“اتحاد الإعلام العربي”: 124 خانة في الهيكل.. الاستثمار حاضر والحريات خارج الصورة

اتحاد الإعلام العربي: 124 خانة في الهيكل بلا لجنة للحريات

في اليوم الذي أُعلن فيه رسميًا إطلاق “اتحاد الإعلام العربي” بوصفه “مبادرة إعلامية عربية”، كانت أكثر صفحات موقعه كثافةً ليست صفحة البرامج أو التدريب أو حماية الصحفيين، بل صفحة تحمل عنوانًا لافتًا: “الهيكل التنظيمي المقترح”.

هناك، يواجه الزائر بناءً بصريًا ضخمًا: 124 خانة مصورة موزعة على سبعة عناوين، تبدأ بالجمعية العمومية، ثم مجلس الإدارة ومجالس الأمناء والتنفيذي والاستشاري والاستثماري والتأسيسي، بعض هذه الخانات فارغ، فيما تحمل الخانات المكتملة صورًا وأسماء وألقابًا ودولًا، من دون سير مهنية أو جهات ترشيح أو مدد عضوية أو اختصاصات محددة لكل مجلس، وفق ما يظهر في صفحة الهيكل التنظيمي.

لا يمكن، بطبيعة الحال، محاسبة كيان أُطلق للتو على حصيلة لم تتح لها مدة كافية كي تتشكل، لكن حداثة الإطلاق لا تمنع مساءلة التصميم الذي اختاره الاتحاد لنفسه، ولا الأولويات التي قرر عرضها أمام الجمهور منذ يومه الأول، فالموقع لا يكتفي بتقديم فكرة مستقبلية، بل يوزع من الآن صفات تمثيلية ومقاعد في مجالس تحمل أسماء مؤسسية كبيرة.

تمثيل جغرافي بلا قواعد تمثيل معلنة

في الجمعية العمومية تظهر 18 بطاقة مكتملة وبطاقتان فارغتان، وتتوزع البطاقات على ممثل واحد لكل دولة من الدول الحاضرة، ويتكرر التكوين الجغرافي نفسه تقريبًا داخل المجلس الاستثماري، حيث تظهر أيضًا 18 شخصية تحمل جميعها لقب “رجل الأعمال” أو “سيدة الأعمال”، إلى جانب خانتين فارغتين.

أما مجلس الإدارة، فتظهر تحته أربع خانات تصميمية فارغة وقت المراجعة، بينما يضم كل واحد من المجالس الخمسة الأخرى عشرين خانة مصورة.

التمثيل الجغرافي ليس عيبًا في حد ذاته، خصوصًا داخل كيان يصف نفسه بأنه عربي، لكنه لا يتحول إلى تمثيل مؤسسي لمجرد توزيع الصور على الدول، فالتمثيل يحتاج إلى قواعد معلنة: من يرشح العضو، ومن ينتخبه، وما الجهة التي يمثلها، وكم تستمر عضويته، وكيف يُعفى أو يُستبدل، وما سلطته في اتخاذ القرار.

لا تنشر الصفحات العامة التي راجعناها إجابات عن هذه الأسئلة، ولا توضح إن كان “الهيكل المقترح” قد أُقر، أو من الجهة التي أقرته، أو ما إذا كانت الجمعية العمومية انعقدت أصلًا لانتخاب المجالس المنبثقة عنها.

وهنا تكتسب كلمة “المقترح” دلالة مهمة: الأسماء حصلت على صفات عضوية داخل هيكل لم يوضح الموقع بعدُ وضعه الإجرائي النهائي.

حين يصبح اللقب أبرز ما تعرضه البطاقة

تتشابه البطاقات في صياغتها: اللقب أولًا، ثم الاسم، ثم الدولة، من “الإعلامي” و”الإعلامية” إلى “الدكتور” و”المستشار” و”المهندس”، وصولًا إلى “رجل الأعمال” و”سيدة الأعمال”.

لا تحتوي بطاقة العضو على رابط لأعماله أو سيرته المهنية أو المؤسسة التي يمثلها أو خبرته المتصلة بالمجلس الذي عُين فيه، وبذلك تصبح الصفة هي المعلومة الأبرز التي يقدمها الموقع عنه.

تعزز صفحة العضوية هذا الانطباع، إذ تطرح عشرة أنماط للعضوية، وتشمل المزايا المعلنة بطاقات وشهادات معتمدة، وإدراج الأسماء في دليل الاتحاد، واستخدام الشعارات، والأولوية في الفعاليات والجوائز، والظهور الإعلامي، والحصول على صفة “سفير” أو “ممثل رسمي”.

ليست البطاقات والشهادات مشكلةً في ذاتها، لكن قيمتها تصبح موضع سؤال عندما تكون أكثر تفصيلًا ووضوحًا من البرامج المهنية التي يفترض أن تبرر منحها، فالموقع يشرح ما الذي سيحصل عليه العضو من صفة وظهور، أكثر مما يشرح ما الذي ستكسبه الصحافة من هذه العضوية.

تنشأ هنا معادلة للوجاهة المتبادلة: يستمد الاتحاد حضوره من كثرة الأسماء والجنسيات والألقاب، بينما يكتسب الأعضاء صفة عابرة للحدود قابلة للإضافة إلى السير الذاتية والمواد التعريفية، لكن الموقع لا يقدم حتى الآن أدلة كافية على وجود آليات تجعل هذه الصفات مسؤوليات قابلة للقياس والمحاسبة.

مجلس كامل للاستثمار.. ولا لجنة للحريات

أكثر ما يكشف أولويات الهيكل ليس فقط ما يحتويه، بل ما يستبعده.

يوجد “مجلس استثماري” كامل، يضم 18 رجل وسيدة أعمال، كما تعرض صفحة المشروعات شعارات أربعة مشروعات تحمل أسماء: “شبكة AMU الإعلامية”، و”معهد الإعلام العربي للتدريب والتطوير”، و”مركز الإعلام العربي للبحوث والاستشارات”، و”بنك الإعلام العربي للتنمية والاستثمار”.

لكن الصفحة لا تقدم، وقت المراجعة، تعريفًا تشغيليًا بهذه المشروعات، ولا أسماء إداراتها أو فرقها أو خططها الزمنية أو ميزانياتها أو منشوراتها أو برامجها، كما لا تشرح المقصود باستخدام كلمة “بنك”، أو الشكل القانوني لهذا المشروع، أو علاقته بالمجلس الاستثماري والاتحاد.

وجود الاستثمار داخل مؤسسة إعلامية ليس موضع إدانة تلقائية، لكنه يستدعي قواعد أشد وضوحًا بشأن التمويل وتضارب المصالح واستقلال القرار المهني، وهي قواعد لم نجدها منشورة في الصفحات العامة للموقع.

وفي مقابل هذا الحضور الكثيف للاستثمار، لا يتضمن الهيكل المعلن لجنة لحريات الصحافة، أو وحدة للدفاع القانوني، أو صندوقًا للطوارئ، أو برنامجًا لسلامة الصحفيين، أو آلية لدعم العاملين الذين يتعرضون للفصل أو السجن أو الاعتداء.

وللتدقيق، ينشر الاتحاد فعلًا “ميثاق شرف للانضمام” يتناول الدقة والخصوصية والفصل بين الخبر والرأي وتضارب المصالح، ولذلك لا يصح القول إنه لا يمتلك ميثاقًا أخلاقيًا على الإطلاق، لكن الموقع لا ينشر آلية مستقلة لتلقي الشكاوى أو التحقيق في المخالفات أو توقيع الجزاءات أو الاستئناف عليها، كما يحيل الميثاق إلى “أنظمة الاتحاد” من دون أن تكون هذه الأنظمة متاحة بوضوح للجمهور.

الميثاق من دون آلية تنفيذ يظل إعلانًا للمبادئ أكثر منه نظامًا للمساءلة.

مبادرة تحمل اسم اتحاد

يصف الموقع الكيان بأنه “مبادرة إعلامية عربية”، بينما يستخدم اسم “اتحاد” ويعرض جمعية عمومية ومجالس إدارية وتنفيذية وتمثيلًا للدول.

لكن الصفحات العامة التي راجعناها لا تحدد بلد التسجيل، أو الشكل القانوني، أو رقم الإشهار، أو النظام الأساسي، أو الجهة الرقابية، أو مصادر التمويل، أو رسوم العضوية، أو الموازنة، أو تقارير مالية وإدارية.

كما تقتصر بيانات الاتصال المنشورة على بريد إلكتروني ونموذج إلكتروني، ويطلب النموذج بيانات تشمل تاريخ الميلاد والجنسية ومكان الإقامة ورقم جواز السفر أو الهوية ورقم الهاتف و”واتساب”، من دون رابط ظاهر إلى سياسة خصوصية تشرح الغرض من جمع هذه البيانات أو مدة حفظها أو الجهة المسؤولة عنها.

هذا لا يثبت أن الاتحاد غير مسجل أو أن مشروعاته غير موجودة، لكنه يعني أن الموقع لا يوفر للجمهور الأدوات اللازمة للتحقق من وجودها القانوني والتشغيلي، وهو نقص جوهري بالنسبة إلى كيان يطمح، وفق رؤيته، إلى أن يصبح “المرجع العربي الأول في تطوير وتوحيد الخطاب الإعلامي”.

سوق مزدحمة بالأسماء المتشابهة

يزيد الالتباس وجود كيانات أخرى تحمل أسماء شديدة التقارب، لكنها مختلفة قانونيًا وتنظيميًا.

هناك “الاتحاد العربي لوسائل الإعلام”، الذي أعلن إطلاقه تحت مظلة مجلس الوحدة الاقتصادية العربية في ديسمبر 2025، وينشر موقعه إجراءات للانضمام ورسومًا سنوية وهيكلًا يضم بدوره عددًا كبيرًا من المناصب، بينها إدارة للاستثمار وتنمية الموارد وعدة مساعدين للأمين العام.

وهناك “اتحاد الإعلاميين العرب”، وهو كيان آخر يظهر في دليل منظمات المجتمع المدني التابع للأمم المتحدة بصفته منظمة غير حكومية ذات مركز استشاري، وليس هو “اتحاد الإعلام العربي” موضوع هذا التحقيق.

تشابه الأسماء لا يثبت أن هذه الكيانات متطابقة أو تعمل بالطريقة نفسها، لكنه يجعل نشر الهوية القانونية ورقم التسجيل والعنوان والنظام الأساسي ضرورة لا تفصيلًا، حتى يستطيع الصحفي والجمهور التمييز بين المبادرة والجمعية والاتحاد المهني والكيان الحكومي أو الإقليمي.

وتبدو المقارنة أوضح مع مؤسسات أقدم، فـ”اتحاد إذاعات الدول العربية” ينشر قواعد تكوين جمعيته العامة ومجلسه التنفيذي، ومدد العضوية، واختصاصات اللجان، إلى جانب مشروعات وتقويم للفعاليات وعنوان ووسائل اتصال واضحة.

أما “اتحاد الصحفيين العرب”، فعلى الرغم من أن مواقفه وأداؤه يظلان قابلين للنقد، فإنه يعلن وجود لجنة دائمة للحريات، ويناقش تقاريرها إلى جانب التقارير الإدارية والمالية، كما تظهر محاضر اجتماعاته المنشورة.

المعيار هنا ليس عدد المجالس، بل الصلة القابلة للتحقق بين الهيكل والمهمة: قواعد اختيار، مدد محددة، تقارير، موازنات، لجان متخصصة، ومخرجات يستطيع الجمهور فحصها.

الصحافة التي لا تظهر في البطاقات

يأتي إطلاق الاتحاد في واحدة من أقسى الفترات التي عرفتها الصحافة العربية، فقد سجل مؤشر مراسلون بلا حدود لعام 2026 أدنى متوسط عالمي لحرية الصحافة منذ 25 عامًا، ووضع مصر في المرتبة 169 من أصل 180 دولة، وتونس في المرتبة 137، فيما أحصى مقتل أكثر من 220 صحفيًا في غزة منذ أكتوبر 2023.

في هذا السياق، لا يصبح غياب لجنة للحريات مجرد نقص إداري، بل سؤالًا عن وظيفة الاتحاد نفسها: ما الذي يعنيه إنشاء اتحاد للإعلام لا يجعل حماية الإعلاميين جزءًا ظاهرًا من بنيته؟ وكيف يمكن الحديث عن “توحيد الخطاب الإعلامي” من دون حديث موازٍ عن استقلال الصحفي وحقه في العمل والنقد والحصول على المعلومات؟

ما تكشفه الصفحات المتاحة لا يكفي لاتهام الاتحاد ببيع الألقاب أو الحكم على أعمال لم تبدأ بعد، لكنه يكفي لنتيجة أكثر تحديدًا: الاتحاد وثّق حتى الآن هيكله وعضوياته وصفاته التمثيلية بدرجة أوضح كثيرًا من توثيقه لبرامجه ومساءلته وموارده وآليات حمايته للصحفيين.

ويستطيع الاتحاد الرد على هذه الأسئلة بنشر هويته القانونية ونظامه الأساسي وقواعد اختيار المجالس ومددها ومصادر تمويله وموازنته، وتقديم تفاصيل قابلة للتحقق عن مشروعاته، وإنشاء آلية مستقلة للشكاوى ولجنة للحريات وبرنامج للدفاع القانوني والسلامة المهنية.

إلى أن يحدث ذلك، سيبقى الاستثمار داخل الهيكل، بينما تبقى الصحافة وحرياتها خارجه.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي