بعد ستة عشر عامًا من اللجان والمسودات، أقرَّ مجلس النواب اللبناني قانون الإعلام الجديد خلال جلسته التشريعية التي بدأت في 11 أغسطس 2026، منهيًا مسارًا بدأ بأول اقتراح قدَّمته مؤسسة «مهارات» والنائب السابق غسان مخيبر عام 2010.
جاء إقرار القانون ضمن جلسة حملت قرارات تشريعية كبيرة، بينها إلغاء عقوبة الإعدام وإقرار العفو العام، فبدا جزءًا من محاولة لإعادة بناء المنظومة القانونية اللبنانية. لكن الاحتفاء به لم يستمر طويلًا؛ ففي اليوم نفسه وصفته نقابتا الصحافة ومحرري الصحافة بأنه «قانون العار»، بينما أقرَّ وزير الإعلام بول مرقص بأن النص يحمل ثغرة أساسية، وتعهَّد بالعمل على تعديلها.
تتركز المعركة حول سؤال واحد: هل ألغى القانون سجنَ الصحفيين بسبب ما ينشرونه، أم ترك عقوبة السجن قائمة تحت عنوان مكافحة الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة؟
قانون جديد لقطاع تحكمه نصوص قديمة
حتى إقرار القانون الجديد، ظل الإعلام اللبناني محكومًا بقانون المطبوعات الصادر عام 1962 وقانون الإعلام المرئي والمسموع الصادر عام 1994، وهما نصَّان سبقا ظهورَ المواقع الإخبارية ومنصات التواصل والتحولات التي أحدثها النشر الرقمي.
جاء القانون الجديد ليجمع تنظيم الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون والمواقع الإلكترونية تحت مظلة واحدة، ويعترف للمرة الأولى بالإعلام الرقمي بوصفه جزءًا من المنظومة الإعلامية لا نشاطًا يقع خارجها.
وبحسب وزارة الإعلام، يستحدث القانون هيئةً وطنية مستقلة للإعلام، وينظم حق الرد، ويضع قواعد للإفصاح عن ملكية المؤسسات الإعلامية ومصادر تمويلها، ويوفر حمايةً أكبر للمصادر الصحفية. كما ينقل قضايا النشر إلى قضاء مدني متخصص بدلًا من إحالة الصحفيين إلى المحاكم العسكرية أو محاكم الجزاء العادية، ويستبدل الترخيصَ المسبق في بعض المجالات بنظام «العلم والخبر»، بما يسمح بتأسيس الوسيلة الإعلامية بعد إبلاغ الجهات المختصة بدلًا من انتظار موافقتها.
وتقول الوزارة إن القانون يتضمن كذلك أحكامًا لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض، ويضع إطارًا قانونيًا للمواقع التي عملت طوال سنوات من دون قواعد واضحة تحدد حقوقها ومسؤولياتها.
دفعت هذه البنودُ منظمةَ اليونسكو إلى الترحيب بإقرار القانون واعتباره خطوة مهمة نحو تحديث البيئة الإعلامية في لبنان، مع التشديد على أن نجاحه يتوقف على تطبيقه بما ينسجم مع حرية التعبير وسلامة الصحفيين والمعايير الدولية.
المادة 104 تُعيد السجن من الباب الخلفي
تكمن المشكلة الرئيسية في الفقرة «ب» من المادة 104، التي تعاقب كل من يتعمد اختلاق معلومات مضللة أو نشر أخبار كاذبة وخبيثة بالسجن مدةً تتراوح بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات، إضافة إلى غرامة تبدأ بخمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور وقد تصل إلى خمسة عشر ضعفًا، أو بإحدى العقوبتين.
لا يعترض منتقدو القانون على محاسبة من يتعمد التضليل أو اختلاق الوقائع لإلحاق الضرر بالآخرين، لكنهم يحذِّرون من أن النص لا يقدم تعريفًا دقيقًا للمعلومات المضللة أو الأخبار الكاذبة والخبيثة، ولا يوضح الفارق بين التضليل المتعمد والخطأ الصحفي أو التقدير المهني المختلف.
هذا الغموض يمنح جهات التحقيق والمحاكم مساحة واسعة لتفسير المادة، وقد يسمح باستخدامها ضد تحقيق صحفي كشف معلومات محرجة، أو تقرير تضمَّن خطأً غير مقصود، أو تحليل سياسي يخالف رواية مسؤول أو جهة نافذة.
وتزداد المخاوف لأن العقوبة قد تصل إلى ثلاث سنوات، مما قد يفتح — بحسب حقوقيين — باب التوقيف الاحتياطي في بعض الحالات، رغم أن أحد الأهداف الأساسية المعلنة للقانون كان منعَ توقيف الصحفي بسبب عمله.
وكانت منظمات حقوقية لبنانية ودولية قد حذَّرت خلال مناقشة المسودات السابقة من الإبقاء على عقوبات جنائية مرتبطة بالنشر، وطالبت باستبدالها بالمسؤولية المدنية والغرامات المتناسبة، وبإلغاء تجريم القدح والذم والتجديف وانتقاد الموظفين العموميين.
وزير الإعلام يدافع عن القانون ويعترف بثغرته
لا تقتصر الاعتراضات على النقابات والمنظمات الحقوقية؛ فقد أعلن وزير الإعلام بول مرقص أنه سجَّل اعتراضه على الفقرتين «ب» و«ج» من المادة 104، وكشف عن عزمه تشكيلَ لجنة سريعة لإعداد اقتراح قانون يلغي الفقرتين أو يعدِّلهما.
ووصف مرقص القانونَ بأنه خطوة كبيرة في تحديث الإعلام اللبناني، لكنه أقرَّ بأن الإنجاز يظل منقوصًا ما دامت عقوبة السجن قائمة في إحدى مواده.
ويكشف موقف الوزير أن الخلاف لا يدور بين حكومة تعتبر القانون إصلاحيًا ونقابات ترفضه بالكامل؛ فحتى الجهة الرسمية التي دافعت عنه تعترف بأن مادته العقابية تتعارض مع الاتجاه العام الذي يفترض أن ينقل قضايا النشر من العقاب الجنائي إلى المسؤولية المدنية.
النقابتان: وعود لم تصل إلى التصويت
ترى نقابتا الصحافة ومحرري الصحافة أن ما جرى يتجاوز الخلاف حول صياغة قانونية؛ إذ تقولان إن ممثليهما تلقَّوا قبل الجلسة تطمينات بشأن تعديل المواد التي تسمح بسجن الصحفيين وفرض غرامات باهظة، قبل أن يُفاجَأوا بإقرار النص من دون التعديلات المنتظرة.
لهذا وصفت النقابتان القانونَ بأنه «قانون العار» و«القانون المجزرة»، واعتبرتا أنه يضع سيفًا مسلَّطًا على الصحفيين ويهدد استقلال المهنة.
وقال نقيب محرري الصحافة جوزف القصيفي إن النقابة ترفض قانونًا يحمل اسم الإعلام بينما يتيح سجنَ العاملين فيه. وأعلنت النقابتان استعدادهما للتحرك القانوني والطعن في النص، وطالبتا رئيسَ الجمهورية بإعادته إلى مجلس النواب لإعادة النظر فيه.
وتشمل اعتراضاتهما أيضًا طريقةَ تشكيل الهيئة الوطنية للإعلام، وتمثيلَ الصحفيين داخلها، والجهةَ المسؤولة عن تنظيم المواقع الإلكترونية، إضافة إلى حجم بعض الغرامات والصلاحيات الممنوحة للهيئات الإدارية والقضائية.
الجنسية اللبنانية شرط للمدير المسؤول
تثير المادة 63 اعتراضًا آخر؛ إذ تشترط أن يكون المدير المسؤول عن الموقع الإخباري الإلكتروني المهني لبنانيًا ومتمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية.
ولا تمنع المادة الصحفيَّ الفلسطيني أو الأجنبي من العمل في الموقع أو المشاركة في ملكيته، لكنها تحول دون توليه منصب المدير المسؤول، وهو الشخص الذي يتحمل المسؤولية القانونية عن المحتوى المنشور.
ويعني ذلك أن الصحفي الفلسطيني المقيم في لبنان قد يتمكن من تأسيس منصة أو العمل فيها، لكنه سيحتاج إلى تعيين مدير لبناني ليكون المسؤول قانونيًا أمام السلطات.
ويرى منتقدو هذا الشرط أنه يميِّز بين الصحفيين على أساس الجنسية، ويضعف قدرةَ الفلسطينيين وغير اللبنانيين على إدارة منابرهم بصورة مستقلة، بينما يعتبره مؤيدوه امتدادًا للشروط المعمول بها في عدد من المهن المنظَّمة داخل لبنان.
إصلاح يحمل داخله ما قد يُقوِّضه
لا يمكن اختزال القانون في وصفه بأنه انتصار كامل لحرية الإعلام، كما لا يمكن تجاهل ما يتضمنه من تحديثات انتظرها القطاع سنوات طويلة.
فهو يعترف بالإعلام الرقمي، ويوحِّد القواعد المنظِّمة للقطاع، وينقل قضايا الإعلام إلى قضاء مدني متخصص، وينظم حق الرد والملكية والشفافية — وهي تغييرات مهمة في بلد ظل يعمل بنصوص سبقت ظهور الإنترنت.
لكن الإبقاء على عقوبة السجن في مادة فضفاضة قد يُقوِّض هذه الإصلاحات كلها؛ لأن الصحفي لن يستفيد من محكمة متخصصة أو هيئة مستقلة إذا ظل معرَّضًا للسجن بسبب تعبير قابل لتفسيرات متعددة كـ«المعلومات المضللة» أو «الأخبار الخبيثة».
لهذا لن يُقاس نجاح القانون بعدد مواده الجديدة، وإنما بما سيحدث للمادة 104، وبمدى استقلال الهيئة الوطنية والمحكمة المتخصصة، وبالطريقة التي ستتعامل بها السلطات مع أول تحقيق صحفي يثير غضب مسؤول أو مؤسسة نافذة.
فإذا عُدِّلت المادة وأُغلقت أبواب السجن، يمكن للقانون أن يؤسس لمرحلة جديدة في الإعلام اللبناني. أما إذا بقيت بصيغتها الحالية، فسيكون لبنان قد حدَّث شكلَ منظومته الإعلامية من دون أن يتخلى عن أخطر أدواتها القديمة.

