أثار تحقيق نشرته مجلة “ذا نيويوركر” الأمريكية، في 19 سبتمبر 2026، عن العلاقات المالية والإعلامية بين قطر وشخصيات مقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مواجهة تتجاوز مضمون الاتهامات السياسية إلى مساءلة المعايير المهنية التي تحكم نشر التحقيقات الصحفية، بعدما أعلنت الدوحة أنها قدمت للمجلة، قبل النشر، أدلة تثبت زيف مستندات استندت إليها في تحقيقها.
وفي بيان صدر الاثنين 21 سبتمبر، رفض مكتب الإعلام الدولي لدولة قطر ما ورد في التحقيق، مؤكداً أنه يستند إلى معلومات ووثائق مزوّرة ومختلقة، ومعبّراً عن استغرابه من قرار المجلة المضي في نشره رغم اطلاعها، بحسب البيان، على أدلة تطعن في صحة المستندات.
ووصف المكتب التقرير بأنه أقرب إلى مدونة تفتقر إلى المهنية منه إلى تحقيق صادر عن مؤسسة إعلامية مرموقة مثل “ذا نيويوركر”، معلناً دراسة الخيارات القانونية المناسبة للرد على نشر ما اعتبره معلومات مضللة تستهدف قطر ودورها في الوساطة الإقليمية.
ما الذي نشرته “ذا نيويوركر”؟
حمل تحقيق المجلة، الذي أعدته الصحفية روث مارغاليت، عنوان “فضيحة قطر غيت في إسرائيل”، وتناول علاقات مالية وإعلامية مزعومة بين قطر ومستشارين مقربين من نتنياهو، في سياق مساعٍ لتحسين صورة الدوحة داخل المجتمع الإسرائيلي وتعزيز موقعها وسيطاً في مفاوضات الحرب على غزة.
واستعرض التحقيق اتهامات تتعلق بحصول شخصيات سياسية إسرائيلية على أموال قطرية، مستنداً في جزء من روايته إلى وثائق سبق أن نشرتها منصة “بلاست” الفرنسية، تتحدث عن مدفوعات مزعومة بقيمة 15 مليون دولار لنتنياهو وخمسة ملايين دولار لأفيغدور ليبرمان عام 2012، بالإضافة إلى مبلغ آخر قدره 50 مليون دولار لنتنياهو عام 2018.
كما نقلت المجلة عن مسؤول سابق في جهاز الموساد الإسرائيلي اتهامات لنتنياهو بالحصول على أموال قطرية، وتناولت تقارير بشأن المساعدات التي قدمتها الدوحة لقطاع غزة، واحتمال استفادة حركة حماس من جزء منها.
لكن المجلة أقرت، في الوقت نفسه، بأن الوثائق المالية لا تتضمن تفاصيل الحسابات المصرفية، وأنه لا توجد أدلة تثبت تسلّم نتنياهو الأموال بالفعل، كما أشارت إلى عدم فتح تحقيق رسمي بشأن المستندات التي نشرتها “بلاست”.
وثائق مشكوك فيها قبل وصولها إلى المجلة
تكمن أهمية الرد القطري في أنه لم يقتصر على نفي الاتهامات، وإنما طعن في الطريقة التي تعاملت بها المجلة مع المواد التي بنت عليها جزءاً من تحقيقها.
فبحسب مكتب الإعلام الدولي، زُوّدت “ذا نيويوركر” قبل النشر بأدلة واضحة تثبت زيف مستندات “بلاست” وغيرها من الوثائق التي تدعم الاتهامات، كما قال إن هذه المستندات سبق تداولها ومحاولة الترويج لها عبر وسائل إعلام مختلفة، وإن مؤسسات أخرى امتنعت عن نشرها بعد الاطلاع على أدلة تثبت أنها مختلقة.
وتكتسب هذه الرواية أهمية إضافية عند العودة إلى تحقيق المجلة نفسه، الذي أورد معلومات تثير تساؤلات حول موثوقية المستندات، من بينها تقرير نشرته صحيفة “ذا ماركر” الاقتصادية الإسرائيلية في يوليو 2024، تناول انتشار تجارة الوثائق المزوّرة في إسرائيل، وذكر مستندات “بلاست” ضمن وثائق أثيرت الشكوك بشأن صحتها.
كما استعرض التحقيق واقعة بيع وثائق مالية مزعومة إلى مؤسس معهد “ميمري” الإسرائيلي، قبل أن يعلن الشخص المرتبط بتوفير تلك الوثائق أنها مزوّرة.
ومع ذلك، نقلت المجلة عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين سابقين اعتقادهم بأن وثائق “بلاست” الأصلية قد تكون صحيحة، وأن نشر مستندات مزوّرة لاحقاً ربما استُخدم لتشويه الملف الأصلي وتقويض مصداقيته.
هذا التباين بين الروايات يجعل السؤال المهني أكثر إلحاحاً: كيف حسمت المجلة موقفها التحريري من وثائق تعرف أنها محل نزاع، وتلقت بشأنها، وفق الرواية القطرية، أدلة تطعن في صحتها قبل النشر؟
النفي القطري حاضر.. لكن أين أدلة النفي؟
تكشف مراجعة التحقيق عن مفارقة تستحق التوقف عندها، فقد أوردت “ذا نيويوركر” تصريحاً لمتحدث باسم الحكومة القطرية ينفي تقديم مدفوعات لسياسيين إسرائيليين، ويؤكد أن وثائق رسمية مزوّرة تُتداول عبر وسائل الإعلام لدعم ادعاءات مثيرة بشأن الدوحة، لكنها تنهار عند إخضاعها لتدقيق جاد.
وأضاف المتحدث، وفق ما نقلته المجلة، أن قطر تمتلك أدلة قوية على مشاركة أطراف مختلفة، بينها عناصر من اليمين الإسرائيلي المتطرف، في تداول وثائق مفبركة عبر وسائل الإعلام على مدى سنوات، في محاولة لتوريطها.
إذن، لم يكن النفي القطري مفاجأة ظهرت بعد نشر التحقيق، بل كان جزءاً من المادة التي اطلعت عليها الصحفية وفريق التحرير قبل النشر، غير أن النص لم يعرض طبيعة الأدلة التي تقول قطر إنها قدمتها، أو يشرح كيفية التعامل معها خلال عملية التحقق.
وهنا تظهر فجوة تحريرية لا يسدّها مجرد إدراج تصريح حكومي ينفي الاتهامات، فثمة فرق جوهري بين منح الجهة المتهمة مساحة للرد، وإخضاع الأدلة التي تقدمها لفحص جاد، خصوصاً عندما تتعلق بأصالة المستندات التي يستند إليها التحقيق.
فإذا كانت قطر قد قدمت وثائق أصلية أو أدلة فنية أو معلومات تسمح بتفنيد المستندات المنشورة، كما يؤكد بيانها، فإن السؤال لا يتعلق بسبب رفض المجلة تبنّي الرواية القطرية، وإنما بسبب عدم إطلاع الجمهور على طبيعة تلك الأدلة ونتائج فحصها.
أما إذا كانت المجلة قد درستها وانتهت إلى أنها لا تنقض رواية مصادرها، فإن توضيح الأساس الذي استندت إليه في ذلك كان سيمنح تحقيقها قدراً أكبر من الشفافية، ويتيح للقارئ فهم الأسباب التي دفعتها إلى نشر الاتهامات رغم الاعتراضات.
والأكثر إثارة للتساؤل أن المجلة خصصت مساحة لشرح محاولات المسؤول السابق في الموساد أودي ليفي التحقق من المستندات، عبر مقارنة التوقيعات والأرقام التسلسلية بوثائق أخرى، لكنها لم تخصص مساحة مماثلة لعرض الأدلة المضادة التي تقول قطر إنها قدمتها لإثبات زيف تلك المستندات.
هذا التفاوت في عرض مسارات التحقق لا يثبت وحده انحياز المجلة أو تعمّدها تجاهل الأدلة، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً بشأن مدى التكافؤ في إخضاع الروايات المتعارضة للفحص، ولا سيما عندما يتعلق الأمر باتهامات مالية قد تكون لها تداعيات سياسية وقانونية واسعة.
فشهادة مسؤول أمني سابق، مهما بلغت خبرته، لا تعادل التحقق المستقل من أصالة وثيقة مالية، كما أن الاعتقاد بأن حملة تزوير محتملة استهدفت تشويه وثائق سابقة لا يثبت صحة تلك الوثائق تلقائياً.
وبالمثل، فإن النفي القطري، حتى عندما يتضمن تأكيداً بوجود أدلة على التزوير، يحتاج إلى فحص مستقل قبل اعتماده حقيقة نهائية.
لكن عبء التحقق من صحة المستندات التي اختارت المجلة نشر اتهامات بالاستناد إليها يظل مسؤولية تحريرية تقع على المؤسسة الناشرة، ولا ينتقل إلى الجهة المتهمة لمجرد منحها فرصة الرد.
بين حق النشر ومسؤولية التحقق
لا يعني اعتراض جهة ورد اسمها في تحقيق صحفي أن المؤسسة الناشرة مطالبة تلقائياً بسحب مادتها أو الامتناع عن نشرها، كما أن النفي الرسمي لا يكفي وحده لإبطال تحقيق استند إلى مصادر ووثائق متعددة.
لكن الاعتراض يكتسب وزناً مهنياً مختلفاً عندما يتعلق بأصالة الوثائق نفسها، خصوصاً إذا كانت جزءاً أساسياً من اتهامات مالية وسياسية قد تترتب عليها تداعيات واسعة.
وفي حالة “ذا نيويوركر”، لا يكمن السؤال في حق المجلة في تناول العلاقات القطرية الإسرائيلية أو التحقيق في شبكات التأثير السياسي، وإنما في مدى كفاية إجراءات التحقق المستقلة من المستندات التي استُخدمت لدعم اتهامات محددة.
فوجود وثيقة تحمل شعار مؤسسة رسمية، أو توقيع مسؤول، أو رقماً تسلسلياً يبدو متوافقاً مع وثائق أخرى، لا يكفي بمفرده لإثبات أصالتها، إذ يظل التحقق من مصدر الوثيقة ومسار انتقالها ومضمونها ضرورياً قبل الاستناد إليها في توجيه اتهامات بهذا الحجم.
وهنا يظهر الفارق بين نشر اتهام باعتباره موضوعاً يستحق التحقيق، وبين منح المستندات التي تحمله وزناً يوحي بوجود إثبات لم يكتمل بعد.
فالأهمية الصحفية للاتهام لا تعفي المؤسسة من مسؤولية التحقق من الأدلة التي تنشرها، كما أن خطورة القضية لا تمنح المستندات المشكوك فيها حصانة من الفحص لمجرد توافقها مع روايات مصادر أمنية أو سياسية.
وتزداد هذه المسؤولية عندما تكون الوثائق متداولة منذ سنوات، وتوجد تقارير سابقة تشكك في صحتها، وتتلقى المؤسسة اعتراضاً من الجهة المعنية قبل النشر، تقول إنه مدعوم بأدلة تثبت التزوير.
في مثل هذه الظروف، يصبح شرح عملية التحقق جزءاً من المادة الصحفية نفسها، لا تفصيلاً يمكن الاستغناء عنه، لأن الجمهور يحتاج إلى معرفة الأساس الذي يسمح له بالتمييز بين ما ثبت بالدليل، وما يستند إلى شهادة مصدر، وما يزال في دائرة الاتهام.

