من يعيِّن رقيب الإعلام؟ اختبار الاستقلال بين لبنان ومصر وتونس

من يعيِّن رقيب الإعلام؟ اختبار الاستقلال بين لبنان ومصر وتونس

Author

لا يكفي أن يصف القانون هيئة تنظيم الإعلام بأنها “مستقلة” حتى تصبح كذلك؛ فالاستقلال يُختبر في الجهة التي تختار الأعضاء، ومدة ولايتهم، وشروط عزلهم، ومصدر الموازنة، وقدرة القضاء على مراجعة القرارات.

تزداد أهمية هذه الضمانات لأن الهيئة المنظِّمة لا تراقب قطاعًا هامشيًا، بل تملك قرارات قد تحدد من يحق له البث، وأي مؤسسة تحصل على ترخيص، ومتى تُفرض غرامة أو يُحجب موقع. وكلما اتسعت الصلاحيات، ازدادت الحاجة إلى حماية الجهة المنظِّمة من السلطة السياسية ومن أصحاب المصالح الإعلامية في آن واحد.

لبنان: توزيع التعيين لا ينهي المخاوف

أقرَّ مجلس النواب اللبناني قانون الإعلام الجديد في 11 أغسطس 2026، بعد مسار تشريعي استمر نحو ستة عشر عامًا. وينشئ القانون “الهيئة الوطنية للإعلام” لتحلَّ محل المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، مع صلاحيات أوسع تشمل تنظيم القطاع ومراقبة التعددية والملكية والتمويل.

وبحسب القراءات المنشورة للصيغة التي أقرَّها البرلمان، تتألف الهيئة من عشرة أعضاء، تنتخب جهات مهنية وأكاديمية وقضائية ومجتمعية سبعة منهم، بينما يعيِّن مجلس الوزراء ثلاثة. يمنع هذا التوزيع الحكومةَ من اختيار جميع الأعضاء مباشرة، لكنه لا يضمن وحده استقلالهم، خصوصًا مع محدودية التمثيل الصحفي وغياب ضمانات واضحة تمنع تعطيل التشكيل أو خضوع الاختيارات للمحاصصة السياسية والطائفية.

يبقى التمويل موضعَ قلق أيضًا؛ فقد حذَّرت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، خلال مناقشة الاقتراح، من أن إخضاع التدقيق المالي لقواعد وُضعت للإدارات الحكومية قد يحوِّل الرقابة إلى وصاية. واقترحت موازنة مستقلة ورقابة لاحقة من ديوان المحاسبة وتدقيقًا خارجيًا ونشر الحسابات سنويًا.

مصر: استقلال قانوني وتعيين تهيمن عليه الرئاسة

يصف القانون المصري المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بأنه هيئة مستقلة ماليًا وإداريًا، ويمنحه موازنة خاصة، ويُلزمه بإصدار تقرير سنوي يناقشه البرلمان، كما يسمح بالطعن في جزاءاته أمام القضاء الإداري.

لكن المادة 73 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 تنص على تشكيل المجلس بقرار من رئيس الجمهورية. ويختار الرئيس رئيسَ المجلس وشخصية عامة مباشرة، كما يفاضل بين قوائم تقدمها بعض الجهات المهنية والبرلمانية والأكاديمية.

لا يعني ذلك أن جميع الأعضاء تختارهم الرئاسة وحدها؛ فبعض المقاعد مرتبطة بجهات قضائية وتنظيمية ونقابية، لكن صدور التشكيل النهائي من الرئاسة — واقترانه بصلاحيات تشمل الترخيص والغرامات ووقف المواد وإلغاء تراخيص البث والمواقع — يصنع اختلالًا بين اتساع سلطة المجلس وضمانات استقلاله عن السلطة التنفيذية.

تونس: تصميم متقدم أضعفته السياسة

قدَّمت تونس التصميم الأكثر توزيعًا للسلطة، وإن كانت المقارنة غير متطابقة تمامًا لأن “الهايكا” تختص أساسًا بالإعلام السمعي والبصري، بينما يمتد نطاق الهيئتين اللبنانية والمصرية إلى قطاعات إعلامية أوسع.

ينص المرسوم 116 لسنة 2011 على هيئة من تسعة أعضاء يرشِّحهم الرئاسة والسلطة التشريعية والقضاء والصحفيون ومهنيو القطاع. وتستمر العضوية ست سنوات غير قابلة للتجديد، مع تجديد الثلث كل عامين، مما يُفترض أن يمنع أي سلطة من إعادة تشكيل الهيئة دفعة واحدة.

لكن إحالة رئيس الهيئة نوري اللجمي إلى التقاعد عام 2023 من دون تعيين خلف له كشفت نقطة ضعف حاسمة: أفضل الضمانات القانونية قد تفقد قيمتها إذا امتنعت السلطة عن استكمال التعيينات. ولا تتوافر معلومات مؤكدة عن إعادة تشكيل مجلس مكتمل حتى وقت إعداد هذا التقرير.

الاستقلال الحقيقي يُقاس في الممارسة لا في النص

تكشف الحالات الثلاث أن الاستقلال لا يُقاس بتعدد جهات التعيين فقط، بل بوجود موازنة كافية، وولاية محصَّنة من العزل السياسي، وقرارات معلَّلة قابلة للطعن، وشفافية في اختيار الأعضاء، وضمان استمرار المؤسسة من دون أن تستطيع الحكومة تعطيلها بترك المقاعد شاغرة.

في لبنان، لن يكون الاختبار الحقيقي في العبارة التي تصف الهيئة بأنها مستقلة، بل في أول تشكيل لها، وأول موازنة، وأول قرار تتخذه في مواجهة سلطة سياسية أو مؤسسة إعلامية نافذة.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي