وجدت صورتان زائفتان طريقهما خلال أيام إلى حسابات صحفيين وكتّاب. الأولى قُدِّمت باعتبارها لقطة نادرة لحسني مبارك وخطيبته سوزان ثابت على كوبري قصر النيل في منتصف الخمسينيات، والثانية زُعم أنها توثّق لقاء ماهر الأسد والممثلة سلاف فواخرجي داخل مطعم في موسكو.
لم يكن انتشار الصورتين مفاجئاً، فالأولى تستدعي الحنين إلى تاريخ لم تصوّره الكاميرات كثيراً، والثانية تحمل قدراً كافياً من الإثارة السياسية والفنية. لكن المفاجئ أن بعض من أعادوا نشرهما يعملون في مهنة تقوم في أصلها على الشك والسؤال والتحقق.
التاريخ يفضح الصورة
كان تفكيك صورة مبارك وسوزان ممكناً في دقائق. فالمنشور المتداول قال إنها التُقطت في منتصف الخمسينيات، قبل زواجهما عام 1959، بينما يظهر برج القاهرة مكتملاً بوضوح في الخلفية، مع أن بناءه استمر بين عامي 1956 و1961 وفق الهيئة العامة للاستعلامات المصرية. ولا يحتاج اكتشاف هذا التناقض إلى خبير صور جنائية، بل إلى سؤال صحفي بسيط: هل كانت العناصر الظاهرة في الصورة موجودة في التاريخ المنسوب إليها؟
وفي صورتَي ماهر الأسد وسلاف فواخرجي كانت التناقضات داخل المشهد نفسه؛ فقد تغيّر طول لحية ماهر الأسد بين الصورتين، واختلف تصميم ياقة قميصه، وظهرت تشوّهات وعدم اتساق في بعض الوجوه والأطراف. وانتهى تحقّق منصة “تأكد” إلى أن الصورتين مولَّدتان أو معدَّلتان بالذكاء الاصطناعي.
في الحالتين لم تكن المشكلة غياب أدوات متخصصة، بل غياب الوقفة القصيرة بين مشاهدة الصورة والضغط على زر النشر.
الصورة ليست زينة للخبر
تُدرَّس الصحافة أسئلتها الأساسية: مَن، وماذا، ومتى، وأين، ولماذا. لكن هذه الأسئلة تصبح بلا قيمة إذا كانت الصورة التي بُني عليها الخبر غير حقيقية، لذلك صار على الصحفي أن يسبقها بسؤال سادس: هل وقع ما أراه أصلاً؟
فالصورة ليست عنصراً تجميلياً يرافق النص، بل ادعاء صحفي مستقل. وحين ينشرها الصحفي فهو لا يشاركها فحسب، بل يمنحها جزءاً من مصداقيته، وربما تكون إعادة نشرها من حساب صحفي هي الحلقة التي تنقلها من شائعة هامشية إلى “معلومة” يطمئن إليها الجمهور.
عدّة التحقق الأولية
ليس مطلوباً أن يتحوّل كل صحفي إلى مدقق حقائق أو خبير أدلة رقمية، لكن المطلوب عدّة تحقق أولية لا تقلّ أهمية عن معرفة كتابة مقدمة الخبر.
أولها البحث عن المصدر الأول للصورة لا عن الحساب الشهير الذي أعاد نشرها. وثانيها نسخ العبارة المرافقة والبحث عنها لمعرفة متى ظهرت ومن أين بدأت. وثالثها البحث العكسي عبر Google Lens، مع تجربة قصّ الوجه أو أحد عناصر الخلفية بدلاً من البحث بالصورة كاملة. ورابعها فحص المكان والملابس والسيارات واللافتات والظلال والانعكاسات ومقارنتها بما هو معروف عن الحدث. وخامسها، في الفيديو، أخذ لقطات ثابتة من لحظات عدة والبحث عنها، مع الانتباه إلى اختلاف الوجوه والملابس بين إطار وآخر. وسادسها البحث عن مصدر مستقل يؤكد الواقعة، فلقاء سياسي أو ظهور نادر لشخصية عامة يُفترض أن يترك أثراً آخر، ولو في شهادة أو خبر أو صورة إضافية.
كما ينبغي فحص الملصقات التي تضعها المنصات على المحتوى، فقد بدأ يوتيوب تطبيق إشارات أوضح على المواد الواقعية المولَّدة أو المعدَّلة بالذكاء الاصطناعي، لكن غياب الملصق لا يعني أن المحتوى حقيقي.
أما مواقع “كشف صور الذكاء الاصطناعي” فتُستخدم بوصفها مؤشراً مساعداً لا حكماً نهائياً. ففي تدقيق نشرته “نيوزغارد” في مايو 2026، عُرضت 15 صورة حقيقية على خمس أدوات رائدة، فصنّفتها مجتمعةً مولَّدةً في 13.33% من الحالات، وبلغت النسبة 40% عند إحداها، وفي 35 اختباراً من 45 اختلفت أداة واحدة على الأقل مع بقيتها. بل صارت النتيجة الزائفة سلاحاً: مقطع حقيقي نشره بنيامين نتنياهو لنفي شائعة مقتله صنّفته إحدى هذه الأدوات مولَّداً باحتمال 96.9%. ولهذا تبقى المقارنة بين المصدر والسياق والزمن والتفاصيل أقوى من نسبة مئوية يعرضها موقع آلي.
مهارة يومية لا ترفاً تدريبياً
تتحمل المؤسسات الصحفية مسؤولية التدريب ووضع قواعد واضحة للتعامل مع صور منصات التواصل وفيديوهاتها، لكن سهولة الأدوات لم تعد تترك للصحفي عذراً في نشر صورة مجهولة المصدر لمجرد أنها مثيرة أو توافق موقفه السياسي. ولا مجال للاتكال على المدققين وحدهم؛ فـ22% فقط من 141 منظمة تدقيق شملها مسح الشبكة الدولية في أبريل 2026 وصفت وضعها المالي بأنه مستدام.
وإذا لم يستطع الصحفي التحقق، فالجملة المهنية الوحيدة هي: “لم نتمكن من التأكد من صحة الصورة”، لا أن يقدّمها للجمهور باعتبارها حقيقة ثم ينتظر مدققي الحقائق ليصحّحوها.
في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي اختراع ماضٍ لم يحدث وحاضر لم تقف أمامه كاميرا، لم تعد سلامة النص كافية؛ فقد يكون الخبر مكتوباً بحرفية كاملة، لكنه قائم كله على صورة كاذبة. ومن لا يسأل عن حقيقة الصورة قبل نشرها، يكون قد تخلّى عن أول أسئلة المهنة قبل أن يبدأ كتابة الخبر.

