الهيئة في قراراتها، وفق التقرير، إلى مبررات عدة، من بينها مخالفة لوائح البث، والإخلال بـ«الذوق العام» و«اللياقة والآداب»، وغياب النزاهة والشفافية في نقل المعلومات، والتحريض على العنف والكراهية وإثارة النعرات الطائفية، إضافة إلى اتهام بـ«سب الذات الإلهية» في إحدى الحالات.

وتراوحت مدد المنع بين 20 يومًا وعام كامل، كما في حالة المحلل غيث التميمي، الذي حُظر ظهوره في جميع وسائل الإعلام العراقية لمدة سنة.

ولم تقتصر القرارات على شخصيات عراقية، إذ منعت الهيئة الباحث الأردني عادل محمود من الظهور ثلاثة أشهر بسبب تصريحات أدلى بها خلال برنامج تلفزيوني.

كما وجّهت الهيئة إنذارات إلى وسائل إعلام عربية ودولية، من بينها «العربية الحدث» و«الجزيرة الإنجليزية»، على خلفية ما وصفته بنشر معلومات مضللة بشأن قصف استهدف معسكر الحبانية في محافظة الأنبار.

معاقبة الظهور التلفزيوني بسبب منشورات على الإنترنت

وسجّل التقرير حالات مُنعت فيها شخصيات من الظهور التلفزيوني بسبب منشورات كتبتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وليس بسبب محتوى بثته عبر وسائل الإعلام.

ورأت الجمعية أن هذا النوع من القرارات يكشف توسع الهيئة في استخدام صلاحياتها، ويتعارض حتى مع لوائح البث التي تعتمد عليها في إصدار العقوبات، فضلًا عن اعتراض الجمعية على قانونية هذه اللوائح من الأساس.

جدل بشأن الجهة المخولة بإصدار العقوبات

أُنشئت هيئة الإعلام والاتصالات بموجب الأمر رقم 65، الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة عام 2004، فيما نصت المادة 103 من الدستور العراقي على استقلالها المالي والإداري وارتباطها بمجلس النواب.

لكن الجمعية تقول إن الهيئة ابتعدت عن طبيعتها المستقلة، وخضعت لنظام المحاصصة السياسية، ما انعكس على قراراتها وجعلها، بحسب وصف التقرير، خاضعة لـ«أمزجة حزبية ضيقة».

ويركز التقرير على الخلاف بشأن الجهة التي تملك صلاحية تحديد العقوبات وتنفيذها، موضحًا أن القسم الثامن من الأمر رقم 65 يمنح هذه الصلاحية لمجلس المفوضين، وليس لرئيس الجهاز التنفيذي.

وبحسب الجمعية، أصدر رئيس الجهاز التنفيذي للهيئة، بليغ أبو كلل، جزءًا كبيرًا من القرارات من دون الرجوع إلى مجلس المفوضين.

كما يؤكد التقرير أن الأمر رقم 65 لا يتضمن عقوبة منع الأشخاص من الظهور الإعلامي، معتبرًا أن استحداث هذه العقوبة يمثل اجتهادًا إداريًا يتعارض مع المادة 38 من الدستور، التي تكفل حرية التعبير والصحافة والإعلام.

وطعنت الجمعية كذلك في قانونية لوائح البث التي استندت إليها معظم العقوبات، قائلة إنها وُضعت بطريقة لا تتفق مع الآلية المنصوص عليها في القسم الثامن من الأمر المنظّم لعمل الهيئة.

مطالب بإعادة هيكلة هيئة الإعلام والاتصالات

دعت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة رئيس مجلس الوزراء إلى التدخل لحماية حرية العمل الصحفي وإبعاد الهيئة عن المحاصصة السياسية.

كما أوصت بإسناد رئاسة الجهاز التنفيذي وعضوية مجلس المفوضين ومجلس الاستماع إلى شخصيات متخصصة في الإعلام، بهدف تصحيح مسار الهيئة التي قالت إنها «تحولت إلى ما يشبه وزارة إعلام».

وطالبت الجمعية مجلس النواب بإقرار قانون جديد ينظّم عمل الهيئة، ويضمن استقلالها وحيادها، ويمنع خضوع قراراتها للتجاذبات السياسية.

ويمثل التقرير رواية جمعية معنية بالدفاع عن حرية الصحافة، فيما لم يتضمن ردًا من هيئة الإعلام والاتصالات يوضح الأساس القانوني لكل قرار أو يجيب عن الاتهامات الواردة فيه.

ومع ذلك، تثير الأرقام التي وثّقها التقرير أسئلة بشأن حدود صلاحيات الهيئة، خصوصًا أن العراق ألغى وزارة الإعلام عام 2003، قبل أن تعود قرارات المنع والرقابة، وفق الجمعية، عبر مؤسسة أُنشئت أساسًا لتنظيم قطاع الإعلام والاتصالات، وليس لمراقبة الآراء أو تقييد ظهور أصحابها.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي