ألزمت المؤسسة العربية للإعلان في سوريا أصحابَ صفحات التواصل الاجتماعي العاملة في التسويق والدعاية والإعلان بالحصول على ترخيص خلال شهر، لكن التعميم الذي صدر مطلع أغسطس 2026 لم ينشر تعريفًا دقيقًا لمن يشملهم القرار، ولا جدولًا للرسوم، ولا آلية توضح كيفية تطبيقه على أصحاب التراخيص القائمة؛ لذلك انتقل الجدل من مبدأ تنظيم الإعلان الرقمي إلى أداة التنظيم وحدودها.
صدر التعميم في 2 أغسطس 2026، وطلب من أصحاب الصفحات المعنية مراجعةَ المؤسسة والحصول على الترخيص قبل انقضاء المهلة مطلع سبتمبر، وقدَّم الإجراءَ بوصفه جزءًا من تنظيم قطاع الإعلان وفق القوانين والأنظمة النافذة، غير أن النص المتاح لم يبيِّن المواد القانونية التي تحدد اختصاص المؤسسة بهذا النوع من الصفحات، أو المعايير التي ستطبقها عند منح الترخيص واحتساب الرسوم.
أربع ثغرات في تعميم واحد
تبدأ المشكلة من غموض النطاق؛ فصياغة التعميم يمكن أن تمتد من الشركات المسجَّلة التي تروج لمنتجاتها عبر حساباتها، إلى المؤسسات الإعلامية المرخَّصة التي تبيع مساحات إعلانية، مرورًا بصانعي المحتوى والمؤثرين والصفحات السياحية، وصولًا إلى الأفراد الذين يحققون دخلًا من منصات النشر. ومن دون تعريفات فاصلة، يصبح تحديد المخاطَبين بالقرار أقربَ إلى التقدير الإداري منه إلى تطبيق قاعدة معلنة.
ويمتد الغموض إلى الرسوم؛ إذ لم يُنشر جدول يحدد كلفة الترخيص بحسب نوع النشاط أو حجمه، فتحولت تجارب المراجعين وما يتداولونه إلى المصدر المتاح لتقدير المبالغ المطلوبة. ولا يحول غيابُ الجدول دون تقييم عدالة الرسوم فقط، بل يجعل من الصعب التحقق مما إذا كانت المبالغ المطلوبة في المعاملات الفردية تستند إلى قاعدة موحدة.
أما السؤال القانوني فلا يتعلق بمجرد كون النشاط يجري على منصات عالمية لا تملكها الدولة؛ فملكية المنصة لا تمنع الدول من تنظيم النشاط التجاري أو إخضاع دخله للضرائب، لكن المسألة هنا هي طبيعة الإجراء نفسه: هل ترخِّص المؤسسة النشاطَ الإعلاني بوصفه عملًا تجاريًا، أم الصفحةَ الرقمية، أم المحتوى المنشور عليها؟ وما النص الذي يمنحها هذه الصلاحية ويضبط حدودها وسبل الاعتراض على قراراتها؟
ثم تأتي مخاطر الازدواج؛ فالشركات والمؤسسات الإعلامية والمشروعات الصغيرة التي تعمل بموجب تراخيص تجارية أو إعلامية قائمة قد تجد نفسها أمام ترخيص إضافي للنشاط نفسه. وإذا لم توضح التعليمات التنفيذية العلاقةَ بين التراخيص المختلفة، فقد تتحول الخطوة إلى طبقة جديدة من الرسوم والالتزامات بدلًا من أن تكون إطارًا موحدًا للتنظيم.
تنظيم متسارع قبل اكتمال القانون الجديد
لا يقف تعميم أغسطس منفردًا؛ فمنذ مارس 2026 اتخذت وزارة الإعلام إجراءات متلاحقة شملت منع ثلاث منصات إعلامية من العمل بدعوى عدم الترخيص. وقال عمر الحاج أحمد، مدير الشؤون الصحفية والتراخيص في الوزارة، إن الإجراءات «لن تقتصر عليها» وإنها ستشمل «منصات صانعي المحتوى أيضًا».
وفي أبريل أصدرت الوزارة القرار رقم 139، الذي ألغى بأثر رجعي التراخيصَ الإعلامية التي لم تُجدَّد بعد 8 ديسمبر 2024، كما صدرت «مدونة السلوك الإعلامي» لتشمل المؤثرين ضمن نطاقها، في وقت لا يزال فيه قانون الإعلام الجديد في مرحلة جمع المقترحات من جلسات حوارية عُقدت في محافظات عدة.
وتضع هذه الخطوات تعميمَ المؤسسة العربية للإعلان ضمن مسار يتسع تدريجيًا من المؤسسات الإعلامية إلى الأفراد المنتجين للمحتوى. ولا يعني بقاء القانون الجديد قيد الإعداد غيابَ كل أساس قانوني قائم، لكن صدور قرارات متتابعة من دون إحالة تفصيلية إلى النصوص النافذة أو نشر قواعد تنفيذية واضحة يجعل حدود السلطة التنظيمية أقل قابلية للفهم والمراجعة.
حين يتحول الغموض إلى سلطة تقديرية
تنظيم سوق الإعلان الرقمي يحقق مصلحة عامة عندما يحدّ من التهرب الضريبي والإعلانات المضللة ويتيح مساءلة المعلنين، لكنه يحتاج إلى تعريفات دقيقة وتصنيفات تتناسب مع حجم النشاط ودليل إجراءات معلن. فمن دون هذه الضمانات قد يدفع الرسمُ غيرُ المتوقع الصفحاتِ الصغيرة إلى التوقف أو العمل بعيدًا عن الأطر الرسمية، بينما يمنح الجهةَ الإدارية مساحة واسعة لتحديد من يخالف ومن لا يخالف.
وتزداد حساسية المسألة عندما يجمع الحساب الواحد بين التعبير الشخصي ونشر المحتوى وتحقيق دخل إعلاني؛ لأن ترخيصًا غامض الحدود قد ينتقل عمليًا من تنظيم النشاط الاقتصادي إلى التأثير في من يستطيع إنتاج المحتوى ونشره. ولا تُثبت المادة المتاحة أن هذا هو هدف التعميم، لكنها تُظهر أن النص لم يضع ضمانات معلنة تمنع هذا التوسع أو تفصل بوضوح بين الإعلان والمحتوى.
الاختبار في التعليمات التنفيذية
تنتهي مهلة الشهر مطلع سبتمبر، وحتى إعداد هذا التقرير لم تكن المؤسسة العربية للإعلان أو وزارة الإعلام قد نشرتا تعليمات تفصيلية تحدد الفئات والرسوم والإجراءات ووضعَ أصحاب التراخيص القائمة؛ لذلك يتوقف الحكم على التعميم على ما سيصدر قبل انتهاء المهلة.
يتطلب تحويل القرار إلى تنظيم قابل للدفاع عنه: نشرَ سند الاختصاص، وتصنيفَ الأنشطة بحسب طبيعتها وحجمها، وإعلانَ الرسوم وآلية الاعتراض، ومنعَ ازدواج التراخيص. أما استمرار الغموض فيعني أن أصحاب الصفحات سيواجهون التزامًا لا يعرف بعضهم إن كان مشمولًا به أو ما الذي يتعين عليه دفعه، مما يجعل المشكلة في طريقة إدارة التنظيم بقدر ما هي في موضوعه.

