في مساء الجمعة 7 أغسطس 2026، وفي مكة المكرمة، وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، ونصُّها المركزي أن “أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع”. وفي اليوم نفسه، كانت وكالة أنباء الإمارات “وام” منشغلةً فعلًا بشأن سعودي: فقد وزّعت بيان وزارة الخارجية الإماراتية الذي يدين هجوم جماعة الحوثي على نجران ويصفه بأنه “انتهاك صارخ لسيادة المملكة العربية السعودية الشقيقة”، فنشرته “الإمارات اليوم” عند الساعة 12:03 و”البيان” عند 16:08، ولحقت بهما “الخليج” في اليوم التالي.
أما خبر الاتفاقية ذاتها — الحدث الذي تصدّر عناوين الإعلام الدولي والإقليمي — فلم يظهر له، بعد 48 ساعة من التوقيع، أثر واحد في الوكالة الرسمية ولا في 7 صحف ومواقع إخبارية إماراتية ناطقة بالعربية شملها الرصد. ظهر خبر يتيم واحد في “سكاي نيوز عربية”، وتغطية مهنية باردة في الصحافة الإماراتية الناطقة بالإنجليزية، ونقد صريح واحد لم يصدر عن مؤسسة بل عن أكاديمي قريب من دوائر القرار في أبوظبي، فتحوّل إلى سجال سعودي إماراتي علني.
تجيب هذه القراءة عن سؤال واحد: كيف تعامل الإعلام الإماراتي، بذراعيه العربية والإنجليزية، مع اتفاق وُقّع في مكة وغابت عنه أبوظبي، في لحظة توتر مكتوم بين الرياض وأبوظبي؟ والجواب الذي تكشفه المقارنة ليس صمتًا واحدًا متجانسًا، بل 4 نماذج متدرجة من إدارة الإحراج: صمت مؤسسي كامل بالعربية، وخبر وكالة وحيد مجرّد من التسمية والتحليل، ومهنية باردة بالإنجليزية تتجنب السؤال المحرج، ونقد “بالوكالة” يقول ما لا تستطيع المؤسسات قوله.
ما الذي وُقّع في مكة، ولماذا يُحرج أبوظبي؟
جاءت الاتفاقية — بحسب وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني — تتويجًا لمفاوضات استمرت نحو عام، وبناءً على اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك السعودي الباكستاني الموقّع في 17 سبتمبر 2025، وفي ذروة سياق إقليمي ملتهب: حرب أمريكية إسرائيلية مع إيران، وتهديد للملاحة في مضيق هرمز، وهجمات طالت سفينة تابعة لمجموعة “أدنوك” الإماراتية، وهجوم حوثي على نجران أدانته أبوظبي في يوم التوقيع نفسه. وقرأتها مراكز تحليل غربية، بينها “المجلس الأطلسي”، بوصفها تحولًا سعوديًا من انتظار ضمانة أمنية أمريكية إلى بناء شبكة ردع متعددة الأطراف، فيما شدّد أردوغان على أن الاتفاقية “لا تستهدف أي دولة”.
الإحراج الإماراتي مزدوج. فالاتفاقية تعيد رسم مظلة الأمن الخليجي من خارج مجلس التعاون، الذي تُعد اتفاقية دفاعه المشترك المقرّة عام 2000 إطارَه الجماعي النظري، وتُدخل في قلب المظلة الجديدة تركيا — الخصم الإقليمي التاريخي لخط أبوظبي قبل مصالحة السنوات الأخيرة — وباكستان. ثم إنها تأتي بعد أشهر من توتر سعودي إماراتي تصاعد منذ ديسمبر 2025 على خلفية الملف اليمني، حين تبادلت العاصمتان بيانات حادة رصدت “الجزيرة نت” انعكاسه على إعلام البلدين تحت عنوان “حزم مقابل العتب”، قبل أن تحاولا ترميم العلاقة علنيًا: في 22 يوليو 2026، علّق المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش على صورة جمعت الشيخ منصور بن زايد بالأمير خالد بن سلمان بقوله إن “أكبر قصة في الخليج تختصرها صورة واحدة”، مستشهدًا ببيت “الرماح إن اجتمعت تأبى التكسر”. بعد 16 يومًا من بيت الرماح، اجتمعت 3 رماح في مكة — ولم يكن أي منها إماراتيًا، ولم يصدر عن أبوظبي الرسمية، بحدود هذا الرصد، أي تعليق.
منهج الرصد وحدوده
شمل الرصد، الذي أُجري يومي 8 و9 أغسطس 2026 عبر البحث المفهرس والجلب المباشر حيثما أمكن، 13 منفذًا: “وام” و”الاتحاد” و”البيان” و”الخليج” و”الإمارات اليوم” و”الرؤية” و”موقع 24″ و”العين الإخبارية” و”سكاي نيوز عربية” بالعربية، و”ذا ناشيونال” و”غلف نيوز” و”خليج تايمز” و”أرابيان بيزنس” بالإنجليزية، إضافة إلى تلفزيوني أبوظبي ودبي وحسابات أبرز المعلقين الإماراتيين على منصة “إكس”.
النموذج الأول: الصمت المؤسسي — الوكالة التي غطّت نجران وتجاوزت مكة
لم تُظهر البحوث المتكررة، بالعربية والإنجليزية، أي خبر لوكالة “وام” عن الاتفاقية، مع أن سوابقها التحريرية لا تفسر الغياب: فالوكالة نفسها نشرت خبر الاتفاق السعودي الباكستاني الثنائي في سبتمبر 2025، وكانت يوم 7 أغسطس توزع بيان إدانة هجوم نجران. أي أن الشأن السعودي لم يغب عن أجندتها في يوم التوقيع؛ الغائب تحديدًا هو الاتفاقية. وهذا ما نسميه في هذه القراءة “اختبار اليوم نفسه”: حين ينشر المنفذ مادة عن الطرف ذاته في اليوم ذاته ويُغفل الحدث الأكبر، يصبح تفسير الغياب بالزحام الإخباري أو الغفلة أضعف من تفسيره بالاختيار.
والنمط نفسه تكرر في الصحف: “البيان” و”الإمارات اليوم” نشرتا بيان نجران يوم الجمعة ولم تنشرا حرفًا عن الاتفاقية، و”الخليج” نشرت بيان نجران يوم السبت ولم يظهر لها شيء عن الاتفاقية، و”الاتحاد” و”الرؤية” لم يظهر لهما شيء في الملفين. والأكثر دلالة حالة الموقعين الأقرب إلى ماكينة الإعلام السياسي في أبوظبي: “موقع 24″، الذي كان غطّى اتفاق سبتمبر 2025 بكثافة لافتة بلغت حد تقرير عنوانه “اتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية.. هل وضعت 170 رأسًا نوويًا على ذمة الرياض؟”، و”العين الإخبارية” التي تابعت في مارس 2026 مباحثات توسيع الاتفاق الثنائي برسائله الموجهة إلى إيران — كلاهما لم يظهر له أي مادة عن اتفاقية مكة. فالاهتمام بالملف موجود ومثبت بالأرشيف؛ الغائب هو الحدث الأحدث والأكبر.
النموذج الثاني: الخبر اليتيم — “سكاي نيوز عربية” واختبار السابقة
المادة الإماراتية العربية الوحيدة التي أظهرها الرصد خبرٌ قصير نشرته “سكاي نيوز عربية”، القناة التي تمتلك أبوظبي حصة فيها، بعد ظهر يوم التوقيع، بعنوان “توقيع اتفاقية للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان”. الخبر منقول عن وكالة الأنباء السعودية “واس”، يورد البند المركزي “أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع”، ولا يتجاوز البيان الرسمي: لا تحليل، ولا خبراء، ولا ذكر لإيران أو إسرائيل أو البعد النووي الباكستاني، ولا — بطبيعة الحال — أي سؤال عن موقع الإمارات ودول الخليج الأخرى من الاتفاق. حتى العنوان جاء مجردًا من الاسم الرسمي “اتفاقية مكة” الذي تصدّر به الحدث في الإعلام السعودي والدولي.
وهنا يأتي المعيار الثاني في هذه القراءة، “اختبار السابقة”: مقارنة تعامل المنفذ نفسه مع الحدث المماثل الأقرب. فحين وُقّع الاتفاق السعودي الباكستاني الثنائي في سبتمبر 2025 — قبل احتدام التوتر بين الرياض وأبوظبي — نشرت “سكاي نيوز عربية” 4 مواد على الأقل خلال أيام، بينها تحليلات موسعة بعناوين من قبيل “تحالف يغيّر موازين المنطقة” وأخرى تفتح “باب الحديث عن ناتو إسلامي”. أما أمام اتفاق أوسع نطاقًا وأعلى تمثيلًا — وقّعه ولي العهد السعودي شخصيًا مع أردوغان وشريف — فانكمشت التغطية إلى خبر وكالة واحد. كبر الحدث وصغرت التغطية؛ والمتغير الأوضح بين اللحظتين ليس حجم الخبر، بل حال العلاقة بين العاصمتين ودخول تركيا طرفًا ثالثًا.
ومؤشر خارجي يعزز الصورة: مقارنة أجرتها منصة المقارنة الصحفية “نيوزكورد” لأطر معالجة 29 وسيلة إعلامية غطت خبر التوقيع لم تتضمن وسيلة إماراتية واحدة، بينما حضرت فيها “الجزيرة” و”سي إن إن بالعربية” و”الحرة” وصحف تركية.
النموذج الثالث: مهنية باردة بالإنجليزية — وفجوة بين ما يقرأه الأجنبي وما يقرأه المواطن
الصحافة الإماراتية الناطقة بالإنجليزية غطت الحدث فعلًا، وبمستوى لا يمكن وصفه بالتعتيم. “ذا ناشيونال” الأبوظبية نشرت يوم التوقيع تقريرًا موسعًا بتوقيع صحفية من طاقمها، أوردت فيه بند الدفاع الجماعي، ووصفت باكستان بالقوة النووية، واستعانت بباحثة من معهد الخدمات المتحدة الملكي “روسي” البريطاني، وأضافت جملة تحفظ مهني نادرة في هذا السياق: أن البيان “لم يقدم تفاصيل عن الالتزامات التي قبلها كل طرف، وليس واضحًا إلى أي مدى سيُلزمهم الاتفاق بأي عمل عسكري محدد” (بترجمتنا). و”غلف نيوز” الدبيّة كانت الأوسع تغطية بين المنافذ الإماراتية كلها: 4 مواد على الأقل بين خبر التوقيع وتحليل وكالة وموجزات خدمية لسكان الإمارات أبرزت التطمينات السعودية بأن الاتفاق “ليس حلفًا عسكريًا ولا كتلة طائفية ولا يستهدف أي دولة”. أما “خليج تايمز” فاكتفت بنشر نسخة وكالة الصحافة الفرنسية كاملة، ولم يظهر لـ”أرابيان بيزنس” شيء.
لكن قراءة هذه التغطية عن قرب تكشف 3 خصائص مشتركة تحوّل المهنية إلى شكل آخر من أشكال الحذر. الأولى غياب الرأي غيابًا تامًا: لا افتتاحية واحدة ولا مقال رأي واحد في أي منفذ إماراتي، عربيًا كان أم إنجليزيًا، عن حدث يُعاد به رسم بنية الأمن الإقليمي — بينما كانت صحف سعودية ودولية تنشر مقالات الرأي في اليوم التالي. والثانية تعيد التشكيك: فالجمل النقدية القليلة في التغطية الإنجليزية كلها مستوردة من وكالات وخبراء أجانب — “يشكك محللون في أن يُفعَّل هذا البند” في نسخة الوكالة الفرنسية التي نشرتها “غلف نيوز” و”خليج تايمز” — ولا جملة تقييمية واحدة بقلم إماراتي. والثالثة، وهي الأبلغ: صفر إشارة إلى الإمارات نفسها؛ إذ لم يطرح منفذ واحد، بأي لغة، السؤال الذي يفرض نفسه على أي قارئ: أين أبوظبي — وسائر عواصم الخليج — من اتفاق يعيد تعريف مظلة الدفاع في جوارها المباشر؟
والمحصلة فجوة لغوية ذات دلالة: قارئ الإنجليزية في الإمارات، والجمهور الخارجي الذي تخاطبه هذه الصحف، حصل على الخبر شبه كامل؛ أما قارئ العربية، أي الجمهور المحلي والخليجي الأوسع، فلم يصله من منافذ بلاده إلا خبر واحد قصير على موقع قناة إقليمية. وحين تتباين الرواية بهذا الحجم بين لغتي المنظومة الإعلامية الواحدة، يصبح التباين نفسه رسالة.
النموذج الرابع: النقد بالوكالة — تغريدات تقول ما لا تقوله المؤسسات
في المقابل، خرج الموقف الذي لم تنطق به المؤسسات من حساب واحد على منصة “إكس”: حساب عبدالخالق عبدالله، أستاذ العلوم السياسية الإماراتي المحسوب تقليديًا على دوائر صنع القرار في أبوظبي. فبين 7 و8 أغسطس نشر الرجل سلسلة منشورات تساءل فيها — بحسب نصوص وثّقتها “سي إن إن بالعربية” (CNN بالعربية) ومواقع عربية عدة — عما إذا كان الاتفاق قد أُبرم “بعلم دول مجلس التعاون الخليجي”، ورأى أن تقوية التعاون العسكري الخليجي وتوحيد “البيت الخليجي” أهم من تحالف مع دول قال إنه “لا يعتد بمصداقيتها”، وذكّر بأن “من شروط نجاح أي حلف تحديد العدو المشترك”. وفي منشور متاح نصه على المنصة كتب: “إن لم يكن هذا الاتفاق حلفًا فما هو المسمى الذي يليق به؟”، مقرًا في السياق ذاته بأن الدفاع الخليجي المشترك المقر عام 2000 “انهار”.
ولم يمر النقد بلا رد. فقد أجابه الأمير السعودي عبدالرحمن بن مساعد — بحسب ما نقلته “سي إن إن بالعربية” و”آر تي” (RT) — بمنشور انتشر واسعًا: “وما المشكلة يا دكتور الله يسلمك إن كان حلفًا أو معاهدة أو اتفاقية”، مؤكدًا أن لكل دولة الحق في إبرام ما تراه محققًا لمصالحها. وهكذا تحوّل ما صمتت عنه الصحف إلى مادة صحفية بذاته: “سجال سعودي إماراتي حول اتفاق مكة.. هل تم تهميش الخليج؟” كما عنونت “عربي21″، والتقطته حتى الصحافة الإيرانية.
دلالة هذا النموذج مزدوجة. فمن جهة، لا يمكن قراءة تغريدات أكاديمي — مهما قربت صلته بدوائر القرار — بوصفها موقفًا رسميًا إماراتيًا؛ ونثبّت هنا أن أبوظبي الرسمية لم يصدر عنها، بحدود الرصد، أي بيان عن الاتفاق: لا تهنئة ولا تحفظ ولا تعليق، وهي التي أصدرت في يوم التوقيع نفسه بيان تضامن مع السعودية في ملف نجران. ومن جهة أخرى، فإن السؤال المركزي الذي طرحه عبدالخالق عبدالله — هل نُسّق الاتفاق مع الخليج أم جرى من فوقه؟ — هو بالضبط السؤال الذي تجنّبته كل المنافذ الإماراتية المؤسسية، فبدا توزيع الأدوار مكتملًا: المؤسسات تصمت أو تبرد، والصوت “المستقل” القابل للإنكار يشتبك. أما بقية الأصوات الإماراتية المعتادة — قرقاش صاحب بيت “الرماح” قبل 16 يومًا، وضاحي خلفان الغزير التغريد، وكتّاب الأعمدة المعروفون — فلم يظهر لأي منهم، بحدود الرصد، تعليق واحد؛ مع التنبيه إلى أن تعذر البحث المباشر داخل منصة “إكس” يجعل دلالة الغياب هنا أضعف من غيرها.

