أصدرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بيانًا أعلنت فيه تضامنها الكامل مع هشام السنوسي، العضو السابق في الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري “الهايكا”، على خلفية صدور حكم عن المحكمة الابتدائية بتونس يقضي بسجنه ستة أشهر. الحكم جاء بسبب نشره معطيات تتعلق بتركيبة ملكية قناة “نسمة تي في” وهوية المساهمين فيها، وهي معطيات وصفتها النقابة بأنها تندرج ضمن “المعلومات ذات المصلحة العامة” التي يكرّس القانون ومبادئ الشفافية الحق في النفاذ إليها، لكونها مرتبطة بمؤسسة إعلامية تؤثر مباشرةً في تشكيل الرأي العام.
تعود وقائع القضية إلى شكوى تقدّم بها نبيل القروي عام ٢٠١٩ ضد السنوسي، إثر نشر الأخير على صفحته في “فيسبوك” خلال الحملة الانتخابية الرئاسية وثيقةً تتضمن قائمة المساهمين في قناة “نسمة تي في”، ومن بينهم القروي نفسه، في الوقت الذي كان فيه المترشح للرئاسة يُنكر ملكيته للقناة أو صفته كمساهم فيها. وقد جرى النشر — وفق ما تُذكّر به النقابة — في سياق قيام “الهايكا” بمهامها القانونية في مراقبة احترام قواعد التعددية والإنصاف والتوازن في التغطية الإعلامية، والتصدي لتوظيف وسائل الإعلام لخدمة مصالح انتخابية أو دعائية لفائدة أي مترشح.
على الصعيد الإجرائي، رصدت النقابة أن السنوسي تقدّم باعتراض على الحكم، وأن المحكمة الابتدائية بتونس قَبِلته شكلًا، وقرّرت تأجيل النظر في القضية إلى أكتوبر المقبل. وفي هذا الإطار، دعت النقابة المحكمة إلى “اعتماد مقاربة قانونية ودستورية تراعي طبيعة الوقائع” وتُوازن بين حماية الحقوق الفردية وصون الحق في الإعلام والنفاذ إلى المعلومات ذات المصلحة العامة، “بما ينسجم مع المبادئ الدستورية والمعايير الدولية الضامنة لحرية التعبير والصحافة”.
وذهبت النقابة إلى ما هو أبعد من ملابسات القضية الفردية، مؤكدةً أن المعطيات المتعلقة بملكية المؤسسات الإعلامية “لا يمكن إخضاعها لمنطق السرية أو اعتبارها من قبيل المعطيات الشخصية المحمية” متى تعلقت بمؤسسات تمارس دورًا مؤثرًا في المجال العام. واعتبرت أن هذه المعطيات تكتسي “صبغة عامة” وتُعدّ من مستلزمات الشفافية والحوكمة الرشيدة، ومن الضمانات الأساسية التي تُمكّن المواطنين من تقييم استقلالية وسائل الإعلام وفهم طبيعة المصالح الاقتصادية والسياسية المرتبطة بها. وذكّرت النقابة بأن مبدأ شفافية ملكية وسائل الإعلام مستقر في المعايير الدولية المنظِّمة لحرية الإعلام، بوصفه شرطًا أساسيًا لضمان التعددية ومكافحة تضارب المصالح ومنع الاحتكار أو التوظيف السياسي للمؤسسات الإعلامية، وأن “الكشف عن هذه المعطيات لا يمكن أن يتحوّل إلى أساس للملاحقة الجزائية متى تم في إطار خدمة المصلحة العامة وبحسن نية”.
وفي جانب مؤسسي أوسع، شدّدت النقابة على أن الدور الذي تضطلع به “الهايكا” في متابعة شفافية ملكية المؤسسات الإعلامية والإفصاح عنها يمثّل “إحدى ركائز التعديل الديمقراطي للقطاع السمعي البصري”، وأن نشر المعطيات في هذه القضية “لا يستهدف الأشخاص بصفاتهم الخاصة، وإنما يُكرّس حق المجتمع في معرفة من يملك وسائل الإعلام ومن يقف وراء سياساتها التحريرية”. وجدّدت في ختام بيانها الدعوة إلى الإسراع في استكمال الإطار التشريعي المنظِّم للاتصال السمعي والبصري، وسدّ “حالة الفراغ المؤسساتي والتعديلي” التي يشهدها القطاع، بما يضمن وجود هيئة مستقلة قادرة على الاضطلاع بدورها في حماية حرية الإعلام وضمان الشفافية والتعددية.
تُعيد هذه القضية إلى الواجهة سؤال ملكية الإعلام في تونس بعد ما يزيد على سبع سنوات من نشوئها، وفي لحظة يتصاعد فيها القلق النقابي من ملاحقات قضائية متزامنة تطال صحفيين آخرين. يبقى السؤال الذي لم يُجب عنه بعد: هل يتحوّل الكشف عن مالك مؤسسة إعلامية إلى عمل صحفي محمي، أم يبقى عرضة للاختصاص الجزائي؟ ستحمل جلسة أكتوبر المقبلة بعض الإجابة.

