الجزيرة.. دماء جديدة أم وجوه جديدة؟

الجزيرة تجدد وجوه نشراتها الإخبارية بخمسة مذيعين جدد

خلال نحو ستة أسابيع، ظهر على نشرات قناة “الجزيرة” خمسة مذيعين هم رنيم بوخزام، وعلي نشوان، وجعفر سلامات، وأنس الصبار، وحسين حرب.

هذا العدد، في مدة قصيرة، يوحي بأن القناة تعيد ترتيب واجهتها الإخبارية، لكنه لا يعني أن جميع الأسماء جديدة على الشبكة، فبعضها جاء من محطات عربية أخرى، بينما انتقل بعضها من التحرير أو المراسلة داخل الجزيرة إلى مقعد المذيع.

هنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل تجدد الجزيرة وجوه نشراتها فحسب، أم تبني جيلاً جديداً من صحفيي الشاشة؟

التجديد سياسة قديمة

لا تمثل الدفعة الحالية تحولاً مفاجئاً في سياسة الجزيرة، ففي يونيو 2019 تحدثت الشبكة عن “سياسة تشبيب” تستهدف جذب مشاهدين أصغر سناً، عبر تنويع أعمار المذيعين وجنسياتهم وخلفياتهم العلمية.

ورحّب المدير التنفيذي للهوية المؤسسية والاتصال الدولي في الشبكة آنذاك، عبدالله النجار، بدفعة جديدة من المذيعين، في إعلان أظهر أن تغيير الوجوه جزء من سياسة مخططة، لا مجرد استجابة لشواغر طارئة.

وتكرر الأمر في صيف 2023، حين ظهرت أسماء جديدة على الشاشة، بينها العراقي نشوان طالب القادم من قناة “الحرة” في واشنطن، والأردني محمد علاونة، واللبنانية غنوة إبراهيم، إلى جانب منى العمري التي مثّلت مساراً مختلفاً عن الاستقطاب التقليدي.

فالعمري من أبناء التجربة الصحفية للجزيرة، بدأت متعاونة معها من الضفة الغربية ورام الله، وغطت ميدانياً عدداً من الأحداث، ثم انتقلت إلى “بودكاست أثير”، قبل أن تصل إلى شاشة الأخبار، وهو مسار يكشف قدرة الشبكة على تحويل الصحفي الميداني إلى مذيع، بدلاً من الاكتفاء بجلب مذيعين جاهزين من قنوات أخرى.

المذيع الذي يعرف ما وراء النص

لا تختبر النشرة المذيع في سلامة اللغة وحسن الإلقاء فقط، بل في قدرته على فهم الخبر والتصرف عندما يخرج البث عن النص المعد سلفاً.

يظهر ذلك في التغطيات العاجلة، والمقابلات المفتوحة، والحوارات التي تفرض سؤال متابعة لم يكتبه فريق الإعداد، ففي هذه اللحظة يتضح الفارق بين من يقرأ الخبر ومن يعرف كيف صُنع، ويدرك سياقه، ويلتقط ما أغفله الضيف أو حاول تجاوزه.

ولا تقلل هذه المقارنة من قيمة التقديم التلفزيوني، فهو حرفة تحتاج إلى حضور وتركيز وسيطرة على إيقاع البث، لكن القناة الإخبارية تحتاج أيضاً إلى مذيع يحمل خبرة صحفية تسمح له بقيادة النشرة، لا الاكتفاء بأداء نصها.

وبهذا المعيار، تكشف الوجوه الخمسة عن مسارات مهنية متنوعة، لا عن دفعة متشابهة خرجت من قالب واحد.

خمسة وجوه ومسارات مختلفة

تصل رنيم بوخزام إلى الجزيرة بخبرة تلفزيونية طويلة، بعد نحو 16 عاماً في المؤسسة اللبنانية للإرسال، عملت خلالها في التقديم والمراسلة، ومن بينها تجربة مراسلة من الرياض، قبل انتقالها من بيروت إلى الدوحة في صيف 2026.

وتحمل بوخزام درجة الماجستير في العلوم السياسية، وتظهر خبرتها في بناء الأسئلة وإدارة الحوارات، بما يجعلها من أوضح الأمثلة داخل الدفعة الحالية على استقطاب صحفية تجمع بين الحضور على الشاشة والخلفية السياسية والممارسة الخبرية.

أما علي نشوان، فهو إعلامي ومذيع أخبار ليبي سبق له العمل في قناة “ليبيا الأحرار”، حيث قدّم نشرات وتغطيات إخبارية، وشارك في متابعة ملفات سياسية وأحداث ميدانية داخل ليبيا، قبل انضمامه إلى شبكة الجزيرة في الدوحة.

ويمنحه هذا المسار معرفة مباشرة ببيئة إخبارية شديدة التعقيد، فالعمل في المشهد الليبي يتطلب متابعة تحولات سياسية وأمنية متسارعة، والتعامل مع روايات متضاربة ووقائع ميدانية متبدلة، وهو رصيد يمكن أن يظهر أثره في أدائه على شاشة الجزيرة.

ويأتي حسين حرب من قناة “المملكة” الأردنية، حاملاً خبرة واضحة في تقديم الأخبار والعمل داخل قناة عامة ذات إيقاع إخباري منتظم، وإن كانت المعلومات المتاحة عن مساره لا تكشف بالقدر نفسه عن تجربة ميدانية أو تخصص في ملف صحفي محدد.

في المقابل، يمثل أنس الصبار نموذجاً للتصعيد من داخل الجزيرة، فقد عرفه جمهور القناة مراسلاً لها في الولايات المتحدة، يغطي الشأن الأمريكي من الميدان، قبل انتقاله إلى تقديم النشرات من الدوحة.

ولا يبدأ الصبار تجربته الجديدة بوصفه مذيعاً يتعرف إلى غرفة الأخبار، فهو قادم من قلب التغطية، واعتاد التعامل مع الأحداث ومصادرها والسياقات المحيطة بها، ويكمن اختباره الجديد في قدرته على نقل هذه الخبرة من موقع المراسل المتخصص إلى مساحة أوسع تتطلب إدارة ملفات متعددة داخل النشرة الواحدة.

أما جعفر سلامات، فلا يعد وافداً جديداً على الجزيرة، إذ عمل محرراً في القناة منذ عام 2019، قبل ظهوره الأخير مذيعاً على الشاشة.

بدأ الإعلامي الجزائري مسيرته المهنية في إذاعة “متيجة”، ثم انتقل إلى القناة الجزائرية الأولى، ومنها إلى قناة “دزاير تي في”، قبل التحاقه بالجزيرة في قطر، وقد منحته تجربته الإذاعية صوتاً مميزاً وتمكناً واضحاً من العربية، بينما أتاح له عمله محرراً داخل القناة معرفة أسلوبها التحريري قبل الجلوس إلى مقعد المذيع.

لذلك لا تمثل حالة سلامات استقطاباً جديداً بقدر ما تمثل انتقالاً داخلياً من صناعة النشرة إلى تقديمها، وهو فارق مهم عند تقييم سياسة القناة في تجديد وجوهها.

بين الاستقطاب والصناعة الداخلية

تُظهر الدفعة الحالية أن الجزيرة لا تسلك طريقاً واحداً، فرَنيم بوخزام وعلي نشوان وحسين حرب قدموا بخبرات سابقة من شاشات عربية أخرى، بينما صعد أنس الصبار من المراسلة داخل الشبكة، وانتقل جعفر سلامات من غرفة التحرير إلى الشاشة.

وسبق أن ظهر هذا المسار مع منى العمري، التي تحركت من العمل الصحفي الميداني في الضفة الغربية إلى “بودكاست أثير”، ثم إلى تقديم الأخبار، بما يشير إلى وجود مسار داخلي، وإن لم تعلنه القناة بوصفه برنامجاً واضحاً لصناعة مذيعيها.

هذا التوازن يمنح الجزيرة ميزتين؛ فاستقطاب أصحاب الخبرة يضيف إلى الشاشة حضوراً جاهزاً وتقاليد مهنية تكونت في بيئات إعلامية مختلفة، بينما يسمح التصعيد الداخلي بوصول صحفيين يعرفون غرفة أخبار القناة، ويفهمون لغتها التحريرية قبل ظهورهم أمام الكاميرا.

كما يعيد هذا المسار طرح دور “معهد الجزيرة للإعلام” وبرامج التدريب والزمالة التي تديرها الشبكة، ومدى قدرتها على بناء طريق مهني يبدأ من التحرير أو الميدان وينتهي بصحفي قادر على قيادة النشرة.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي