مراجعة «حماية الصحفيين» لقاعدة بيانات الصحفيين من شهداء غزة تشعل الجدل

مراجعة «حماية الصحفيين»

Author

أعلنت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) مراجعةً لقاعدة بياناتها الخاصة بالصحفيين الذين قُتلوا في غزة، بعد أن تبيّن أن بعض الأسماء المدرجة في قوائمها جرى تحديدها لاحقاً باعتبارها مقاتلين في حركة حماس أو حركة الجهاد الإسلامي، في قرار أثار انتقادات واسعة وكشف عن انقسام في المواقف حول توقيته ودوافعه.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام، حذفت اللجنة حتى أواخر يونيو 20 اسماً من قوائمها، ثمانية منهم حُدّدوا باعتبارهم مقاتلين، فيما حُذف 12 آخرون لأسباب لم تُوضَّح بالتفصيل، ليستقر العدد الذي توثّقه اللجنة عند 209 صحفيين وعاملين في الإعلام قتلتهم إسرائيل في غزة ومراكز الاحتجاز منذ السابع من أكتوبر 2023. وكانت عمليات التتبع الأولية التي أجرتها اللجنة في غزة والضفة الغربية ولبنان وإسرائيل واليمن وإيران قد بلغت 263 عملية قبل حذف الأسماء العشرين.

وأوضحت اللجنة أنها تعتمد عادةً على مصدرين مستقلين على الأقل، إضافةً إلى البحث المكتبي والتحقق الميداني قبل إدراج أي اسم، لكن الحظر الإسرائيلي الشامل على وصول وسائل الإعلام المستقلة إلى غزة حال دون التحقق الميداني منذ بدء الحرب. وأشارت إلى أن المراجعة جاءت بعد تحقيقات إعلامية إسرائيلية رصدت نعوات رسمية على قنوات تابعة للأجنحة العسكرية لحماس والجهاد أدرجت أسماءً كانت مصنّفة سابقاً ضمن الصحفيين، وهو ما دفعها إلى إعادة التحقق.

مجلس الإدارة يؤكد التعريف ويرفض ادعاءات تعديله

وفي تطور لاحق، صوّت مجلس إدارة اللجنة يوم الأربعاء على تأكيد التعريف المعتمد لمن يُعدّ صحفياً، رافضاً ادعاءات بأنه كان يعتزم تعديله لاستبعاد فئات معينة. وقال رئيس المجلس جاكوب وايسبرغ في بيان إن اللجنة تُجري مراجعات منتظمة لتعريفها، من بينها مراجعة أُجريت عام 2025، وإن أعضاء المجلس طلبوا التصويت على مقترح لإعادة النظر في التعريف «وصوّتوا على تأكيد التعريف القائم».

وتُعرّف اللجنة الصحفيين بأنهم من يغطّون الأخبار بانتظام أو يعلّقون على الشؤون العامة عبر أي وسيلة بهدف نقل معلومات قائمة على الحقائق إلى الجمهور، وتُدرج بحسب سياستها الراسخة العاملين في وسائل الإعلام المدعومة من الدولة والتابعة لجماعات مسلحة، شريطة ألا يشاركوا في القتال أو يحرّضوا على عنف وشيك، استناداً إلى القانون الدولي الإنساني. وشدّد وايسبرغ على أنه «ليس صحيحاً» أن اللجنة كانت تعتزم تغيير تعريفها لاستبعاد الصحفيين الفلسطينيين واللبنانيين الذين قُتلوا في الحرب، معتبراً أن ادعاءات بلا دليل من هذا النوع تقوّض العمل التوثيقي وتُعرّض الصحفيين الميدانيين للخطر، ومؤكداً وقوف المجلس إلى جانب موظفي اللجنة وإلى جانب «جميع الصحفيين الذين يتعرضون للتشهير والإساءة ظلماً بسبب أدائهم لواجبهم المهني».

مشهراوي: النقد المهني لا يعني اتهام المؤسسة بالتواطؤ

من جهته، دعا المخرج والصحفي الفلسطيني أشرف مشهراوي، أحد أبرز المخرجين من قطاع غزة والناشط في دعم الصحفيين هناك، في تعليق نشره على صفحته بفيسبوك، إلى التعامل بهدوء ومسؤولية مع المراجعة، محذّراً من محاكمة المؤسسة قبل التحقق من الوقائع أو تحويل أي مراجعة مهنية إلى «اتهام جاهز بالتواطؤ». وأقرّ بأن القلق من أن يكون حذف بعض الأسماء استجابةً لضغوط إسرائيلية «مفهوم» في سياق يدرك الجميع فيه حجم الاستهداف والتحريض ضد الصحفي الفلسطيني، لكنه رأى أن ما جرى يحتاج إلى وقفة أكثر تأنّياً.

واستند مشهراوي إلى متابعته عمل اللجنة منذ الأيام الأولى للحرب، مؤكداً أن توثيقها قام على قواعد مهنية ومعايير القانون الدولي الإنساني وعلى فحص فردي للأدلة لا على توظيف سياسي، وأن المراجعة الأخيرة لم تستند إلى رواية إسرائيلية مجردة بل إلى معلومات لاحقة من بينها بيانات ونعوات صادرة عن فصائل فلسطينية عرّفت بعض الأسماء باعتبارهم مقاتلين. وشدّد في المقابل على أنه لا يجوز أن تُستخدم المراجعة لتشويه الحقيقة الأكبر أو التخفيف من هول ما دفعه الصحفيون الفلسطينيون من ثمن غير مسبوق، مميّزاً بين «النقد الجاد والتحريض، وبين المساءلة المهنية وتدمير المرجعيات التي نحتاجها في معركة التوثيق والعدالة»، ومؤكداً أن الدفاع عن الصحفي الفلسطيني «لا يكون بالمبالغة، بل بالحقيقة».

كتلة الصحفي تستنكر

في المقابل، استنكرت كتلة الصحفي الفلسطيني قرار اللجنة بشأن ما وصفته بتعديل تعريفها لمن يُعدّ صحفياً في غزة، معتبرةً أن التوقيت والسياق يثيران القلق في ظل حرب هي الأشد فتكاً بالصحفيين في التاريخ الحديث. ويعكس هذا الموقف انقساماً أوسع في التلقّي؛ إذ يرى منتقدون أن المراجعة قد تُقرأ بوصفها تراجعاً تحت الضغط أو محاولةً لتقليص أرقام الخسائر الإعلامية، فيما يقدّمها الجانب الإسرائيلي باعتبارها تصحيحاً يكشف «تسلّل» عناصر مسلحة إلى صفوف الإعلام.

تعدد الجهات وتعدد الأرقام

وكان مرصد الإعلام العربي قد رصد في تقرير سابق تفاوت بين الجهات بحسب منهجية كلٍّ منها ونطاقها الجغرافي وتعريفها للصحفي. فأعلى الأرقام صدر عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الذي رفع حصيلة الشهداء من الكوادر الصحفية إلى 262 شهيداً، واصفاً ما يجري بأنه استهداف واغتيال ممنهج، بينما وثّق الاتحاد الدولي للصحفيين، الذي يعمل مع نقابة الصحفيين الفلسطينيين، ما لا يقل عن 235 صحفياً وعاملاً في الإعلام. وتعتمد منظمة «مراسلون بلا حدود» معياراً أكثر تحفظاً يحصر الإحصاء فيمن تتوافر أدلة على ارتباط مقتلهم بعملهم الصحفي، وقد أحصت أكثر من 220 صحفياً قُتلوا على يد الجيش الإسرائيلي في غزة.

وأياً كان الرقم المعتمد، تلتقي المنظمات المهنية عند خلاصة واحدة لا يكاد يُختلف حولها، وهي أن حرب غزة هي الأكثر دمويةً على الصحافة في التاريخ الحديث، إذ تذهب لجنة حماية الصحفيين إلى أن إسرائيل قتلت من الصحفيين عدداً يفوق ما قتلته أي حكومة أخرى منذ بدأت اللجنة جمع بياناتها عام 1992. ويظل التفاوت بين المصادر، لا الرقم المفرد، هو المؤشر الأصدق على واقعٍ يصعب فيه الإحصاء الدقيق تحت القصف والحصار ومنع الوصول المستقل.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي