شريف عامر يُعيد سؤال “من هو الصحفي؟” ونقيب الصحفيين يدعو إلى تعديل القانون أو العمل بروحه

شريف عامر على باب نقابة الصحفيين: يُعيد فتح سؤال من يحمل صفة "الصحفي"؟

Author

لم يكن دخول شريف عامر إلى مبنى نقابة الصحفيين، الخميس 20 أغسطس 2026، أكثر من خطوة أولى في إجراءات القيد؛ فقد حمل مقدم برنامج “يحدث في مصر” ملفًا يضم أرشيفه الصحفي والمستندات المطلوبة، بالتزامن مع فتح مجلس النقابة باب تلقي الطلبات.

لكن الإجراء الإداري سرعان ما تحوَّل إلى سجال واسع على منصات التواصل، استدعى ردًّا من نقيب الصحفيين خالد البلشي، ثم تدخلًا من طارق سعدة بصفته نقيب الإعلاميين، قبل أن يرد عامر عليه بلهجة حادة.

اختُزل النقاش أحيانًا في أسماء أطرافه وفي شهرة عامر التلفزيونية، مع أن الواقعة تطرح سؤالًا أبعد من قبول ملفه أو رفضه: كيف يحدد القانون المصري من هو الصحفي، ولماذا ما زالت ورقة صادرة عن صحيفة مطبوعة أقدر على منح الصفة من ممارسة المهنة نفسها على الشاشة أو في المواقع الإلكترونية؟

الملف لم يُقبل بعد

أول ما سعى خالد البلشي إلى توضيحه أن تسلُّم أوراق شريف عامر لا يعني قيده في النقابة؛ فالتقدم حق يتيحه القانون لمن يستوفي الشروط الشكلية، أما القرار فيصدر بعد مسار يبدأ بمراجعة المستندات، ثم عرضها على لجنة القيد، وإجراء التدريب والاختبار، وفحص الأرشيف الصحفي، ومراجعة السن، قبل أن يصل الملف إلى مجلس النقابة.

وبحسب البلشي، لم يتجاوز ملف عامر حتى الآن مرحلة استكمال الأوراق المطلوبة من جهة عمله في جريدة “الشروق”، وهو ما يجعل الجدل الدائر سابقًا على أي قرار نقابي فعلي.

وتزداد الإجراءات تعقيدًا بسبب سن المتقدم؛ إذ أوضح النقيب أن قيد من تجاوز 53 عامًا يحتاج إلى موافقة مجلس النقابة بالإجماع، مع بقاء حق الطعن أمام لجنة القيد الاستئنافية، وحق الجمعية العمومية في إبداء رأيها خلال مراحل القيد. وإذا انطبقت على عامر بيانات الميلاد المنشورة التي تشير إلى أنه من مواليد مطلع عام 1971، فلن يمر ملفه إلا بموافقة جميع أعضاء المجلس.

أما استقبال عضوين من مجلس النقابة لعامر عند حضوره — وهو ما عدَّه منتقدون دليلًا على معاملة خاصة — فرد عليه البلشي بأن العلاقات الشخصية لا تمنح صاحبها أفضلية في القيد، وأن استقبال متقدم أو ضيف لا يُغيِّر مسار الملف ولا شروط البت فيه.

الشهرة التلفزيونية ليست أساس الطلب

يستند عامر في طلبه، وفق تصريحات صحفية سابقة، إلى مسيرة يقول إنها تمتد 33 عامًا، وإلى عقد سنوي قائم بصفته كاتبًا في جريدة “الشروق”، إلى جانب مقالات ينشرها في “الأهرام”. لذلك لا تقوم أوراقه على شهرته كمذيع، بل على علاقة عمل مع مؤسسة صحفية مطبوعة تستوفي — من حيث الأصل — الشرط الذي يطلبه القانون.

وهنا تقع المفارقة التي فجَّرت الاعتراض عليه؛ فمنتقدوه لا يناقشون فقط سلامة المستندات، بل يسألون إن كان عقد كاتب رأي في صحيفة كافيًا لمنح مذيع بارز عضوية نقابة الصحفيين، حتى لو كانت معظم شهرته وممارسته الراهنة قد صُنعتا على الشاشة.

غير أن سيرة عامر نفسها لا تنتمي إلى التلفزيون وحده؛ فهو نجل الكاتب الصحفي منير عامر، وبدأ عمله في مطلع التسعينيات مترجمًا ثم محررًا في مطبوعات مؤسسة “روزاليوسف”، بينها مجلة “صباح الخير”، كما كتب وترجم في جريدة “العالم اليوم” ومجلة “كل الناس”، قبل انتقاله إلى ماسبيرو محررًا ومعدًّا في قنوات النيل المتخصصة التي شارك في بداياتها.

بعد ذلك انتقل إلى قناة “الحرة” مراسلًا ومقدمًا للبرامج، ثم عاد إلى القاهرة ليقدم برنامج “الحياة اليوم” على قناة “الحياة”، وصولًا إلى برنامج “يحدث في مصر” الذي يقدمه منذ أكثر من عقد على شاشة “إم بي سي مصر”.

هذا الانتقال بين الصحافة المطبوعة والإعداد التلفزيوني والتقديم ليس استثناءً في الإعلام المصري؛ فكثير من مقدمي البرامج يحملون عضوية نقابة الصحفيين استنادًا إلى بداياتهم أو عقودهم في الصحف. وقد طُرح اسم لميس الحديدي، على سبيل المثال، في يونيو الماضي ضمن أسئلة صحفية عن انتخابات النقيب المقبلة، قبل أن تقول إنها لا تفكر في المنصب.

لذلك لا تمثل عضوية مذيع في نقابة الصحفيين سابقة جديدة، لكن طلب عامر جاء في توقيت شديد الحساسية، مع تقلص فرص العمل في المؤسسات الصحفية، واحتدام النقاش بشأن شروط القيد، ومحاولات النقابة إغلاق ما تصفه بـ”الأبواب الخلفية” إلى جداولها.

قانون يرى الورق ولا يرى المهنة كاملة

تكمن جذور الأزمة في قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970، الذي كُتب في زمن يختلف جذريًا عن البيئة الإعلامية الحالية، وما زالت بعض مواده تحمل إشارات إلى مؤسسات زالت منذ عقود، بينها “الاتحاد الاشتراكي العربي” ووزارة الإرشاد القومي.

ويربط القانون، في تطبيقه، القيدَ بالعمل في صحيفة مطبوعة تصدر في مصر، مما يجعله قادرًا على استيعاب كاتب رأي يحمل عقدًا ورقيًا، لكنه يعجز عن التعامل مع صحفي يعمل بصورة يومية في موقع إلكتروني ولا يرتبط بمطبوعة.

وحين صدر قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، لم يحسم الخلاف؛ إذ عرَّف الصحفي بأنه كل عضو مقيد في جداول نقابة الصحفيين، وعرَّف الإعلامي بأنه كل عضو مقيد في جداول نقابة الإعلاميين. وبذلك أصبحت الصفة مشتقة من القيد، بدل أن يكون القيد اعترافًا بممارسة مهنية قائمة.

غير أن هذا التعريف يظل موضع إشكال عملي وقانوني؛ فقد انتهت أحكام قضائية منشورة — من بينها حكم صدر في سبتمبر 2018 ببراءة صحفيين غير نقابيين من اتهامهما بانتحال صفة صحفي — إلى أن ممارسة الصحافة تسبق طلب العضوية، لأن القانون نفسه يشترط في طالب القيد أن يكون محترفًا للمهنة أصلًا.

بين النص الذي يربط الصفة بعضوية النقابة والمنطق الذي يعتبر الممارسة سابقة على العضوية، بقي صحفيو المواقع الإلكترونية في منطقة رمادية؛ فهم يعملون في مؤسسات مرخصة وفق قانون 2018، لكن قانون النقابة الأقدم لا يمنحهم طريقًا واضحًا إلى جدول المشتغلين ما دام عملهم غير مرتبط بصحيفة مطبوعة.

حاول مجلس النقابة الحالي فتح منفذ جزئي أمام هؤلاء بتفعيل المادة 12 وإتاحة القيد في جدول الانتساب، لكن هذا المسار لا يحل أصل المشكلة، بل يكشف أن تعريفًا وُضع قبل أكثر من نصف قرن لم يعد قادرًا على وصف المهنة كما تُمارَس اليوم.

وفي أبريل 2026، عرض مجلس النقابة على الجمعية العمومية مشروع لائحة قيد جديدة من 37 مادة، شمل مراجعة انتظام صدور الصحف، وتشديد إثبات علاقة العمل الفعلية، وتقييم أداء المؤسسات التي ترشح صحفييها للقيد، وقُدِّم المشروع باعتباره محاولةً للحد من التحايل على العضوية.

مع ذلك، تبقى المعادلة الأساسية كما هي: من يعمل في الصحافة الرقمية أو يقدم محتوى صحفيًا على الشاشة قد يظل خارج الجدول، بينما يملك من يرتبط بعقد مع صحيفة مطبوعة طريقًا قانونيًا إلى العضوية، حتى لو كان حضوره المهني الأبرز في مجال آخر.

ملف شريف عامر لا يلتف على هذه المعادلة، بل يسير داخلها، وهذا تحديدًا ما يمنحه أهميته؛ فهو لا يكشف خللًا في أوراق متقدم بعينه بقدر ما يكشف ضيق الباب الذي يسمح القانون بالدخول منه.

وفي رسالة بعنوان “أحلام القيد.. وجراح المهنة”، دعا البلشي إلى تعديل قانون النقابة أو إعادة تفسيره بما ينسجم مع فلسفته وروحه، بما يفتح باب الحماية النقابية أمام الصحفيين العاملين في المواقع الإلكترونية والمتدربين، مع وضع ضوابط صارمة تمنع انتحال الصفة أو تحويل المواقع إلى باب خلفي للعضوية. ورأى أن مناقشة هذا المسار وإقرار قواعد القيد يجب أن يمرَّا عبر الجمعية العمومية، لا أن يُفرَضا بقرار من مجلس النقابة.

خلاف قديم مع نقابة الإعلاميين

زاد تدخل طارق سعدة حدةَ الجدل، بعدما قال إن عامر يمارس العمل الإعلامي بالمخالفة للقانون، وإن نقابة الإعلاميين “لم تعرض نفسها على أحد”. ولم يكن التصريح منفصلًا عن خلاف سابق بين الطرفين يعود إلى عام 2022، حين استدعت النقابة عامر على خلفية حواره مع الشيخ مبروك عطية، بينما رفض المذيع الامتثال للاستدعاء وتمسَّك بحقه في السؤال عن أساسه القانوني.

رد عامر عبر منصة “إكس” بأنه لم يخالف القانون، وأنه استفسر قبل سنوات عن القواعد الواجب اتباعها والتزم بما طُلب منه، ثم انتقل من الدفاع عن وضعه إلى الطعن في صفة سعدة نفسه، فوصفه بأنه “القائم بأعمال رئيس اللجنة المؤقتة” المكلَّفة بتأسيس نقابة الإعلاميين بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 573 لسنة 2017، واعتبر استخدامه لقب “النقيب” أقرب إلى “شبه انتحال صفة”، كما قال إن القانون يمنع ترشحه للمنصب.

هذه اتهامات صادرة عن طرف في خصومة، ولا يملك رد عامر وحده حسمَ الوضع القانوني لسعدة، لكنها أعادت إلى الواجهة سؤالًا قائمًا منذ إنشاء نقابة الإعلاميين بالقانون رقم 93 لسنة 2016: لماذا استمر الإطار التأسيسي المؤقت منذ عام 2017، وما أثر ذلك في شرعية القرارات التي تصدر باسم النقابة؟

في المقابل، تملك نقابة الصحفيين قانونًا مستقرًا ومجلسًا منتخبًا وجمعية عمومية قادرة على مراجعة قرارات القيد والطعن فيها، حتى إن ظل قانونها متأخرًا عن التحولات التي شهدتها المهنة. ومن هذه الزاوية يمكن فهم طلب مذيع بارز الانضمام إليها بوصفه بحثًا عن مظلة نقابية أوضح، لا مجرد رغبة في إضافة لقب مهني.

هل أصبح عقد كاتب الرأي بابًا خلفيًا؟

بالتزامن مع الاعتراض على طلب عامر، ارتفعت أصوات تطالب بإسقاط عضوية الكاتبة فاطمة ناعوت، فردَّت بأن “مقال الرأي صحافة”، وأن تاريخها في الكتابة يمتد إلى 26 عامًا. يلتقي الاعتراضان عند سؤال واحد: هل يكفي عقد كاتب رأي للانضمام إلى النقابة، أم أن هذا النوع من العقود تحوَّل إلى باب يسمح بدخول أسماء لا تمارس العمل التحريري اليومي؟

لا يُميِّز القانون القائم بين كاتب الرأي والمحرر ما دامت علاقة العمل ثابتة مع مؤسسة صحفية مستوفية للشروط، ولهذا قال البلشي إن موظفي النقابة لم يكن في وسعهم رفض تسلُّم ملف متقدم يعمل في جريدة تنطبق عليها قواعد القيد.

لكن سلامة تسلُّم الأوراق لا تُعفي المؤسسةَ ولا مجلس النقابة من المسؤولية؛ فجريدة “الشروق” مسؤولة عن إثبات أن العلاقة التعاقدية حقيقية ومنتظمة، ولجنة القيد مسؤولة عن فحص الأرشيف والممارسة المهنية، ثم يتحمل مجلس النقابة مسؤولية القرار النهائي — ولا سيما أن حالة عامر، بحكم سنه، تحتاج إلى إجماع أعضائه.

من هنا يصبح طلب عامر اختبارًا مبكرًا للائحة القيد الجديدة ولقدرة النقابة على تطبيق معاييرها بصورة متساوية، من دون أن يتحول الغضب من شهرة المتقدم إلى بديل عن فحص ملفه، أو تتحول شهرته إلى سبب لمنحه معاملة استثنائية.

المشكلة ليست في اسم شريف عامر

قد يُقبل ملف عامر في نهاية المسار، وقد ترفضه لجنة القيد أو مجلس النقابة. لكن أيًّا من القرارين لن يحسم السؤال الذي أعاد طلبُه فتحه؛ فالقانون ما زال يربط الاعتراف بالصحفي بالوسيط الذي يعمل فيه أكثر مما يربطه بطبيعة العمل الذي يؤديه.

ولهذا تبدو المعركة حول شخص عامر أصغر من القضية التي كشفتها؛ فالاعتراض المشروع يجب أن ينصبَّ على حقيقة ممارسته الصحفية، وانتظام علاقته بالمؤسسة التي قدَّمته، وجودة أرشيفه، وتطبيق الشروط عليه كما تُطبَّق على غيره، لا على كونه مذيعًا مشهورًا أو ابنًا لكاتب صحفي.

وفي الجهة المقابلة، لا يمكن الدفاع عن نظام يفتح بابه لمن يملك عقدًا في صحيفة مطبوعة، ثم يترك خارجه صحفيين يعملون يوميًا في المواقع الإلكترونية وينتجون الأخبار والتحقيقات والتغطيات من دون حماية نقابية.

سينتهي ملف شريف عامر إلى قرار داخل لجنة القيد ومجلس النقابة. أما الأزمة التي أظهرها فلن تنتهي هناك، لأن المشكلة ليست أن مذيعًا طرق باب نقابة الصحفيين، بل أن قانونًا كُتب لزمن المطبعة ما زال عاجزًا عن رؤية صحفي يعمل خارج الورق.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي