في 16 يوليو 2026، أصدرت حملة الشارة الدولية لحماية الصحفيين — منظمة مقرّها جنيف تعدّ قتلى المهنة منذ 2004 — حصيلتها النصف سنوية: 39 صحفياً وعاملاً في الإعلام قُتلوا في العالم بين يناير ويونيو، مقابل 85 في الفترة نفسها من 2025، بانخفاض نسبته 54.1% هو الأول بعد ثلاث سنوات قياسية (140 في 2023، و179 في 2024، و165 في 2025).
غير أن السطر الثاني يُفسد على الأول بشارته: 19 من القتلى — 48.7%، نصف حصيلة العالم تقريباً — سقطوا في الشرق الأوسط وحده. ومن هنا سؤال التقرير: لماذا تتحسّن الأرقام في كل مكان إلا عندنا؟
والخلاصة التي يشير إليها البيان مع توثيق لجنة حماية الصحفيين والاتحاد الدولي للصحفيين والرصد الحقوقي الميداني: الانخفاض حقيقي لكنه ليس تحسناً في حماية المهنة، بل توقّفُ أكبر آلة قتل للصحفيين في التاريخ الحديث — حرب غزة الشاملة.
والدليل أن الإقليم احتفظ بصدارته حتى في «زمن الهدنة»، وأن مركز الخطر غيّر عنوانه فقط: من غزة إلى لبنان.
3 نتائج مركزية
أولاها الانخفاض العالمي الحاد، الذي علّق عليه رئيس الحملة بليز لامبين بأنه «خبر سار أخيراً بعد ثلاث سنوات قياسية، لكن 39 جريمة قتل ما زالت أكثر مما يُحتمل».
وثانيتها التركّز الشرق أوسطي: إقليم واحد يستأثر بـ19 قتيلاً، تليه أميركا اللاتينية بـ12 (خمسة في المكسيك وحدها)، ثم آسيا بـ6، وأفريقيا باثنين، وأوروبا بلا قتيل.
وثالثتها — الأكثر دلالة — أنه لأول مرة منذ 2023 لا تتصدر فلسطين قائمة الموت: سقط في لبنان 9 صحفيين بعمليات إسرائيلية مقابل 7 في غزة.
لبنان: الصدارة الدامية
سقط اللبنانيون التسعة جميعاً في العمليات الإسرائيلية المرافقة لحرب 2026، ووثّق مركز الخليج لحقوق الإنسان ثمانية منهم بالاسم حتى نهاية أبريل، بينهم ثلاثة قُتلوا دفعة واحدة في 28 مارس حين قصفت غارة سيارةً تحمل شارة «صحافة» واضحة في جزين (علي شعيب مراسل «المنار»، وفاطمة فتوني مراسلة «الميادين»، والمصور المستقل محمد فتوني)، وأمل خليل مراسلة «الأخبار» التي قُتلت في الطايري في 22 أبريل ومُنع المسعفون من انتشالها.
ويلفت أن معظم الضحايا من وسائل محسوبة على حزب الله — وهنا يحسم معيار التوثيق المستقر: الانتماء التحريري لإعلام طرفٍ في النزاع لا يُسقط عن حامل الكاميرا صفته المدنية ما لم يحمل السلاح.
وهو المعيار نفسه الذي ثبّته مجلس إدارة لجنة حماية الصحفيين بالتصويت (17 مقابل 1) في 1 يوليو بعد ضغوط لشطب صحفيي غزة من قاعدة القتلى.
وتسجّل «الشارة الدولية» أن الجيش الإسرائيلي «كان مرة أخرى مسؤولاً عن عدد مرتفع من قتلى الصحفيين، خصوصاً في لبنان»، وأنه يتمتع بحصانة شبه كاملة من الملاحقة.
غزة و«اختبار الهدنة»
يتيح ملف غزة اختباراً نادر الوضوح: إذا كان قتل الصحفيين عرضاً جانبياً للقصف الشامل، فينبغي أن يتوقف بتوقفه.
والهدنة معلنة منذ أكتوبر 2025؛ ومع ذلك قُتل 7 صحفيين في النصف الأول من 2026، تتطابق أسماؤهم — كما وثّقتها الجزيرة نت — واحداً واحداً مع رقم الحملة: من ثلاثيّ 21 يناير إلى محمد وشاح مراسل «الجزيرة مباشر» المغتال بمسيّرة في 8 أبريل، فشقيقه المصور أحمد في 20 يونيو.
القتل لم يتوقف؛ غيّر شكله فقط: من حصاد القصف الواسع إلى الاغتيال الفردي الذي يلاحق حملة الكاميرات أسرةً أسرة.
وعلى المدى الأطول يهبط المسار الفلسطيني من 81 قتيلاً في 2023 إلى 7 في هذا النصف (الإجمالي: 228 بالحد الأدنى المحافظ، مقابل 234 لدى الاتحاد الدولي و262 لدى نقابة الصحفيين الفلسطينيين — والفجوة اختلاف تعريفٍ لا وقائع).
لكن النصف الثاني افتُتح بتوسع الغارات إلى عمق مدينة غزة و19 شهيداً في 24 ساعة يوم 18 يوليو وحده.
الجبهات الخافتة والصفر الخادع
تسجّل الحملة قتيلاً واحداً في كل من سوريا وإيران واليمن؛ لكن الاتحاد الدولي وثّق في إيران 4 قتلى على الأقل منذ تصعيد الحرب، والفجوة أثرُ انقطاع الإنترنت شبه الكامل: حين يُحجب الاتصال لا يتوقف القتل؛ يتوقف العدّ.
وفي أسفل الجدول صفران متناقضان: صفر أوروبا يعكس أماناً فعلياً، أما صفر الخليج فيجاوره أكثر من 1,000 حالة اعتقال وسحب جنسيات وثّقتها منظمة العفو الدولية على خلفية النشر المتصل بالحرب مع إيران، وموجة قمع حذّرت لجنة حماية الصحفيين من أن «تصبح دائمة».
وتكتمل المفارقة عالمياً: في سنة انخفض فيها القتل 54%، سجّل مؤشر «مراسلون بلا حدود» أدنى مستوياته منذ 25 عاماً.
منحنى الدم ومنحنى الحرية يفترقان — وعدّ الجثث وحده مقياس قاصر.

