بعد أبومالح.. مالك الروقي يقود محتوى “ثمانية” خارج الملاعب

مالك الروقي يقود محتوى ثمانية غير الرياضي بعد استقالة عبد الرحمن أبومالح

Author

أعلنت شركة “ثمانية” السعودية، في 10 أغسطس 2026، تعيين الإعلامي مالك الروقي رئيسًا لـ”إذاعة ثمانية” وقائدًا لمحتوى الشركة غير الرياضي، ولا يقتصر المقصود بـ”إذاعة ثمانية” على البث الصوتي، إذ تقدمها الشركة بوصفها المظلة التي تخرج من تحتها برامجها المرئية والمسموعة، ومقالاتها وأفلامها الوثائقية، أي البيت التحريري للمحتوى الذي صنعت به اسمها قبل دخولها سوق النقل الرياضي.

يمنح توقيت التعيين الخبر دلالة تتجاوز تغييرًا إداريًا عاديًا، فهو أول تعيين قيادي بارز تعلنه الشركة بعد أقل من ثلاثة أشهر من استقالة مؤسسها عبد الرحمن أبومالح من منصب الرئيس التنفيذي، وبعد إعلان المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام ترتيبات لرفع حصتها في “ثمانية” من 51% إلى 75%.

بهذا المعنى، يأتي الروقي إلى شركة لم تعد هي نفسها التي انطلقت قبل عشرة أعوام، بعدما انتقلت من منصة ناشئة ارتبط صوتها بمؤسسها إلى مؤسسة تحمل عقدًا رياضيًا بمليارات الريالات، وتديرها مجموعة إعلامية كبيرة، وتحاول في الوقت نفسه حماية المحتوى الذي صنع هويتها الأولى.

من مراسل الحروب إلى قيادة “بيت المحتوى”

بحسب السيرة التي أوردتها “ثمانية”، بدأ مالك الروقي مسيرته الصحفية عام 2011، وغطى أحداث مصر، ثم عمل مراسلًا ميدانيًا في سوريا عام 2012، قبل انتقاله إلى بنغازي لتغطية الحرب في ليبيا.

ومن الميدان انتقل الروقي إلى الإدارة، فتولى منذ عام 2015 إدارة أخبار مجموعة “إم بي سي” في السعودية، ثم اتسع عمله إلى المحتوى الثقافي وصناعة البرامج، مقدمًا برنامج “مالك بالطويلة” عام 2019، ثم “السطر الأوسط” عام 2020، الذي استضاف شخصيات سياسية وعامة لتوثيق شهاداتها عن أحداث وتحولات شهدتها المنطقة.

وفي عام 2023، عُيّن مديرًا عامًا لقناة “الثقافية” السعودية، التي أطلقت ضمن مشروع مشترك بين وزارة الثقافة ومجموعة “إم بي سي”، ليجمع مساره بين إدارة الأخبار وصناعة البرامج الثقافية وقيادة مؤسسة تلفزيونية.

كما أن علاقته بـ”ثمانية” لم تبدأ مع قرار التعيين، إذ سبق له إنتاج تغطيات بالتعاون معها، وظهر ضيفًا في بودكاست “فنجان” أكثر من مرة.

وتقدم الشركة اختيارها له باعتباره صحفيًا يعرف بناء القصة، وقائدًا يمتلك خبرة في تأسيس الفرق والمنتجات، وهي مواصفات تتصل مباشرة بالتحدي الذي تواجهه “ثمانية” الآن: إدارة محتوى غير رياضي يحافظ على شخصيتها التحريرية، داخل مؤسسة أصبح توسعها التجاري والرياضي أكبر كثيرًا من حجمها عند التأسيس.

شركة صاغها صوت مؤسسها

تأسست “ثمانية” في خريف 2016 على يد عبد الرحمن أبومالح بتمويل ذاتي، قبل انضمام الكاتبة أسيل باعبدالله شريكةً مؤسسةً في فبراير 2017. بنت الشركة حضورها على البودكاست والأفلام الوثائقية والمقالات، وكان “فنجان” أبرز منتجاتها، ليس فقط بسبب انتشاره، ولكن لأن أبومالح قدمه بنفسه، فارتبطت العلامة التجارية للشركة بصوت مؤسسها وخياراته التحريرية.

بدأ التحول الأول في يوليو 2021، حين استحوذت “المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام”، عبر ذراعها “الشركة العربية للوسائل”، على حصة مسيطرة تبلغ 51% من “ثمانية”، ضمن استراتيجية المجموعة للتوسع في المنصات الرقمية وصناعة المحتوى.

وبلغت القيمة الإجمالية للصفقة 33.31 مليون ريال سعودي، شملت ثمن شراء الحصة وضخًا في رأس مال الشركة، بحسب الإفصاح الرسمي للمجموعة.

وحافظت “ثمانية” بعد الاستحواذ على هويتها ومنتجاتها الأساسية، فيما واصل بودكاست “فنجان” توسعه الجماهيري، حتى سجلت حلقته مع المدرب ياسر الحزيمي رقمًا قياسيًا عالميًا، بعدما تجاوزت 110 ملايين مشاهدة على “يوتيوب”، لتصبح الحلقة الأكثر مشاهدة لبودكاست على المنصة، وفق موسوعة غينيس للأرقام القياسية.

وأظهرت تلك المرحلة أن انتقال حصة الأغلبية إلى المجموعة لم يُنهِ حضور المؤسس أو يوقف توسع المحتوى، لكن التحول الذي أعاد رسم حجم الشركة ونموذج عملها لم يأتِ هذه المرة من البودكاست، بل من كرة القدم.

عقد بـ2.32 مليار ريال ينقل الشركة إلى ملعب آخر

في يونيو 2025، أُعلنت ترسية حقوق النقل الحصرية لمسابقات كرة القدم السعودية على “ثمانية”، قبل توقيع العقد النهائي والإفصاح عن قيمته في فبراير 2026.

بلغت القيمة الإجمالية للعقد 2.32 مليار ريال سعودي، أي نحو 619 مليون دولار، لمدة ستة مواسم بدأت في أغسطس 2025 وتمتد حتى نهاية موسم 2030–2031.

يشمل العقد دوري “روشن” للمحترفين، ودوري “يلو” للدرجة الأولى، وكأس الملك، وكأس السوبر، داخل السعودية وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بمتوسط يقارب 387 مليون ريال سنويًا.

ويمثل المتوسط السنوي زيادة تقارب 29% على قيمة عقد النقل السابق البالغة 300 مليون ريال، مع ضرورة الانتباه إلى أن المقارنة ليست متطابقة تمامًا، لأن العقد الجديد يشمل دوري الدرجة الأولى الذي لم يكن مدرجًا في العقد السابق.

لم يكن العقد إضافة برنامج رياضي إلى جدول “ثمانية”، بل انتقالًا إلى نموذج عمل مختلف، يحتاج بنية للبث والتقنيات والتسويق والإعلانات والتوزيع، وقدرة مالية لا تقارن بتكاليف إنتاج البودكاست والأفلام الوثائقية.

ومن هنا يمكن فهم ما جرى في مايو 2026 بوصفه إعادة ترتيب للملكية والتمويل بما يتناسب مع الحجم الجديد للشركة، من دون افتراض أن العقد وحده يفسر كل التغييرات الإدارية التي أعقبته.

يومان حرّكا الملكية والقيادة

في 12 مايو 2026، أعلنت “المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام” دخول شركتها التابعة “العربية للوسائل” في ترتيبات مع بقية شركاء “ثمانية” لرفع ملكيتها من 51% إلى 75%.

تضمن الترتيب رسملة وتسوية تمويلات سابقة قدمتها “العربية للوسائل” بقيمة 52.36 مليون ريال، ودفع 45 مليون ريال إلى الشركاء، إضافة إلى التزامها بتقديم تمويل يصل سقفه إلى 200 مليون ريال على أربع سنوات، وفق شروط وصفها الإفصاح بأنها اعتيادية وغير تفضيلية.

وربط الإفصاح المنشور عبر “تداول السعودية” الترتيب صراحةً بتوسع “ثمانية” في المحتوى المرئي الرياضي وغير الرياضي، لكنه أوضح أيضًا أن ارتفاع الحصة إلى 75% يظل مرتبطًا باستيفاء الموافقات النظامية اللازمة.

في اليوم التالي، أعلن عبد الرحمن أبومالح استقالته من منصب الرئيس التنفيذي، منهيًا نحو عشرة أعوام قضاها على رأس الشركة التي أسسها.

وتداولت منصات وتقارير صحفية روايات عن خلافات بينه وبين جمانا الراشد، الرئيس التنفيذي للمجموعة ورئيسة مجلس مديري “ثمانية”، بشأن توجهات الشركة، لكن لم تظهر وثائق أو تصريحات رسمية تثبت تلك الروايات، ونفاها أبومالح صراحةً، قائلًا إن ما يُتداول عن وجود خلافات “غير صحيح”، وإن مرحلة انتهت وأخرى بدأت.

وأكد أبومالح أنه سيبقى شريكًا يملك 25%، وأنه سيشارك في تسليم القيادة خلال الشهرين التاليين، ويظل متاحًا للاستشارة والدعم.

وإذا اكتملت حصة المجموعة البالغة 75% مع احتفاظ أبومالح بنسبة 25%، فإن النسبتين تستغرقان كامل رأس المال، ما يشير إلى خروج بقية الشركاء من هيكل الملكية، لكن لا يتوافر إفصاح تفصيلي منشور يوضح توزيع مبلغ الـ45 مليون ريال أو الشكل النهائي لكل حصة بعد إتمام الترتيبات.

كما لم يتضمن إعلان تعيين الروقي تحديد هوية الرئيس التنفيذي الذي سيتولى إدارة الشركة خلفًا لأبومالح.

من شركة ناشئة إلى علامة داخل محفظة إعلامية

تكشف هوية المالك الجديد حجم المسافة التي قطعتها “ثمانية” منذ تأسيسها، فـ”المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام” شركة مساهمة مدرجة يعود تأسيسها إلى عام 1972، وتدير محفظة تضم “الشرق الأوسط” و”عرب نيوز” و”الاقتصادية” و”إندبندنت عربية” وشبكة “الشرق”، إلى جانب منصات ومشروعات متخصصة في الترفيه والفعاليات والأبحاث والمحتوى الرقمي.

وتقول المجموعة إن محتواها يصل إلى نحو 165 مليون شخص، فيما تتولى جمانا الراشد منصب رئيسها التنفيذي ورئاسة مجلس مديري “ثمانية”، وتُدار حصة المجموعة في الشركة من خلال “العربية للوسائل”.

يعني ذلك أن “ثمانية” لم تعد شركة يقف مؤسسها في مركز قراراتها وواجهتها العامة، بل أصبحت علامة داخل محفظة أوسع، تتقاطع في إدارتها اعتبارات المحتوى والاستثمار والإعلانات وحقوق البث.

ولا يثبت هذا التحول وحده أن الشركة فقدت استقلالها التحريري أو أن خروج المؤسس كان إقصاءً، كما لا يكفي ضخ التمويل للقول إن هويتها القديمة ستظل كما هي، فالوقائع المتاحة تثبت تغير الملكية والقيادة والحجم التشغيلي، أما أثر ذلك في المحتوى فلا يمكن الحكم عليه قبل ظهور المنتجات والسياسات التحريرية للمرحلة الجديدة.

فصل المسارين يحدد اختبار المرحلة المقبلة

يشير تعيين مالك الروقي إلى ملامح تنظيم يفصل بين مسارين داخل “ثمانية”: قطاع رياضي يحمل التزامات مالية وتشغيلية ضخمة، وقطاع غير رياضي يمثل الرصيد التحريري الذي صنع اسم الشركة.

ويبدو اختيار قائد قادم من إدارة الأخبار والبرامج الثقافية متسقًا مع محاولة منح هذا القطاع إدارة أكثر تنظيمًا، من دون التخلي عن روح المنتجات التي بنت جمهور “ثمانية”.

لكن الاختبار لن يكون في السيرة المهنية للرئيس الجديد أو في لغة إعلان تعيينه، بل في ما ستنتجه “ثمانية” في عهده: تنوع الضيوف والموضوعات، وجرأة الأفلام الوثائقية، واستقلال القرار التحريري، والمساحة المتاحة للأصوات المختلفة، وقدرة المحتوى غير الرياضي على البقاء في صميم المشروع، بدل تحوله إلى ذراع ثانوية بجوار كرة القدم.

ويكتسب هذا الاختبار أهمية إضافية لأن الروقي ينتقل إلى “ثمانية” بعد شغله مواقع قيادية داخل مجموعة “إم بي سي”، وتوليه الإدارة العامة لقناة “الثقافية” التي انطلقت بشراكة مع وزارة الثقافة السعودية، ولا يثبت هذا المسار وحده توجهًا تحريريًا محددًا، لكنه يجعل مساحة الاستقلال والتنوع التي سيمنحها للمحتوى أحد المعايير الأساسية للحكم على المرحلة الجديدة.

انتقلت ملكية “ثمانية” بالأرقام، وتغيرت قيادتها بالقرارات، أما مدى احتفاظها بهويتها التحريرية فسيتضح في الحلقات والأفلام والقصص التي ستخرج من “إذاعة ثمانية” تحت إدارتها الجديدة.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي