التاريخ المرضي للصحافة المصرية: حين يحاكم بلال فضل المهنة بمذكرات نجومها

الفرضية التي تشدّ المحطات بعضها إلى بعض واضحة من العنوان: الانهيار الذي تعيشه الصحافة المصرية اليوم لم يبدأ مع الفضائيات ولا مع وسائل التواصل ولا حتى مع موجة التضييق الراهنة

في سلسلته «محطات في طريق انهيار الصحافة المصرية»، يعود بلال فضل إلى مذكرات محمد حسنين هيكل وموسى صبري وأنيس منصور، لا بوصفها مادة للحنين إلى زمن الصحافة الكلاسيكية، بل كوثائق تكشف جذور علاقة مريضة بين الصحافة والسلطة في مصر.

حين يريد بلال فضل أن يؤرّخ لانهيار الصحافة المصرية، لا يبدأ من قوانين تنظيم الإعلام، ولا من صفقات الاستحواذ التي ابتلعت الصحف والفضائيات، بل يفتح المذكرات التي كتبها نجوم المهنة عن أنفسهم، ويقرأ منها بصوت مرتفع.

في سلسلته «محطات في طريق انهيار الصحافة المصرية»، التي يبثها عبر قناته الشخصية على يوتيوب، يقدّم الكاتب والسيناريست المصري المقيم في الخارج 9 حلقات مطوّلة موزعة على 3 محطات تحمل أسماء 3 من أكبر أسماء الصحافة المصرية في القرن العشرين: محمد حسنين هيكل، وموسى صبري، وأنيس منصور.

إنه تشريح دقيق لما يمكن تسميته «التاريخ المرضي» لعلاقة الصحافة بالسلطة في مصر؛ تأريخ لا يستهدف الحنين ولا مجرد تصفية حسابات مع أسماء لامعة، بل فهم كيف وصلت المهنة إلى حالها المزري، انطلاقًا من قناعة تسري في الحلقات كلها: تشخيص المرض هو الشرط الأول لعدم تكرار الأخطاء الكارثية ذاتها.

والفرضية التي تشدّ المحطات بعضها إلى بعض واضحة من العنوان: الانهيار الذي تعيشه الصحافة المصرية اليوم لم يبدأ مع الفضائيات ولا مع وسائل التواصل ولا حتى مع موجة التضييق الراهنة، بل بدأ قبل ذلك بعقود، في اللحظة التي تحوّل فيها ولاء الصحفي من قارئه ومجتمعه إلى رئيس الدولة، وصار رضا السلطة — لا ثقة القراء — هو ما يُستمد منه البقاء ويُقاس به المجد.

عناوين المحطات وحدها تختصر الأطروحة. المحطة الأولى: «محمد حسنين هيكل أو الصحفي شريكًا في الحكم» في 3 حلقات. المحطة الثانية: «موسى صبري صاحب شعار: نعم أنا أطبل وأزمر» في حلقتين. المحطة الثالثة: «أنيس منصور جليسبل وأزمر» في حلقتين. المحطة الثالثة: «أنيس منصور جليسًا أنيسًا للرئيس وكاذبًا كبيرًا» في 4 حلقات. ثلاثة أوصاف تتدرج كأنها مراحل مرض واحد: الشراكة في الحكم، فالتطبيل المعلن، فالاختلاق الصريح.

الإدانة من فم أصحابها

ما يميز السلسلة ليس موضوعها؛ فنقد هذه الأسماء الثلاثة ليس جديدًا، وقد كُتبت فيه مقالات وكتب على مدى عقود. الجديد هو المنهج. بلال فضل، الذي عُرف قبل ذلك ببرنامج «عصير الكتب» حيث جعل من قراءة الكتب مادة تلفزيونية، يبني حلقاته هنا على القاعدة نفسها: القراءة المباشرة من النصوص.

عماد حجته ليس شهادات الخصوم ولا أقاويل المعاصرين، بل ما كتبه الرجال الثلاثة أنفسهم في مذكراتهم ومقالاتهم وحواراتهم. وهذه نقطة قوة نقدية يصعب ردّها: حين يروي موسى صبري بنفسه كيف كان يفاخر بقربه من الرئيس، وحين يسجل أنيس منصور بقلمه جلساته في بيت الرئيس، لا يستطيع أنصار الرجلين اتهام الناقد بالتجني؛ فالنص نصّهما، وكل ما فعله القارئ أنه قرأه بعين لا تحتفل.

طريقة العرض نفسها جزء من الرسالة. الحلقات طويلة، بعضها يتجاوز الساعة بكثير، وإيقاعها إيقاع الجلسة لا المقطع السريع: قراءة متأنية، تعليق ساخر، استطراد إلى حكاية جانبية، ثم عودة إلى النص.

وبين السطور يعمل الخيط الذي يشدّ الماضي إلى الحاضر؛ فبلال فضل لا يحتاج في الغالب إلى أن يسمّي أحدًا من إعلاميي اليوم، لأن المشاهد المصري يلتقط الإسقاط بنفسه: صحفي يكتب خطب الرئيس، وكاتب يتحول عموده اليومي إلى نشرة لما يريده القصر، ومهنة تقيس نجاح أبنائها بمسافتهم من الحكم لا بمصداقيتهم عند القراء. التاريخ هنا ليس موضوعًا للحنين، بل مرآة مقصودة.

3 محطات ومرض واحد

محطة هيكل هي الأكثر حساسية، لأن الرجل ما يزال عند قطاع واسع من المصريين قمة المهنة وأيقونتها. رأس تحرير «الأهرام» من 1957 إلى 1974، وكان أقرب الصحفيين إلى جمال عبد الناصر، يكتب خطبه ويجالسه ويشارك في صياغة قراراته، حتى تولى وزارة الإرشاد القومي في 1970.

بلال فضل لا يجادل في موهبة هيكل ولا في أنه بنى مؤسسة صحفية كانت الأحدث في المنطقة؛ بل يذهب إلى ما هو أبعد: إن هذه الموهبة تحديدًا هي التي جعلت النموذج مغريًا. فحين يكون ألمع صحفيي البلاد هو نفسه شريك الحاكم وكاتم أسراره، يصبح الجلوس في حجرة الحكم قمة طموح كل صحفي شاب، وتفقد المهنة وظيفتها الأولى: مساءلة السلطة من خارجها.

ويعود فضل إلى بدايات مبكرة لهذا الاصطفاف ضد الحريات، أبرزها مقال هيكل الشهير في 1953 «قدموا جمال عبد الناصر معي إلى مجلس التأديب»، وتبنيه مقولة عبد الناصر إن «الحرية كان لها سوق وللأفكار تجارة»؛ فبهذا — في قراءة السلسلة — وفّر ألمع أبناء المهنة الغطاء الفكري الذي احتاجه الاستبداد الوليد، ودفعت المهنة كلها ثمن هذا الاحتكار لاحقًا. تلك هي «الخطيئة المؤسِّسة» التي تفتتح بها السلسلة طريق الانهيار.

مع موسى صبري يسقط القناع الذي حرص هيكل على ارتدائه. الرجل الذي رأس تحرير «الأخبار» وترأس مجلس إدارة «أخبار اليوم» طوال عهد أنور السادات لم يكن يرى في قربه من الرئيس ما يستدعي التبرير أصلًا؛ فقد ردّ على منتقديه بمقال حمل عنوانًا صار لصيقًا باسمه: «نعم إنني أطبل وأزمر»، معتبرًا التطبيل للسلطة في «أعراسها الوطنية» دورًا مشروعًا، وتنسب إليه روايات صحفية متعددة المشاركة في كتابة خطب السادات، ومنها خطابه أمام الكنيست في 1977.

ولا تتوقف السلسلة عند الشعار؛ فهي تتتبع كيف تحول صبري إلى رقيب داخلي يشطب مقالات زملائه وأساتذته اتقاءً لغضب الرئيس — كما فعل مع جلال الدين الحمامصي ومصطفى أمين — وكيف استُخدم قلمه في الاغتيال المعنوي لمعارضي السادات، وصولًا إلى تأييد اعتقالات سبتمبر 1981 التي طالت زملاء له في المهنة.

وأقسى ما في قراءة فضل لهذه المحطة تفكيكه وهم «نظافة اليد» الذي تحصّن به صبري: فعفّة اليد من الفساد المالي لا تصلح صكّ براءة لمن مارس أفدح أشكال الفساد السياسي والمهني. عند هذه المحطة لم تعد التبعية سرًّا مهنيًّا يُدارى، بل فضيلة وطنية تُعلن؛ وهذا في منطق السلسلة تطور نوعي في المرض: الانتقال من الشراكة المقنّعة بالمهنية إلى الولاء الفخور بنفسه، ومن الصحفي الشريك إلى البوق الموظف الذي يتلقى التعليمات.

أما أنيس منصور، فيمنحه بلال فضل أطول المحطات: 4 حلقات كاملة لرجل قدّمته الصحافة المصرية عقودًا بوصفه «فيلسوفها» وأغزر كتّابها إنتاجًا. كلّفه السادات بتأسيس مجلة «أكتوبر» في 1976، وكان من أقرب الكتّاب إليه وأكثرهم ملازمة لمجالسه.

وهنا ينحدر النموذج درجة أخرى في سلّم المرض: فالرجل لم يعد شريكًا في الحكم كهيكل، ولا بوقًا سياسيًّا كصبري، بل «نديمًا» وظيفته الأولى مؤانسة الرئيس وتسليته. الشقّ الأول من عنوان المحطة، «جليسًا أنيسًا للرئيس»، توثيق لا يجادل فيه أحد.

وبالتوازي مع المنادمة، ترصد السلسلة كيف أدرك منصور أن بقاءه مرهون بتغييب وعي قرائه لا بتنويرهم، فابتكر خلطته الصحفية الشهيرة القائمة على الخرافات والأطباق الطائرة وتحضير الأرواح. أما الشقّ الثاني، «كاذبًا كبيرًا»، فهو حكم بلال فضل الذي يبني عليه حلقاته، ويسنده بالوثائق والبحث الأرشيفي: تفنيد لمرويات منصور في تزييف التاريخ وتصفية الحسابات، وأشهرها ادعاءاته عن «كفر» عبد الناصر وسخريته من الحج واضطهاده له شخصيًّا — أكاذيب يرى فضل أن صاحبها تمادى فيها لأن السلطة كانت تحميه، ولأن أحدًا لم يحاسبه، اعتمادًا على ضعف ذاكرة المجتمع.

وهنا تبلغ الأطروحة ذروتها: فإذا كان الصحفي الشريك يضلّل قارئه بالانحياز، والصحفي المطبّل يضلله بالمبالغة، فإن الصحفي المختلق يهدم العقد كله؛ إذ لم يعد بين يدي القارئ ما يميز به الخبر من الحدوتة. تلك، في منطق السلسلة، أخطر مراحل الانهيار وأشدها بقاء في جسد المهنة.

من «حظ عبد الناصر» إلى «أذرع السامسونج»

لا يترك فضل لمشاهده مهمة الربط وحده، بل يشدّ الخيط بنفسه حتى اللحظة الراهنة: لم نصل إلى هذا القاع صدفة، والمقدمات نفسها تقود إلى النتائج نفسها. فحين صرّح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن عبد الناصر كان «محظوظًا بإعلامه»، وتحدث عن الحاجة إلى «أذرع إعلامية»، كان ذلك — في قراءة السلسلة — استدعاءً مباشرًا لإرث هيكل وصبري ومنصور.

والصحافة التي تخلت بالأمس طوعًا عن استقلالها لخدمة السلطة، انتهت اليوم، بحسب ما تسوقه السلسلة استنادًا إلى ما تكشّف من تسريبات وتقارير، إلى تحريرٍ يُدار بتعليمات مباشرة تصل من الأجهزة الأمنية عبر «أجهزة السامسونج». الفارق بين الزمنين فارق درجة لا نوع: بالأمس كان الصحفي يذهب إلى مكتب الرئيس ليصوغ القرار أو يطبّل له، واليوم تأتيه التعليمات جاهزة إلى هاتفه.

على أن السلسلة لم تكتمل بعد. فبلال فضل لم يصل في محطاته إلى حقبة حسني مبارك، وهي الحقبة التي عاصرها بنفسه شاهدًا من الداخل منذ منتصف التسعينيات، حين بدأ رحلته الصحفية متنقلًا بين الفن والسياسة. وربما تمر المحطات المقبلة بالعام الذي حكم فيه الإخوان، قبل أن تبلغ ما ينتظره المشاهدون فعلًا: الحقبة الراهنة التي يراها فضل ذروة الانهيار، والتي من أجل تفسيرها أصلًا يعود إلى التاريخ يقرأ فيه ويرصد جذور المرض.

وحين تصل السلسلة إلى هناك، سيكون الراوي نفسه شاهدًا وطرفًا، وسيُطرح سؤال جديد: هل يقرأ فضل دفاتر معاصريه بالصرامة نفسها التي قرأ بها مذكرات الراحلين؟

ورسالة السلسلة الختامية تحذيرية بامتياز: غياب حرية الصحافة وتغييب العقل النقدي ليسا ترفًا يسهل الاستغناء عنه، بل طريق محتوم إلى الكوارث والهزائم التي يدفع ثمنها المجتمع بأسره — من قوت يومه، وحريته، ومستقبل أبنائه. ولعل هذا سر الإقبال على حلقات طويلة بطيئة في زمن المقاطع الخاطفة: الجمهور لا يشاهد الماضي، بل يتعرف فيه على حاضره.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي