استحوذ الاتفاق الإطاري الموقَّع بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية في 26 يونيو 2026 على اهتمام واسع من كبرى المؤسسات الإعلامية العربية. غير أنّ زاوية التناول تفاوتت بين منصة وأخرى تفاوتاً يكشف خطوطاً تحريرية مختلفة أكثر مما يكشف اختلافاً في حجم الاهتمام. وفيما يلي قراءةٌ في تغطية كلٍّ من العربية والتلفزيون العربي والجزيرة عبر حساباتها على إنستغرام خلال الساعات الأربع والعشرين التي أعقبت الإعلان.
ملاحظة منهجية: تستند هذه القراءة إلى رصدٍ لمنشورات الحسابات الرسمية الثلاثة على إنستغرام في نافذةٍ زمنية امتدّت 24 ساعة بعد الإعلان. صُنِّف كل منشور بحسب زاويته الغالبة (نقل خبري محايد، إبراز مؤيِّد، إبراز ناقد، تحليل)، ومصدر التصريح المنقول. والأرقام الواردة تقديرية تعكس كثافة النشر لا حصراً نهائياً.
تشابهت كثافة النشر بين المؤسسات الثلاث تشابهاً لافتاً، مع تقدّمٍ طفيف للجزيرة، كما تشابهت في نقل العواجل والتصريحات العامة. لكنّ الزوايا افترقت بوضوح.
قناة العربية
أفردت العربية للاتفاق تغطية كثيفة بلغت قرابة ثلاثين منشوراً خلال أربع وعشرين ساعة، تنوّعت بين عواجل ومقابلات ميدانية وبرامج حوارية. نشرت القناة بنود الاتفاق مع تسليطٍ خاصّ على الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ونقلت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي وصفت الاتفاق بالإنجاز مع تركيزٍ على جوانبه الدبلوماسية. وعرضت مشاهد الدمار من جنوب لبنان، ومقابلاتٍ مع مواطنين جاء معظمها بين التأييد والتخوّف من التعثّر فحسب، دون إفساحٍ يُذكر للأصوات الرافضة من خارج إطار حزب الله، كما نشرت فيديو المرأة التي طلبت من ترامب “جعل لبنان عظيماً مرة أخرى”.
اللافت في خط العربية أنّ تأطيرها انحاز إلى موقفٍ سلبيٍّ واضح من حزب الله وإيران، يُستدلّ عليه من تكرار اختيارات تحريرية متّسقة لا من تصريحٍ معلن.
فقد غطّت القناة احتجاج حزب الله بوصفه “محاولة قطع الطريق” على الجهد الدبلوماسي، وأبرزت تصدّي الجيش له؛ ونشرت فيديوهات مذيّلة بتعليقاتٍ عن رفع أعلام النظام السوري السابق والأعلام الإيرانية في لبنان، وعن إقدام عناصر من الحزب على حرق لافتة “لبنان أولاً”.
وحين نقلت رفض الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، استهلّت المذيعة الخبر بعبارة “كما هو متوقع” — وهي صياغةٌ تُموضع الرفض سلفاً في خانة المتوقَّع لا المعتبَر. هذه العناصر مجتمعةً ترسم محصّلةً تُظهر الحزب وامتداده الإيراني طرفاً معطِّلاً في مواجهة مسارٍ يُقدَّم بوصفه فرصةً للدولة اللبنانية. ويجدر التنويه، توخّياً للدقة، أنّ القناة لم تُسقط كلياً ما يناقض هذا الخط، إذ نقلت مشاهد الدمار وصوت الرفض، وإن جاءا في موقعٍ ثانويٍّ ضمن التغطية.
التلفزيون العربي
أمّا التلفزيون العربي فميّز تغطيته حضورُ برنامجه الحواري “حوارات العربي” الذي يبث من لبنان، الذي أنتج قرابة عشرة منشورات تحليلية تناولت أبعاد الاتفاق واستضافت آراء متباينة وطرحت أسئلة معمّقة حول طبيعته وتداعياته. وعلى صعيد الرواية الإسرائيلية، نقلت القناة تصريحاتٍ وصفت الاتفاق بأنه إنجاز أمني كبير وضربة لإيران، وأبرزت موقفي نتنياهو وكاتس من بقاء الوجود الإسرائيلي في مناطق من الجنوب، في مقابل نقلها اعتراض بن غفير على الاتفاق. كما عكست حالة الانقسام في الرأي اللبناني عقب الإعلان.
الجزيرة
واستندت الجزيرة في جزءٍ من تغطيتها إلى برنامجها الحواري “نقاش الساعة”، الذي أتاح مساحةً لآراء ناقدة إلى جانب غيرها؛ فنشرت منشوراتٍ تصدّرتها أصواتٌ معترضة، منها وصفٌ بأنّ نتنياهو يريد الجيش اللبناني تحت إمرته، وآخر وصف الاتفاق بأنه “اتفاق ساقط”. ونقلت القناة تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بكثافةٍ أعلى من العربية والعربي، بما فيها وصفهم الاتفاق إنجازاً سياسياً وأمنياً، لكنها أبرزت في الوقت ذاته الخلاف بين نتنياهو وبن غفير. وتابعت الملف من زوايا متعددة شملت رفض نعيم قاسم في عدة منشورات، وانتقاد وليد جنبلاط، وموقف الجماعة الإسلامية في لبنان، وتقارير عن خروقات إسرائيلية لوقف إطلاق النار في الجنوب، فضلاً عن المساعي الفرنسية والإيطالية لتشكيل تحالف بديل عن اليونيفيل.
خلاصةً، يكشف الرصد أنّ التشابه في كثافة النشر يخفي خلافاً حقيقياً في الإطار. مالت العربية إلى إبراز الأصوات المؤيدة وتصوير حزب الله وحليفه الإيراني طرفاً معطِّلاً أمام مسارٍ دبلوماسيٍّ تقدّمه فرصةً للدولة، فيما اتجه التلفزيون العربي والجزيرة إلى زوايا أفسحت للنقد أو الرفض، مع مساحةٍ تحليلية أوضح على الشاشة والمنصات. وحتى في نقل التصريحات الإسرائيلية افترق المسار: شدّدت العربية على البُعد الدبلوماسي/الإنجاز، بينما أبرز العربي والجزيرة الانقسام الإسرائيلي الداخلي وتوصيف الاتفاق إنجازاً أمنياً وسياسياً لإسرائيل. ويبقى هذا الاستنتاج محكوماً بحدود المنصة الواحدة والنافذة الزمنية القصيرة، وهو ما يستدعي تثليثه لاحقاً بالشاشة والموقع لتأكيد ثباته.

