ماذا تتعلّم الصحافة العربية من تجارب المنح الأوروبية؟

دروس من المنح الأوروبية لاستدامة الصحافة العربية المستقلة

لا تبدأ أزمة المؤسسة الإعلامية المستقلة يوم تنتهي المنحة، بل يوم تتعامل معها بوصفها الحل الوحيد للبقاء، يصل التمويل فتتوسع التغطية ويزداد عدد العاملين، ثم ينتهي المشروع فتعود غرفة الأخبار إلى تقليص نفقاتها والبحث عن مانح جديد، من دون أن تملك مورداً دائماً أو جمهوراً مستعداً للمساهمة في استمرارها.

هذه الدورة المألوفة في الإعلام العربي حضرت، وإن في سياق مختلف، في تقرير أصدرته “منظمة دعم الإعلام الدولية” بعنوان “الدفاع عن الديمقراطية بصحافة محلية تعددية”، مستنداً إلى عامين من العمل مع 46 مؤسسة إعلامية في 16 بلداً أوروبياً، غير أن القيمة العربية للتقرير لا تكمن في استنساخ نموذجه، بل في تحويل دروسه إلى أسئلة عملية يطرحها الصحفي والمؤسسة قبل قبول التمويل وأثناء إنفاقه وبعد انتهائه.

ماذا سيبقى بعد انتهاء المنحة؟

قدّم برنامج “إعلام تعددي من أجل الديمقراطية” نحو 1.4 مليون يورو للمؤسسات المشاركة بين عامي 2024 و2026، أي ما يعادل في المتوسط الحسابي قرابة 30 ألف يورو لكل مؤسسة، وإن كانت قيمة المنح الفعلية تختلف من مشروع إلى آخر.

لكن البرنامج لم يكتفِ بتحويل الأموال، بل أضاف دعماً في دراسة الجمهور، وتطوير أساليب السرد، وإنتاج المحتوى متعدد الوسائط، والابتكار التقني، وبناء نماذج الأعمال، وتعزيز المرونة المؤسسية، فضلاً عن تبادل الخبرات بين غرف الأخبار.

هنا يبدأ الدرس الأول للمؤسسات العربية، فنجاح المنحة لا يُقاس فقط بعدد المواد التي أُنتجت خلالها، بل بما تتركه بعد انتهائها من مهارات ومنتجات وقنوات وصول ومصادر دخل، وعلى المؤسسة أن تسأل منذ كتابة طلب التمويل: ما القدرة التي سنمتلكها بعد عام ولم تكن لدينا من قبل؟ وما المنتج الذي سيستمر؟ وكيف سنغطي تكلفته حين يتوقف الدعم؟

أما الصحفي، فلا ينبغي أن يبقى دوره محصوراً في إنجاز المخرجات التي يطلبها المشروع، بل يمكنه استثمار فترة التمويل في اكتساب مهارات تخدم عمله لاحقاً، مثل تحليل احتياجات الجمهور، وتحويل التحقيق إلى أكثر من صيغة، وبناء قنوات لتلقي المعلومات من القراء، وتوثيق أثر المادة بعد نشرها.

المنحة في هذه الحالة تشتري للمؤسسة وقتاً للتجربة والتعلّم، لكنها لا تصنع الاستدامة وحدها.

من المتابع إلى العضو

سجّلت المؤسسات المشاركة نمواً إجمالياً في جمهورها بلغ 9.1 في المئة عبر المواقع والمنصات الاجتماعية، كما وسّعت 79 في المئة منها قنوات التواصل المباشر مع الجمهور، وجرّبت 68 في المئة صيغاً جديدة للمحتوى، وفق بيانات البرنامج نفسه.

لكن زيادة المتابعين لا تعني تلقائياً زيادة الإيرادات، فالمؤسسة لا تستطيع تحويل جمهورها إلى داعمين إلا إذا فهمت من تخاطب، وما الحاجة التي تلبيها، ولماذا قد يدفع القارئ مقابل خدمتها أو يساهم في استمرارها.

بالنسبة إلى المؤسسة العربية، يبدأ ذلك من بناء قناة مباشرة لا تتحكم فيها خوارزميات المنصات وحدها، مثل نشرة بريدية أو قاعدة عضوية أو مجتمع رقمي، ثم اختبار وسائل دخل محدودة قبل إطلاق مشروع كبير، ويمكن أن تشمل هذه الوسائل التبرعات، والعضويات، والاشتراكات، والفعاليات، والشراكات المحلية، والمنتجات المعرفية أو التدريبية.

ولا يتطلب الأمر دائماً إقامة حائط دفع شامل، فقد تبدأ المؤسسة بنشرة متخصصة، أو عضوية تمنح أصحابها لقاءات ومواد إضافية، أو حملة تمويل مرتبطة بتحقيق واضح، ثم تقيس استعداد الجمهور للدفع وأسباب اشتراكه أو انسحابه.

ويملك الصحفي دوراً أساسياً في هذه العلاقة، فالجمهور لا يدعم اسماً تجارياً مجرداً، بل يدعم صحافة يرى قيمتها، ويثق بمنهجها، ويشعر أن أسئلته ومشكلاته حاضرة فيها، ومن هنا يصبح الاستماع إلى القراء وجمع ملاحظاتهم ومراجعة أثر التغطية جزءاً من العمل التحريري.

إيراد الجمهور لا يضمن الاستقلال وحده، لكنه يوسّع قاعدة التمويل ويخفف اعتماد المؤسسة على معلن واحد أو مانح واحد.

قياس الأثر يبدأ من غرفة الأخبار

استخدم البرنامج “إطار الأثر” التابع للمنظمة لمساعدة المؤسسات على تحديد التغيير الذي تسعى إلى إحداثه، ثم متابعة ما تحقق، ووفق نتائجه قالت 63 في المئة من المؤسسات إنها استطاعت إظهار أثر مجتمعي قابل للقياس.

يمكن لغرفة الأخبار العربية تطبيق الفكرة من دون أدوات معقدة، بأن تحدد لكل مشروع مجموعة صغيرة من المؤشرات المناسبة لطبيعته، مثل عدد القراء العائدين، ونمو مشتركي النشرة، والمعلومات التي أرسلها الجمهور، واستخدام المادة من مؤسسات أخرى، وردود الجهات المعنية، أو التغيير القانوني أو المجتمعي الذي أسهمت التغطية فيه.

ويستطيع الصحفي إنشاء سجل بسيط لما حدث بعد النشر، يتابع فيه الردود والتصحيحات والشهادات والقرارات المرتبطة بالمادة، وبهذا لا يظل أثر العمل موزعاً بين رسائل البريد ومنشورات المنصات وذاكرة فريق التحرير.

لا ينبغي أن يتحول القياس إلى مطاردة للأرقام السهلة أو إرضاء المموّل، فعدد المشاهدات لا يكشف وحده قيمة التحقيق، كما أن غياب قرار رسمي لا يعني أن المادة لم تؤثر، المطلوب هو اختيار مؤشرات تناسب الهدف التحريري، لا اختيار أهداف يسهل تحويلها إلى أرقام.

التمويل الأجنبي: خذ المعرفة ولا ترث التبعية

يثير نقل هذه التجربة إلى المنطقة العربية سؤال التمويل الأجنبي، إذ تعتمد مؤسسات مستقلة كثيرة عليه في ظل ضعف سوق الإعلان وندرة المستثمرين المحليين الذين يقبلون باستقلال التحرير.

لا يقدم التقرير حلاً كاملاً لهذه المعضلة، لكن منهجه يقترح طريقة أفضل لإدارتها، تقوم على إعلان مصدر التمويل ومدته وشروطه، والفصل بين المانح والقرار التحريري، وتنويع الإيرادات، ووضع خطة لما بعد المنحة منذ بدايتها.

المشكلة ليست في مصدر واحد بالضرورة، بل في أن يصبح مصير المؤسسة كله معلقاً بقرار جهة واحدة، سواء كانت مانحاً أجنبياً أو معلناً محلياً أو مستثمراً سياسياً.

ما لا يمكن استيراده من أوروبا

يدعو التقرير إلى التعامل مع الصحافة المحلية باعتبارها جزءاً من البنية الديمقراطية، بما يستدعي تمويلاً عاماً وتشريعات تحمي حرية الإعلام وتنظيماً للمنصات الرقمية.

هذه الأرضية ضعيفة أو غائبة في معظم البلدان العربية، وقد تكون الدولة التي يُفترض أن تحمي الصحافة المستقلة هي نفسها الطرف الذي يفرض القيود عليها، لذلك لا يمكن نقل النموذج الأوروبي بحذافيره.

لكن المؤسسات العربية تستطيع تعويض بعض هذا النقص بالتعاون، عبر تقاسم خدمات قانونية وتقنية وأمنية، وإنشاء شبكات للتدريب وتبادل الخبرات، وتطوير أدوات مشتركة لتحليل الجمهور والتوزيع والتحقق، بدلاً من أن تتحمل كل مؤسسة صغيرة الكلفة منفردة.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي