قانون الإعلام اللبناني على أعتاب التصويت: إصلاحٌ منتظَر أم فرصة ضائعة؟

قانون الإعلام اللبناني على أعتاب التصويت: إصلاحٌ منتظَر أم فرصة ضائعة؟

بعد ستة عشر عاماً من النقاش المتقطّع الذي انتقل خلاله مشروع قانون الإعلام من لجنة إلى أخرى دون أن يجد طريقه إلى التصويت النهائي، بدا في مطلع يوليو 2026 أن اللحظة الحاسمة قد اقتربت أخيراً. فقد دعا رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى جلسة للجان النيابية المشتركة يوم الخميس العاشر من يوليو لمتابعة درس الاقتراح، بعد أن أنهت لجنة فرعية مصغّرة برئاسة نائب رئيس المجلس إلياس بوصعب مناقشته وأحالته إلى اللجان المشتركة تمهيداً لرفعه إلى الهيئة العامة. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام لبنانية، أقرّت اللجان المشتركة النص بصيغته شبه النهائية، على أن يُعرض على الهيئة العامة في جلسة تشريعية مرتقبة الأسبوع التالي، في خطوة وُصفت بأنها الأقرب إلى إغلاق ملفٍ ظلّ مفتوحاً منذ أن كان قانون المطبوعات لعام 1962 وقانون الإعلام المرئي والمسموع لعام 1994 يحكمان قطاعاً تبدّلت معالمه جذرياً مع صعود المنصات الرقمية.

يحمل الاقتراح في صيغته المعلَنة ملامح إصلاحية لا يمكن إنكارها. فهو يُلغي العقوبات السالبة للحرية بحق الصحافيين ويستبدلها بغرامات مالية، ويُنشئ محكمة خاصة بالمخالفات الإعلامية بأصول مستعجلة، وينظّم عمل المواقع الإلكترونية، ويؤسّس هيئة مستقلة للإعلام تحل محل المجلس الوطني القائم. وقد قدّم وزير الإعلام بول مرقص القانون بوصفه ثمرة جهد تراكمي يوازن بين حرية التعبير وتنظيم قطاع تغيّرت بنيته، مؤكداً أنه يحدّد تعريف الصحافي ويكافح خطاب الكراهية للمرة الأولى. وذهبت أصوات لبنانية إلى أن الإصلاح لا يتحقق بتأجيل الاستحقاقات، بل بإقرارها ثم تطويرها، وأن انتظار نصٍّ خالٍ من كل ملاحظة قد يعني عملياً استمرار العمل بقانون تجاوزه الزمن.

غير أن هذا التفاؤل الرسمي يصطدم بجدار من التحفّظات لم يخفت مع مرور الأشهر. فقد أصدر اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، بالاشتراك مع «المفكرة القانونية» ومؤسسة «مهارات»، بياناً دعا إلى عدم التراجع عن المبادئ التي قام عليها الاقتراح أصلاً، وفي مقدّمتها استبدال المقاربة الجزائية في قضايا القدح والذم بأحكام مدنية، وحماية حرية العمل الصحافي، وضمان سرية المصادر، وتعزيز الشفافية في ملكية وسائل الإعلام ومصادر تمويلها. وكانت أربع عشرة منظمة حقوقية لبنانية ودولية، من بينها مؤسسة سمير قصير ولجنة حماية الصحفيين ومراسلون بلا حدود ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش،ون بلا حدود ومنظمة العفو الدولية وهيومن قد حذّرت في وقت سابق من أن نسخاً متداولة من المشروع أبقت على العقوبات الجزائية، بل وشدّدتها في بعض الحالات، ومن أن النصوص الفضفاضة المتعلّقة بالمساس بكرامة الأشخاص وحياتهم الخاصة تترك الباب مفتوحاً أمام الرقابة الذاتية وإساءة الاستخدام لإسكات المنتقدين.

يُضاف إلى ذلك بُعدٌ يتعلّق بحق العمل النقابي نفسه. فبينما رأى نقيب محرري الصحافة اللبنانية جوزف القصيفي أن بعض مواد الاقتراح تبيح إنشاء نقابات تُفرز «كونفدرالية» ذات طابع طائفي وفئوي تزيد المشهد شرذمة، حذّرت مؤسسة مهارات، على العكس، من أن النص يقيّد حرية تكوين الجمعيات بنصّه على نقابة صحفية واحدة. هذا التباين في القراءة يكشف عمق الخلاف حول تعريف الصحافي وحدود التمثيل المهني. وقد ناشدت رابطة خريجي الإعلام برّي إعادة درس المشروع، واصفةً بعض ثغراته بأنها ترقى إلى مستوى «الفضيحة الإعلامية»، فيما طالب المتعاقدون مع وزارة الإعلام بأولوية إقرار قانون إخضاعهم لشرعة التقاعد قبل إلغاء مديريات الوزارة، ملوّحين بإضراب مفتوح.

وتقف الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان موقفاً وسطاً يلخّص جوهر المعضلة، إذ رحّبت بإلغاء جرائم إثارة النعرات وتعريض البلاد للمخاطر باعتباره خطوة إيجابية، لكنها نبّهت إلى ضرورة ألّا تُستبدل النصوص الملغاة بأحكام قابلة للتفسير الواسع، ولا سيما في تجريم التحريض على الكراهية، مؤكدة أن نجاح الإصلاح يقتضي حماية كاملة للصحافيين ومصادرهم، وضماناً لاستقلال الهيئة الوطنية للإعلام والشفافية في التمويل والملكية.

يبقى أن ما يجري داخل قبة البرلمان يتجاوز مسألة تشريعية تقنية إلى اختبارٍ حقيقي لهامش الحرية الذي طالما ميّز لبنان عن محيطه، في لحظةٍ رصدت فيها منظمات محلية تصاعد استدعاءات الصحافيين على خلفية عملهم من نحو خمس عشرة حالة سنوياً قبل 2016 إلى ما يقارب سبعين حالة. والسؤال الذي سيحسمه التصويت المقبل ليس ما إذا كان لبنان بحاجة إلى قانون جديد، فذلك محل إجماع، بل ما إذا كان القانون المنتظَر سيوسّع مساحة الكلمة الحرة أم يعيد إنتاج القيود بصياغة أكثر حداثة.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي