ملايين المشاهدات.. ماذا نعرف عن جمهور البودكاست العربي؟

جمهور البودكاست العربي: ماذا تقول الأرقام فعلًا؟

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

في اليوم العالمي للبودكاست، تكشف تقارير “فوربس” و”أوفكوم” ودراسات الأسواق العربية عن انتشار واسع، لكن اختلاف تعريفات الجمهور وطرق قياسه يجعل الأرقام أقل وضوحاً مما تبدو.

أكثر من 110 ملايين مشاهدة لحلقة واحدة عن العلاقات الإنسانية، هذا ما وثقته موسوعة “غينيس” لحلقة ياسر الحزيمي في بودكاست “فنجان” السعودي، حين سجلت الرقم القياسي لأكثر حلقات البودكاست مشاهدة على يوتيوب في أغسطس 2024.

يعطي الرقم صورة عن المسافة التي يستطيع حوار عربي أن يقطعها، لكنه يترك أسئلة لا يجيب عنها عدّاد المشاهدات: كم شخصاً شاهد الحلقة؟ وكم منهم أكملها؟ وكم عاد إليها، أو انتقل إلى الاستماع لنسختها الصوتية؟

تتكرر هذه الأسئلة كلما جرى الحديث عن جمهور البودكاست العربي، فالأرقام متاحة، وبعضها صادر عن دراسات ذات منهجيات منشورة، لكنها تصف أشياء مختلفة، من مشاهدة حلقة إلى الاستماع الأسبوعي، ومن جمهور منصة إلى سكان دولة، وقد تختفي هذه الفروق حين تتحول نتائج الدراسات إلى عناوين صحفية أو عروض للمعلنين.

نجاح عربي في صناعة عالمية

بمناسبة اليوم العالمي للبودكاست، في 30 سبتمبر 2026، نشر الكاتب المساهم في “فوربس” فرانك راسيوبّي مقالاً عن اتساع الحضور العالمي للصناعة، تناول فيه تجارب وأسواقاً في آسيا وأفريقيا وأستراليا وأوروبا، من دون التطرق إلى التجارب العربية.

واستند المقال إلى موقع “إحصاءات البودكاست” في تقدير الجمهور العالمي بنحو 584.1 مليون مستمع، لكن نقل هذا التقدير لا يغني عن معرفة تعريف المستمع والفترة التي يغطيها الرقم وطريقة احتسابه، خصوصاً عند مقارنته بنتائج استطلاعات وطنية أو إحصاءات المنصات.

غياب المنطقة عن المقال يصف حدود تغطيته، ولا يكفي للحكم على موقعها في الصناعة، فهناك نجاحات عربية موثقة ودراسات تشمل أسواقاً عربية بالفعل.

ومن تلك النجاحات حلقة “كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي”، التي تنتجها “ثمانية”، فقد تحققت “غينيس” في 20 أغسطس 2024 من بلوغها 110,789,073 مشاهدة، وهو رقم مؤرخ يوثق إنجاز الحلقة آنذاك، وليس حصيلة مشاهداتها الحالية.

وذكرت الموسوعة أن أكثر من 74% من مشاهدات الحلقة جاءت من خارج السعودية، بما يعكس امتداد انتشارها، مع بقاء الفرق بين المشاهدات والأشخاص ضرورياً، مثلما أن وجود المشاهد خارج السعودية لا يحدد جنسيته أو لغته.

ماذا يقيس البريطانيون؟

في اليوم نفسه، نشرت هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية “أوفكوم” قراءة لعادات الجمهور، مستندة إلى أبحاثها الإعلامية، وأظهرت ارتفاع الاستماع الشهري إلى البودكاست من 18% عام 2019 إلى 39%، وتصل النسبة إلى 43% عند احتساب البودكاست المصوّر، فيما يستمع 27% من البالغين أسبوعياً.

وتقيس الهيئة أيضاً الوقت الذي يمنحه الجمهور للبودكاست، فقد ارتفعت حصته من إجمالي وقت الاستماع من 5% في 2022 إلى 11% في 2026، وهذا مؤشر مختلف عن عدد الأشخاص الذين يستمعون إليه.

وتتصدر الأخبار والشؤون الجارية اهتمامات المستمعين الأسبوعيين بنسبة 47%، بينما يرى 45% من مستمعي البودكاست أن الإعلانات أكثر من اللازم، ويقول 35% إنهم مستعدون للدفع مقابل الاشتراك في برامجهم المفضلة، وتنخفض النسبة إلى 16% بين من تبلغ أعمارهم 55 عاماً فأكثر.

تخص هذه النتائج بريطانيا، لكنها تقدم مثالاً على ما تضيفه التفاصيل إلى فهم الجمهور: عدد المتابعين، وانتظام المتابعة، والوقت، والاهتمامات، والاستعداد للدفع، وهي أسئلة لا يستطيع عدّاد المشاهدات الإجابة عنها مجتمعة.

بيانات عربية بتعريف مشترك

في أبريل 2025، نشرت “يوغوف” مقارنة شملت 49 سوقاً، وعرّفت المستمع المنتظم بأنه من يستمع إلى البودكاست ساعة واحدة على الأقل أسبوعياً، ووفق هذا التعريف، بلغت النسبة 60% في السعودية، و57% في الإمارات، و52% في مصر، و45% في المغرب، و33% في لبنان.

وتعكس النتائج إجابات جُمعت خلال الأشهر الاثني عشر السابقة، بحد أدنى يقارب 1000 مشارك لكل سوق، وتصف الشركة العينات بأنها ممثلة وطنياً، باستثناء الإمارات والهند حيث تمثل سكان المناطق الحضرية.

تمنح هذه البيانات المقارنة أساساً أوضح، لكنها لا تقيس حصراً متابعة البرامج الناطقة بالعربية، كما أن نسبة الإمارات لا تخص المواطنين الإماراتيين وحدهم.

وهنا يظهر فارق يغيب عن كثير من النقاشات: جمهور البودكاست في الدول العربية أوسع من جمهور المحتوى العربي داخلها، وقد يمتد جمهور البرامج العربية بدوره إلى خارج المنطقة، لذلك لا تكفي نسب الاستماع الوطنية وحدها لاستخراج عدد إجمالي لمتابعي البودكاست باللغة العربية.

تضارب الرقم في مصر

تظهر صعوبة القراءة عند وضع نتائج دراسات مختلفة جنباً إلى جنب، فقد أورد مسح “استخدام الإعلام في الشرق الأوسط” لجامعة نورثوسترن في قطر، عن عامي 2021 و2022، أن 5% من المواطنين المصريين المشمولين بالدراسة استمعوا إلى البودكاست، مقابل 73% بين المواطنين القطريين، و31% بين مواطني الدول المشمولة إجمالاً.

وجُمعت البيانات بين 27 ديسمبر 2021 و29 أبريل 2022، من خلال 7382 مقابلة هاتفية في 7 دول، بينها 1010 مقابلات في مصر، واقتصرت العينة المصرية على المواطنين، بينما ضمت العينات الأخرى مواطنين ومقيمين أجانب، مع عرض نتائج خاصة بالمواطنين في أجزاء من التقرير.

وشهدت تلك الموجة تغييراً في طريقة جمع البيانات بسبب قيود الجائحة، إذ اعتمدت المقابلات الهاتفية في جميع البلدان، بعدما أُجريت المقابلات وجهاً لوجه في معظمها خلال موجات سابقة.

وفي أغسطس 2026، نقل موقع “إكستشينج واير” عن ميغان ديفيز، المسؤولة عن الأسواق الدولية في “أكاست”، أن بيانات “جي دبليو آي” تشير إلى استماع نحو 64% من مستخدمي الإنترنت في مصر إلى البودكاست أسبوعياً، لكن المادة المنشورة لا تعرض تفاصيل العينة والسؤال وتاريخ جمع البيانات التي استند إليها التصريح.

وبين الرقمين ترد نتيجة “يوغوف” البالغة 52%، وفق معيار الساعة الأسبوعية، وهكذا يجد القارئ أمامه ثلاث نسب تبدو وكأنها تجيب عن سؤال واحد، بينما تختلف شروط إنتاجها.

لا يثبت هذا التفاوت خطأ إحدى الدراسات، ولا يسمح بقياس قفزة في الاستماع من 5% إلى 64%، فالفترات والفئات والتعريفات مختلفة، كما لا يحدد الملخص المنشور لنورثوسترن الاستماع بوصفه أسبوعياً.

ويحتاج تفسير الفارق إلى الاستبيانات والجداول الأصلية، لا إلى افتراض أن مرور السنوات أو اختلاف العينة يفسره بالكامل.

حين ينتقل المستمع إلى الشاشة

يزيد البودكاست المصوّر صعوبة الفصل بين المشاهدة والاستماع، ففي دراسة نشرتها “يوغوف” في يونيو 2026، قال 60% من مستهلكي البودكاست في الإمارات إنهم يفضلون الفيديو، مقابل 20% يفضلون الصوت وحده، و18% يفضلون الصيغتين بالتساوي.

وأُجري المسح عبر الإنترنت بين 13 مارس و1 أبريل 2026، وشمل 950 بالغاً في الإمارات، وصفت الشركة عينتهم بأنها ممثلة وطنياً، أما نسب التفضيل فتخص مستهلكي البودكاست ضمن الدراسة، وليس جميع السكان.

وتظهر أهمية يوتيوب في استهلاك الأخبار أيضاً، ففي تقرير الأخبار الرقمية لمعهد رويترز لعام 2025، بلغت نسبة استخدامه للأخبار بين المشاركين في المغرب 49%، مقابل 47% لفيسبوك، مع تنبيه التقرير إلى أن العينة أكثر تعليماً وحضرية من عموم السكان، وهذه بيانات عن الوصول إلى الأخبار، لا عن البودكاست تحديداً.

بالنسبة إلى قياس البودكاست، قد يفوّت الاقتصار على تطبيقات الصوت متابعين يصلون عبر الفيديو، وقد يؤدي جمع أرقام المنصات إلى احتساب الشخص نفسه أكثر من مرة، كما تضيف المقاطع المقتطعة من الحلقات جمهوراً لا يظهر بالضرورة في عدّاد الحلقة الأصلية.

لهذا تختلف قيمة كل مؤشر: الاشتراك في قناة لا يعني مشاهدة كل حلقاتها، وتشغيل الحلقة لا يعني إكمالها، والمشاهدة المتكررة لا تعني وصول المحتوى إلى شخص جديد.

ما يحتاجه صانع الحلقة

تتحول هذه الفروق إلى مسألة يومية لدى المنتجين: كيف يقدّم صاحب البرنامج جمهوره إلى المعلن؟ وما الذي يستطيع أن يَعِد به؟ وهل تكفي شعبية حلقة واحدة لتغطية تكاليف موسم كامل؟

في دراسة نشرها نادي دبي للصحافة في مايو 2024، شمل الاستبيان 60 صانع بودكاست عربياً، إلى جانب مجموعة نقاش ضمت 16 مشاركاً يمثلون 11 دولة، وتناولت الدراسة احتياجات الصناعة، ومنها أدوات تحليل تفاعل الجمهور والاستدامة المالية.

تضيف هذه المقاربة معرفة من داخل المهنة، لكنها تظل دراسة لخبرات المنتجين وتصوراتهم، وليست مسحاً ممثلاً للمستمعين، وهو تمييز لازم عند نقل نتائجها إلى الجمهور.

وتطرح المنصات بدورها أرقاماً تحتاج إلى تعريف، ففي بيان تمويلها الصادر في سبتمبر 2024، أعلنت “بوديو” أن لديها مجتمعاً يزيد على 100 ألف صانع محتوى وجمهوراً عالمياً يتجاوز 50 مليون مستمع، ووصف البيان هؤلاء بأنهم “مستمعون”، وليسوا مشتركين، من دون أن يوضح دورية استماعهم أو طريقة إزالة التكرار عند احتسابهم.

ونقل “إكستشينج واير” عن “أكاست” أن جانباً كبيراً من إيرادات المنطقة يأتي من الرعاية المباشرة والمحتوى الممول والشراكات الخاصة، وهي شهادة مفيدة لفهم السوق، مع مراعاة أن مصدرها شركة تعمل فيه وتستفيد من نمو الإنفاق الإعلاني.

ولا يفسر القياس وحده صعوبات التمويل، التي ترتبط أيضاً بالتكاليف والتوزيع وقدرة المؤسسات على البيع، لكنه يساعد المنتج والمعلن على مناقشة قيمة الجمهور على أساس أوضح.

تثبت البيانات المتاحة حضور البودكاست في أسواق عربية، وتوثق نجاحات تتجاوز الحدود، لكنها لا تقدم، مجتمعة، تعداداً موحداً وراهناً لجمهور المحتوى العربي عبر المنصات.

وما يحتاجه القارئ عند نشر رقم جديد هو المعلومات التي تسمح له بفهمه: مَن شملهم القياس، ومتى أُجري، وما المقصود بالاستماع أو المشاهدة، فهذه التفاصيل هي التي تبيّن إن كنا أمام جمهور يتابع بانتظام، أم وصول عابر، أم مرات متعددة للشخص نفسه.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي