قد تصل إلى غرفة الأخبار دراسة تحمل نتيجة مثيرة عن علاج جديد للسرطان، أو مادة غذائية تطيل العمر، أو سلوك يهدد الصحة، ويبدو نشرها في مجلة علمية محكّمة كافيًا لتحويلها سريعًا إلى عنوان صحفي، لكن هذه الخطوة التي تمنح الدراسة سلطة الحقيقة قد تكون بداية التضليل لا نهايته.
فوجود الدراسة في مجلة علمية وخضوعها للتحكيم لا يعني بالضرورة صحة نتائجها، لأن المحكّمين لا يعيدون إجراء التجربة، ولا يفحصون كل رقم أو صورة أو بيان ورد فيها، كما لا يضمن التحكيم اكتشاف الأخطاء المنهجية أو البيانات المتلاعب بها أو تضارب المصالح.
هذه هي الفكرة المركزية التي ينطلق منها دليل نشرته الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية، للصحفية العلمية إسراء أوز، ويقترح عشرة اختبارات عملية ينبغي للصحفي إجراؤها قبل نشر أي ادعاء علمي.
لا يطالب الدليل الصحفي بأن يتحول إلى عالم مختبرات أو أن يعيد إجراء التجارب، لكنه يحمّله مسؤولية فحص ما يمكن التحقق منه، حتى لا تتحول الصحافة إلى منصة لتضخيم نتائج أولية أو غير موثوقة.
حين تصبح الورقة العلمية منتجًا للبيع
تزداد أهمية هذا الحذر مع انتشار ما يُعرف بـ”مصانع الأوراق العلمية”، وهي جهات تنتج أبحاثًا مزيفة أو تتلاعب بالبيانات والصور، ثم تبيع هذه الأوراق إلى أشخاص يرغبون في إضافتها إلى سجلهم الأكاديمي.
وفي عام 2025، أمضى الصحفي فريدريك جولفينغ، وعالما الحاسوب سيريل لابيه وغيوم كاباناك، ستة أشهر في التحقيق في هذا النشاط، وكشفوا أن وجود البحث داخل مجلة علمية لا يحسم وحده سلامة البيانات التي بُنيت عليها نتائجه.
ومن الحالات التي تناولوها ورقة أثارت شكوك باحثين في السرطان بعدما حاولا البناء على نتائجها ولم يتمكنا من تكرارها، وعند فحص الرسوم البيانية، اكتشفا تكرار بيانات متطابقة يُفترض أنها تمثل تجارب مختلفة.
نشر الباحثان شكوكهما عام 2020 على منصة متخصصة في مراجعة الأبحاث بعد نشرها، وتواصلا مع محرر المجلة، قبل أن تُسحب الورقة لاحقًا بسبب استخدام مواد أو بيانات مزيفة.
تلخص هذه الواقعة الفجوة التي قد يقع فيها الصحفي، فالبحث كان منشورًا ومحكّمًا وقابلًا للاقتباس، لكنه لم يصمد أمام محاولة إعادة نتائجه وفحص البيانات التي استند إليها.
البيان الصحفي ليس الدراسة
يبدأ الخطأ أحيانًا قبل أن يفتح الصحفي الورقة الأصلية، عندما يعتمد على البيان الصادر عن الجامعة أو المؤسسة البحثية، والذي قد يختصر الدراسة في أكثر نتائجها جاذبية، ويخفي قيودها أو يقدم الارتباط بين عاملين بوصفه علاقة سببية.
ودرست ورقة منشورة عام 2024 نحو 84 بيانًا صحفيًا عن التلوث البلاستيكي في المحيطات، إلى جانب 495 قصة صحفية تناولتها، ووجدت أن أكثر من نصف القصص استعارت صياغات من البيانات، بينما أغفلت غالبية التغطيات مصادر تمويل الدراسات والقيود التي تؤثر في تفسير نتائجها.
لذلك ينبغي قراءة البيان إلى جوار البحث نفسه، ومقارنة اللغة المستخدمة في الاثنين، فقد تقول الدراسة إن عاملًا ما “يرتبط” بنتيجة صحية، بينما يحوله البيان الصحفي، ثم العنوان الإعلامي، إلى سبب مباشر لها.
وقد تبرز المؤسسة نتيجة فرعية إيجابية، بعد إخفاق النتيجة الأساسية التي صُممت الدراسة لقياسها، فيخرج الخبر بصورة أكثر تفاؤلًا مما تسمح به النتائج الفعلية.
ولا تكفي قراءة ملخص البحث، لأن التفاصيل التي قد تغير معنى النتيجة توجد عادة في المنهج والجداول والملحقات، مثل حجم العينة، وطريقة اختيار المشاركين، ووجود مجموعة للمقارنة، ومدة الدراسة، وحجم التأثير، ونطاق عدم اليقين، وعدد المنسحبين، والآثار الجانبية المسجلة.
وفي التجارب السريرية، يستطيع الصحفي مقارنة النتائج المنشورة بما سجله الباحثون قبل بدء التجربة، للتحقق مما إذا كانوا قد غيروا النتيجة الأساسية أو استبعدوا نتائج غير مريحة، ثم ركزوا على نتيجة ثانوية أكثر إيجابية.
خبير مستقل يختبر ما تقوله الدراسة
لا تكتمل مراجعة البحث بمقابلة مؤلفيه، لأنهم أصحاب النتيجة التي يجري تقييمها، ولذلك يوصي الدليل بعرض الورقة على خبير مستقل لم يشارك فيها، ولا ينتمي إلى المؤسسة نفسها، ويملك معرفة بالموضوع أو بطريقة البحث المستخدمة.
ولا يكفي سؤال الخبير عما إذا كانت الدراسة “جيدة”، بل ينبغي طرح أسئلة محددة: هل يجيب المنهج عن السؤال الذي طرحه الباحثون؟ هل تسمح البيانات بالوصول إلى الاستنتاج المنشور؟ ما أهم قيد في الدراسة؟ وما الادعاء الذي يجب على الصحفي تجنب كتابته؟
وإذا كشف الخبير مشكلة جوهرية، يجب العودة إلى الباحثين ومنحهم فرصة لتفسيرها، ثم مواصلة البحث حتى يتضح أين يقع الوزن الأكبر للأدلة.
فوظيفة الصحفي ليست العثور على اقتباس مؤيد وآخر معارض، بل فهم سبب الخلاف، وما إذا كان متعلقًا بالبيانات أو بطريقة البحث أو تفسير النتائج.
وتحتاج الدراسات الأولية التي تُنشر قبل خضوعها للتحكيم العلمي إلى مستوى أعلى من الحذر، ويمكن تغطيتها عندما تكون ذات قيمة خبرية، لكن بعد عرضها على أكثر من متخصص مستقل، والتصريح بوضوح بأنها لا تزال دراسة أولية.
لغة العنوان قد تفسد دقة البحث
قد يكون البحث حذرًا في صياغة نتائجه، ثم تمنحه الصحافة يقينًا لا يدعيه أصحابه، فتتحول كلمات مثل “يشير” و”قد يقلل الخطر” إلى “يثبت” و”يمنع”، ويصبح الارتباط سببًا، والاحتمال حقيقة، والنتيجة الأولية “اختراقًا علميًا”.
ويجب أن تعكس لغة الخبر قوة الدليل الفعلية، فإذا كانت الدراسة ترصد ارتباطًا بين عاملين، فلا يجوز القول إن أحدهما تسبب في الآخر، وإذا كانت النتائج مقتصرة على فئة عمرية أو سكانية محددة، فلا يصح تعميمها على الجميع.
ويحذر الدليل كذلك من الخلط بين الخطر النسبي والخطر الفعلي، وبين الزيادة المئوية والزيادة بالنقاط المئوية، لأن الأرقام قد تبدو ضخمة في العنوان، بينما يكون أثرها الحقيقي محدودًا.
ولا تقتصر لغة المبالغة على الصحافة، فقد وجد تحليل نشرته المجلة الطبية البريطانية أن استخدام الكلمات الإيجابية في ملخصات الأبحاث الطبية ارتفع من 2 في المئة خلال الفترة من 1974 إلى 1980، إلى 17.5 في المئة عام 2014.
ويعني ذلك أن الصحفي مطالب بفحص لغة الباحثين والمؤسسات العلمية أيضًا، لا مجرد نقلها، وألا يستخدم أوصافًا مثل “ثوري” و”غير مسبوق” و”اختراق علمي” من دون دليل يبررها.
من موّل الدراسة وما دوره؟
لا يعني التمويل التجاري تلقائيًا أن الدراسة غير موثوقة، لكنه يفتح أسئلة عن الدور الذي لعبه الممول في تصميمها وجمع البيانات وتحليلها وكتابتها، وما إذا كان يستطيع تأخير نشر النتائج أو منعها.
وتشير مراجعة منهجية لمؤسسة “كوكرين” إلى أن الدراسات الممولة من شركات الأدوية والأجهزة الطبية كانت أكثر ميلًا إلى إعلان نتائج واستنتاجات تصب في مصلحة منتجات الجهة الممولة، مقارنة بأبحاث تمولها مصادر أخرى.
ولهذا ينبغي ألا يكتفي الصحفي بذكر اسم الممول، بل يسأل عمن صمم الدراسة، ومن امتلك البيانات، ومن أجرى التحليل، ومن كتب الورقة، وما إذا كانت للباحثين علاقات مالية بالشركة أو المنتج محل الدراسة.
ويجب فحص الخبراء المستقلين أيضًا، فقد تكون لهم علاقات مالية أو مهنية أو أكاديمية بالباحثين أو الشركات المعنية.
ومع ذلك، لا ينبغي تقديم تضارب المصالح بوصفه دليلًا مستقلًا على التلاعب، بل باعتباره معلومة ضرورية تساعد القارئ على تقييم مدى استقلال الدراسة والظروف التي أُنتجت فيها.
هل لا تزال الدراسة صالحة للاعتماد؟
قد تواجه الورقة مشكلات بعد نشرها، ولذلك يجب البحث عن عنوانها الكامل ومعرّفها الرقمي قبل إعداد الخبر، للتحقق مما إذا كانت قد خضعت لتصحيح، أو أصدرت المجلة بشأنها إعلان قلق، أو سُحبت بالكامل.
ولا تعني هذه الحالات الشيء نفسه، فقد يعالج التصحيح خطأ لا يغير النتيجة الأساسية، بينما يشير إعلان القلق إلى وجود أسئلة جدية لم تُحسم بعد، أما سحب الورقة فيعني أن نتائجها لم تعد جديرة بالاعتماد.
وينبغي الرجوع إلى صفحة الدراسة على موقع المجلة، وعدم الاكتفاء بنسخة قديمة محفوظة، لأن التصحيحات والتنبيهات قد تظهر على صفحة الناشر فقط.
كما يمكن البحث عن الدراسة في قواعد البيانات التي تتتبع الأبحاث المسحوبة، والمنصات التي يناقش عليها الباحثون مشكلات الأوراق المنشورة، وقراءة إشعار التصحيح أو السحب نفسه لمعرفة ما حدث بدل الاكتفاء بوصف مختصر.
دراسة واحدة لا تهدم تاريخًا من الأدلة
لا ينبغي التعامل مع كل ورقة علمية بوصفها اكتشافًا منفصلًا عن المعرفة السابقة، بل يجب مقارنتها بالدراسات المشابهة، والمراجعات المنهجية، والتحليلات التي تجمع نتائج أبحاث متعددة.
وعلى الصحفي أن يسأل: كم دراسة توصلت إلى النتيجة نفسها؟ هل توجد أدلة تناقضها؟ هل استطاعت فرق بحثية مستقلة تكرار النتائج؟ وإذا اختلفت الدراسة الجديدة عن الأبحاث السابقة، فهل يرجع ذلك إلى اختلاف المنهج أو العينة أو الفئة السكانية؟
فالدراسة الجديدة قد تقدم تحولًا حقيقيًا، لكنها قد تختلف أيضًا بسبب صغر حجم العينة أو قصر مدة المتابعة أو طريقة القياس، ولا يمكن وصفها بأنها تقلب المعرفة العلمية قبل تفسير هذا الاختلاف واختبار قوته.
وينتهي الدليل باختبار يصلح قاعدة أخيرة للمحرر قبل النشر: إذا تعرضت هذه الدراسة بعد عام لتصحيح جوهري أو سُحبت بالكامل، فهل تظل القصة الصحفية دقيقة؟
هذا السؤال لا يمنع الصحافة من تغطية النتائج الجديدة، لكنه ينقلها من إعادة إنتاج خطاب الباحثين والمؤسسات إلى فحص قوة الأدلة وحدودها، وهي المسافة التي تفصل بين خبر علمي يخدم معرفة الجمهور، وعنوان مثير يمنح اليقين لما لا يزال مجرد احتمال.

