كيف تُبنى الصورة البصرية لإسرائيل على إنستغرام، ولماذا تبدو الأرض الواحدة بوجهين؟

مقال مهيب الرفاعي

Author

  • مهيب الرفاعي

    كاتب وباحث سوري، عمل مدرسًا في جامعة دمشق، ويحمل ماجستير الإعلام والدراسات الثقافية وماجستير الترجمة التحريرية. تتركّز ومقالاته على التحولات الأمنية والعسكرية في الشرق الأوسط، ودراسات ما بعد النزاع، واقتصاد السلاح والعسكرة.

يفتح المشاهد مقطعًا ترويجيًا عن القدس أو الجليل أو تل أبيب، فتستقبله حركة ناس طبيعية وسماء صافية وخضرة مشبعة وحقول تمتد تحت ضوء ذهبي وأبنية زجاجية وشوارع نظيفة وموسيقى هادئة توحي بالاستقرار والرفاه. ثم ينتقل إلى مقطع من الضفة الغربية أو غزة أو القدس الشرقية، فيواجه حواجز وجدرانًا وركامًا ووجوهًا متعبة، وكاميرا تضيق حركتها تحت ضغط الميدان، وأصواتًا تختلط فيها المركبات بالرصاص والانفجارات. تبدو الأرض في الحالتين كأنها عالمان منفصلان، مع أنهما يتجاوران في الجغرافيا نفسها تحت سماء واحدة وتاريخ متشابك.

تبدأ الحكاية من هذه المسافة بين صورتين، لنسأل عن القوى التي امتلكت القدرة على اختيار المشهد وترتيب عناصره وتحديد ما يستحق الظهور وما يبقى خارج الإطار؛ لأن الصورة تسبق المعرفة في كثير من الأحيان، وتصل إلى المشاهد قبل التقرير الصحافي والكتاب والخريطة، وحين تتكرر عبر الإعلانات السياحية والأفلام الوثائقية والأخبار ومقاطع التواصل، تتحول إلى قاموس بصري مستقر يجعل بعض الروايات تبدو طبيعية ومألوفة، وتظهر أخرى بوصفها استثناءً أو اضطرابًا.

التصحيح اللوني والزاوية والمونتاج

يبدأ بناء الصورة من قرارات تقنية تبدو بعيدة عن السياسة، كون التصحيح اللوني يرفع حضور الأخضر في الحقول والحدائق، ويعزز زرقة البحر والسماء، ويضبط دفء الحجر عند الغروب، فتبدو المدن أكثر إشراقًا وتماسكًا وتتحول الطبيعة إلى وعد بالوفرة والراحة. وتجري هذه المعالجة وفق أعراف إعلانية شائعة عالميًا، لكن قيمتها التحليلية تظهر حين نربطها بالمعنى الذي تخدمه والسياق الذي تُعرض فيه.

وتؤدي الزاوية وظيفة موازية، لأن اللقطة الجوية التي تلتقطها الطائرات المسيّرة تمنح المشاهد مسافة مريحة عن التفاصيل اليومية، وتحوّل المدينة إلى تكوين هندسي منظم، وتُخفي الاكتظاظ والفقر والقيود على الحركة، بينما تتقدم الخطوط العمرانية المنتظمة والحديثة والعالية والمساحات الخضراء. أما اللقطات القريبة فتمنح الوجوه والابتسامات والأطعمة قدرة على تحويل المكان إلى تجربة إنسانية قابلة للتخيل والزيارة.

ويضبط المونتاج العلاقة بين هذه العناصر، فينتقل من الحقل إلى المختبر، ومن الشاطئ إلى المقهى، ومن المعلم الديني إلى مركز التكنولوجيا، ومن العائلة على مائدة الطعام إلى مهرجان موسيقي، ليصنع هذا الترتيب حجة بصرية متكاملة حتى مع غياب التعليق السياسي وهو مجتمع ذو جذور تاريخية، وقدرة إنتاجية، ومستقبل واعد. وتكمن خطورة هذه التقنية في أنها تنقل السياسة من مستوى التصريحات إلى مستوى الإحساس، فقد يختلف المشاهد مع خطاب سياسي معلن لكنه يستقبل مدينة جميلة أو حقلًا أخضر باستجابة وجدانية مباشرة، ومع التكرار تتراجع الأسئلة عمّن يملك الأرض ومن يصل إلى مواردها ومن يواجه القيود فيها.

الهاسبارا والعلامة الوطنية وصناعة الصورة

لا تقف صناعة الصورة عند اجتهاد المصور والمخرج، فهي تدخل في استراتيجيات الاتصال العام والتسويق الوطني. وتُستخدم في العبرية كلمة “هاسبارا” (הסברה)، أي “الشرح” أو “التوضيح”، للدلالة على جهود الدبلوماسية العامة التي تهدف إلى شرح الموقف الإسرائيلي وتحسين صورة الدولة أمام الجمهور الخارجي، وتشمل نشاط وزارات الخارجية والسياحة، والسفارات، والمنظمات المؤيدة، والمؤثرين، والحملات الرقمية، والاقتصاديين. والهاسبارا في نظر منتقديها دعاية منظمة تهدف إلى طمس معالم الوجود الفلسطيني في أرضه، فيما يعدّها مؤيدوها دفاعًا مشروعًا عن رواية “دولة” تواجه تغطية إعلامية تراها غير منصفة، وكلا الوصفين يؤكد أن الصورة هنا ساحة عمل مقصودة وليست مجرد ناتج عرضي.

وفي إطار هذا المسعى برزت خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مبادرة “Brand Israel” ضمن مفهوم “العلامة الوطنية” (Nation Branding)، وهي ممارسة تعتمدها دول كثيرة لتقديم نفسها عبر الثقافة والسياحة، والتكنولوجيا، والرياضة، والفنون. وتقوم الفكرة على نقل مركز الاهتمام من أخبار الصراع إلى التجربة اليومية مثل المطاعم والشواطئ والجامعات والشركات الناشئة والمهرجانات والمواقع التاريخية الفلسطينية التي تم الاستيلاء عليها. يتصل هذا بمفهوم القوة الناعمة، أي القدرة على التأثير عبر الجاذبية الثقافية والرمزية إلى جانب أدوات الضغط السياسي والعسكري، إذ استُخدمت التعبيرات “pinkwashing” و”greenwashing” في الأدبيات النقدية لوصف توظيف صورة الانفتاح الاجتماعي أو الطبيعة والبيئة لصرف الانتباه عن السياسات، والاعتداءات، والاستعمار، وأدواته.

وتتطلب القراءة الحقيقية التمييز بين أن التسويق الوطني ممارسة دولية واسعة (مثلاً لدينا ترويج دولة قطر لكأس العالم 2022 ورؤية 2030 والصورة الوطنية التي تعمل عليها كمشروع قوة ناعمة حقيقي)، وبين السياق الذي تعمل داخله الصورة الإسرائيلية، لأن الأمر يتجاوز اجتذاب السياح والمستثمرين إلى صراع تاريخي على الأرض والهوية والذاكرة، وشرعية السيطرة، والتحكم، والاستعمار. يزداد أثر هذه الصورة بتعاون المؤسسات الرسمية مع شركات العلاقات العامة والإنتاج السياحي والإعلام الدولي، إذ تتحول اللقطات السياحية إلى مواد قابلة للتداول في الصحافة والإعلانات ومنصات التواصل، وتتشكل بيئة بصرية متكاملة تنتج انطباعات تتجاوز عمر الحملة نفسها.

جمال يحمل ذاكرة الأرض

يحتل اللون الأخضر موقعًا مركزيًا في الترويج لإسرائيل لأنه يجمع بين الجاذبية البصرية ودلالات الزراعة والازدهار؛ تظهر الحقول والبساتين ومشروعات الري والأنهار والكثافة المائية في الشمال والساحل شواهد على الإنجاز التقني والارتباط بالأرض، وتكتسب قوة إضافية حين تقترن بسردية تحويل الصحراء إلى جنة واستصلاح الأرض القاحلة. وهنا ينتقل المشهد من وصف الطبيعة إلى صياغة معنى تاريخي، فيصبح الأخضر دليلًا على العمل والبناء، وتتحول الزراعة إلى وسيلة لربط الحاضر برواية وطنية عن العودة والتجديد.

ويرتبط هذا الخطاب بتاريخ المشروع الصهيوني في فلسطين، وبمكانة الزراعة والاستيطان والتشجير في بناء صورة المجتمع الجديد؛ إذ تداولت الأدبيات الصهيونية صيغًا من عبارة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وهي عبارة موضع نقاش تاريخي واسع لما تنطوي عليه من تجاهل للسكان الفلسطينيين ووجودهم التاريخي والاجتماعي والاقتصادي والحضري قبل آلاف السنين. هذا الكلام مهم عند دراسة بعض الغابات والمتنزهات التي أُقيمت في مواقع شهدت تهجير قرى فلسطينية خلال حربي 1948 و1967، ومن أمثلتها المتداولة “متنزه كندا” قرب اللطرون الذي أُقيم على أراضي قرى عمواس ويالو وبيت نوبا المهجّرة عام 1967. وقد وثّق هذا المسار مؤرخون منهم وليد الخالدي في “كي لا ننسى” وإيلان بابيه في كتابه “التطهير العرقي في فلسطين”.

وحين تظهر هذه الغابات في الإعلان السياحي بوصفها طبيعة مفتوحة ومساحة للاسترخاء، ينحصر المشهد في الحاضر المرئي من أشجار وطرقات ومقاعد وضوء بين الأغصان، أما أسماء القرى ومسارات سكانها فتحتاج إلى معرفة إضافية حتى تستعيد حضورها. تمنح الصورة المشهد قدرة على تقديم نفسه واقعًا مكتملًا بذاته، وتفصل الجمال عن التحولات السياسية التي صنعت بعض شروط وجوده؛ ليستدعي ذلك الحذر من اختزال كل حقل أو غابة في وظيفة دعائية صهيونية، فالمشهد الطبيعي له قيمة جمالية وبيئية حقيقية، لكن القراءة التاريخية تسأل عمّا يختفي وراء ترويج الجمال برواية إسرائيلية.

 الساحل والجبل في مقابل الضفة وغزة والنقب

يتكرر في الصورة الترويجية حضور المناطق التي تتركز فيها الحياة الإسرائيلية، أي السهل الساحلي من حيفا إلى تل أبيب ونتانيا، وتلال الجليل والكرمل، وجبال القدس، وبحيرة طبريا، وهي أماكن تمنحها الطبيعة جمالًا حقيقيًا وتدعمها استثمارات في الطرق والحدائق والمرافق والمياه والتخطيط العمراني الحضري والنظافة، ليتجاور فيها الجمال الطبيعي مع الرعاية المؤسسية، وتصلح للتصوير السياحي من دون كثير من الجهد. أما الصورة الغالبة عن الفلسطينيين في الضفة وغزة والنقب فتأتي من أماكن تُقدَّم بوصفها مساحات للتوتر والفقر والقيود فيها مخيمات مكتظة وأحياء مدمرة وبلدات بدوية في الصحراء.

كشف محتوى المؤثرين الإسرائيليين على إنستغرام عن هذا التباين بوضوح، فالشواطئ والمقاهي المطلة على المتوسط وتلال الجليل والكرمل وإطلالات القدس تتصدر الصور والفيديوهات، وهي مناطق يتركز فيها الجزء الأكبر من السكان الإسرائيليين وتصلها الاستثمارات، والخدمات، والتخطيط، والمياه. في المقابل تأتي الصورة الغالبة عن الفلسطينيين في الضفة وغزة والنقب من أماكن ترتبط بالحصار والقيود وهدم البيوت ونقص البنية التحتية، كما في الحصار المفروض على غزة منذ عام 2007، وقيود البناء في مناطق واسعة من الضفة، وغياب الاعتراف بكثير من القرى البدوية في النقب. غير أن الجمال الفلسطيني حاضر في الأرض نفسها، فغزة شريط ساحلي على المتوسط، والضفة بلاد تلال ومدرجات وزيتون كمدرجات بتير ومشاهد نابلس وأريحا، لكن هذه المشاهد قلّما تصل إلى الشاشة. وهكذا يتحول الجمال الذي تظهره الكاميرا إلى نتيجة اختيار المواقع التي تُوجَّه إليها الموارد والأضواء، وتتشكل ذاكرة بصرية تربط الطبيعة والرفاه بطرف وتربط الطوارئ بطرف آخر.

القدس حاضرة في الصورة وغائبة في التكوين

تمنح القدس الصورة الإسرائيلية مجالًا لبناء سردية تجمع التاريخ والدين والسياحة والحداثة، لتظهر أسوار البلدة القديمة وقبابها وأزقتها ومعالمها الدينية، ويتجول السياح بوصفهم دليلًا على جاذبية المدينة العالمية. تتجلى هذه السردية بأوضح صورها على إنستغرام، حيث ينتج مؤثرون يهود محتوى عن القدس ليل نهار بجودة تصوير عالية وإضاءة مدروسة ولقطات جوية ومونتاج متقن، ويركزون على الجانب الديني، لا سيما في الأعياد، لتتحول الطقوس والصلوات والحشود عند حائط البراق (الذي يسميه الخطاب الإسرائيلي الحائط الغربي) إلى مادة بصرية متجددة. أنشأ بعضهم وبعض الجهات صفحات متخصصة بأجزاء من المدينة، تعرض يومياتها من الأسواق والبلدة القديمة والحائط والأعياد وغيرها، فتتراكم الصور إلى أرشيف يومي يرسّخ في ذهن المتابع أن القدس مدينة يهودية دينية سياحية. ويُلاحظ أن اختلاف التسمية يعكس اختلاف الرواية قبل أن تبدأ الكاميرا عملها.

تتصل المسألة هنا بالتمثيل البصري أكثر من اتصالها بأصالة المعالم، لأن القدس مدينة متعددة الطبقات التاريخية والدينية، ويشكل الفلسطينيون نسبة كبيرة من سكانها ويتمركز معظمهم في القدس الشرقية، ويظهر حضورهم في التجارة والتعليم والصحة والخدمات والحياة الدينية والثقافية عبر أجيال. غير أن الكاميرا الفلسطينية لا تعمل في القدس بالحرية التي تعمل بها الكاميرا الإسرائيلية،  لأن حاملي الهويات الفلسطينية من الضفة وغزة يحتاجون إلى تصاريح للدخول، وهي صعبة أو ممنوعة في كثير من الأحيان، وتفصل الحواجز والجدار بين المدينة وامتدادها الفلسطيني، فيغيب كثير من المصورين والمنتجين عن المدينة التي يفترض أن يرووها. ويعاني الصحافيون المقدسيون أنفسهم من مضايقات في التصوير بالبلدة القديمة والحرم وأحياء مثل الشيخ جراح وسلوان، كما أن الإنتاج الفلسطيني يقتصر غالبًا على التوثيق العاجل لاقتحام أو هدم أو مواجهة، ولا يتوفر له الوقت والموارد لإنتاج يوميات مصقولة تشبه ما تقدمه الصفحات الإسرائيلية.

وهكذا تظهر الفجوة حين تتقدم المعالم التي تخدم رواية وطنية بعينها، فتبدو المدينة فضاءً سياحيًا ودينيًا منظمًا أكثر من كونها مدينة مأهولة يعيش سكانها تحت ترتيبات قانونية وسياسية متباينة. وقد تمر الكاميرا على سوق فلسطيني من دون أن تمنح البائع أو الأسرة التي تسكن فوق المتجر مساحة للتعبير عن حضورها، ليتحول السكان إلى خلفية عابرة وتتقدم العمارة والرموز والمنتجات إلى مركز المشهد. وتتعمق المسألة في القدس الشرقية حيث ترتبط الحياة اليومية بالتخطيط العمراني وتراخيص البناء والإقامة والتنقل، وهي قضايا تحتاج إلى بيانات وشهادات وخرائط لا يتسع لها المحتوى الترويجي القصير، وحين يغيب الإنتاج الفلسطيني المنتظم عن المدينة، يصبح غياب الصورة جزءًا من الصراع على الرواية.

يحتل التنوع موقعًا مهمًا في تسويق إسرائيل للخارج، إذ تُظهر مواد مرئية عديدة وجوهًا ذات ملامح أوروبية في المطاعم والجامعات وأماكن العمل والأنشطة الفنية والرياضية، كدليل على الانفتاح والحداثة والتودد للغرب، ليمتد هذا الخطاب إلى التنوع الديني فتُعرض المساجد والكنائس والمعابد جنبًا إلى جنب، وإلى التنوع الجنسي فتتصدر تل أبيب بوصفها عاصمة إقليمية للمثليين بموكب الفخر وحياتها الليلية. وتخاطب هذه الصورة جمهورًا غربيًا يرى في الأوروبي مرآة لنفسه، فيتقدم الحضور الأوروبي مركزًا للمشهد بينما يتراجع الفلسطيني، وهو صاحب الأرض الأصلي، إلى الهامش أو يغيب، وهذا ما يقرؤه الباحثون النقديون امتدادًا لرواية استيطانية ترسخ الوجود الجديد على الأرض وتبعد أهلها عن الإطار، وصورة بصرية تواصل ما بدأته السيطرة المادية. وتبدأ القراءة النقدية من التمييز بين وجود التنوع حقيقةً اجتماعية وبين طريقة عرضه، فالمشهد الذي يوثق واقعًا قائمًا قد يتحول إلى رمز مختصر لإثبات الانفتاح والتحضر من دون فحص شروطهما في الموارد والتمثيل والتخطيط والتعليم لتلميع صورة الدولة وصرف الانتباه عن الاستعمار والفصل العنصري.

الفلسطيني داخل مشهد الطوارئ

تنبع الفجوة من اختلاف الظروف التي تنتج كل صورة، لأن المواد الترويجية الإسرائيلية تُنتج ضمن جداول مخططة وبفرق محترفة ومعدات متخصصة ومواقع مختارة، ثم تخضع للمونتاج والمعالجة اللونية والمراجعة، أما جانب كبير من الصورة الفلسطينية المتداولة في الحروب والاقتحامات فيُنتج في لحظات الخطر على يد صحافيين ومواطنين يوثقون ما يجري تحت ضغط الوقت وانقطاع الكهرباء وضعف الاتصال، فتتراجع الاعتبارات الجمالية أمام الضرورة التوثيقية. وتؤدي هذه الصورة دورًا حاسمًا في حفظ الأدلة والذاكرة، لكنها تدخل المجال العالمي ضمن إطار متكرر يربط الفلسطيني بالدمار والمواجهة.

تزداد المعضلة وضوحًا في غزة مثلا حيث فرض الحصار قيودًا على حركة الأشخاص والمعدات، وفاقمت الحروب انقطاع الكهرباء والاتصالات وجسامة المخاطر على الصحافيين، كما تتفاوت المؤسسات والموارد وشبكات التوزيع والعلاقات مع المنصات الدولية، فإنتاج الصورة الجذابة يحتاج إلى استثمار متواصل في المعدات والتدريب والأرشفة والتسويق، بينما يعتمد قطاع واسع من الإنتاج الفلسطيني على مبادرات فردية ومؤسسات صغيرة، مع استثناءات مهمة بنت حضورًا دوليًا مؤثرًا. وتضيف التغطية الإخبارية عاملًا آخر، فالحدث العنيف ذو قيمة خبرية عالية بينما تحتاج الحياة اليومية إلى وقت ومساحة تحريرية، ومع التكرار تتكون ذاكرة بصرية تربط فلسطين بالطوارئ وإسرائيل بالسياحة والابتكار، وهو أثر تراكمي يتجاوز نية كل صحافي على حدة.

وتتصل هذه الظاهرة بما طرحه إدوارد سعيد في “الاستشراق” (1978) عن دور التمثيلات الثقافية في بناء صورة الشرق إطارًا معرفيًا يحدد المألوف والغريب والعقلاني والمهدِّد؛ غير أن إظهار المعاناة ليس عيبًا بحد ذاته، فالمشكلة في اختزال مجتمع كامل فيها، فالفلسطيني الذي يظهر في مشهد القصف هو نفسه الذي يزرع الزيتون ويعمل في الجامعة ويحتفل بزفاف ويكتب الشعر ويصنع الأفلام، والصورة العادلة تستعيد هذا التعدد من دون أن تفقد قدرتها على التوثيق.

الفلسطيني خلف الكاميرا

تقدم التجارب السينمائية الفلسطينية دليلًا على أن الفجوة البصرية ترتبط بشروط الإنتاج والتوزيع بقدر ارتباطها بالقدرة الفنية،  واستطاع مخرجون مثل إيليا سليمان وآن ماري جاسر بناء أعمال ذات حضور دولي تتجاوز الصورة الإخبارية التقليدية، فتقدم المدن والبيوت والشوارع والذاكرة والعلاقات اليومية بوصفها فضاءات للحياة، والسخرية والحب والانتظار. تؤدي أعمال المصورين والمخرجين الشباب، إلى جانب مبادرات الأرشفة والشهادات الشفوية، دورًا في استعادة تفاصيل المكان وربط حاضره بماضٍ تعرض للتشتيت والمحو، وتكشف هذه التجارب أن الفلسطيني يمتلك القدرة على إنتاج صورة متقنة وجذابة عن نفسه ومكانه على سبيل المقاومة، وأن الفارق يرتبط بدرجة كبيرة بامتلاك الموارد والمنصات وشبكات التوزيع والوصول إلى الجمهور العالمي. تحتاج هذه القدرة إلى منظومة أكثر استدامة تجمع التمويل والتدريب والأرشفة والتوزيع الدولي والشراكة مع المهرجانات والمنصات، وتوسّع أشكال الإنتاج من الوثائقي والروائي إلى التصوير الفني والمواد السياحية والتفسيرية، بحيث تتحول الصورة الفلسطينية من الاستجابة للحدث وتوثيق لحظة الطوارئ إلى سرد بصري متكامل يقدّم الإنسان والمكان والذاكرة والحياة اليومية

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي