خلصت منظمة العفو الدولية، في تقرير موسّع صدر يوم الأربعاء 1 يوليو 2026، إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وتطهيراً عرقياً خلال حملتها للسيطرة على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور في السودان. وبينما يرسم التقرير صورة شاملة لحرب وصفتها الأمينة العامة للمنظمة أنييس كالامار بأنها “حرب على المدنيين”، فإن قراءته من زاوية إعلامية تكشف فصلاً موازياً لا يقل قتامة: مدينة أُسكتت أصواتها الصحفية واحداً تلو الآخر، قتلاً واعتقالاً وإخفاءً قسرياً، حتى صارت التغطية من داخلها شبه مستحيلة.
التقرير، الصادر بعنوان “مدينة تحت الحصار، أطفال تحت النار: جرائم قوات الدعم السريع ضد الإنسانية في شمال دارفور”، وثّق كيف قُتل المدنيون في الفاشر ومحيطها وأُصيبوا وضُربوا وعُذّبوا واحتُجزوا بين مطلع 2024 وأكتوبر 2025، واستند إلى مقابلات مع 247 شخصاً بينهم 208 من الناجين والشهود، إلى جانب صور الأقمار الاصطناعية ومقاطع فيديو جرى التحقق منها. وعدّد التقرير جرائم شملت القتل والترحيل القسري والسجن والتعذيب والاغتصاب والاستعباد الجنسي والإبادة والاضطهاد، مؤكداً أن أدلته تسمح — من دون تحفظ — باستنتاج وقوع اضطهاد على أساس الهوية الإثنية، وأن المنظمة تواصل تحقيقاً موازياً في احتمال صلة هذه الأفعال بجريمة الإبادة الجماعية، وهو ما يتقاطع مع خلاصة بعثة تقصي الحقائق الأممية المستقلة التي رأت في فبراير 2026 أن هجوم أكتوبر على الفاشر حمل “سمات إبادة جماعية”.
وبحسب التقرير، فرضت قوات الدعم السريع حصاراً خانقاً على المدينة امتد من مايو 2024 حتى أكتوبر 2025، قيّدت خلاله دخول الغذاء والمساعدات الإنسانية وقصفت المدينة بشكل شبه يومي، حتى اضطر السكان إلى أكل “الأمباز”، وهو مخلفات عصر الفول السوداني المخصصة عادةً علفاً للحيوانات. وعندما شنّت القوات هجومها الأخير في 26 أكتوبر 2025، اصطدم المدنيون الفارّون بشبكة سواتر ترابية امتدت 57 كيلومتراً حول المدينة، حيث جرت مجازر أعدم فيها المئات، ووثّقت المنظمة 19 مقطع فيديو لمذبحة واحدة كبرى قرب الساتر الترابي، يظهر في 9 منها القيادي في الدعم السريع الفاتح عبد الله إدريس، المعروف بـ”أبو لولو”، وهو يعدم أسرى بملابس مدنية.
وسط هذا المشهد، دفعت الصحافة السودانية ثمناً باهظاً بشكل خاص. فقد أحصت منظمة مراسلون بلا حدود مقتل ما لا يقل عن 7 صحفيين خلال عامين ونصف من القتال الذي أفضى إلى اقتحام الفاشر، فيما لا يزال مصير صحفي آخر كان في المدينة أثناء المجازر مجهولاً، ويُرجّح أنه ضحية إخفاء قسري على يد قوات الدعم السريع. وترتفع الحصيلة على المستوى الوطني إلى ما لا يقل عن 15 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي قُتلوا في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وفق توثيق لجنة حماية الصحفيين، التي سجّلت أيضاً بقاء 7 صحفيين على الأقل في عداد المفقودين حتى منتصف أبريل 2026.
وفي مقدمة المحتجزين يبرز اسم معمّر إبراهيم، مراسل قناة الجزيرة مباشر الذي كان الصحفي الوحيد الذي يواصل نقل التقارير التلفزيونية من داخل المدينة المحاصرة، قبل أن تعتقله قوات الدعم السريع مساء 26 أكتوبر 2025 أثناء محاولته الخروج من الفاشر، بعد ساعات فقط من إعلانها السيطرة الكاملة على المدينة. وبثّت القوات نفسها مقاطع مصورة لاعتقاله، ثم برّر متحدثها الفاتح قرشي احتجازه بأنه وصف الدعم السريع في منشوراته بـ”المليشيا” و”الجنجويد”، معتبراً ذلك إخلالاً بالحياد. ونُقل معمّر لاحقاً إلى نيالا بجنوب دارفور، حيث حذّرت لجنة حماية الصحفيين في ديسمبر 2025 من تدهور خطير في حالته الصحية، مؤكدة أنه بات طريح الفراش وأن القوات ترفض نقله إلى المستشفى أو الإفراج عنه، فيما نفت أسرته شائعات متكررة عن وفاته داخل الاحتجاز.
إلى جانبه، تحتجز المليشيا المصور الصحفي المستقل إبراهيم جبريل أبكر، الذي فُقد أثره يوم سقوط المدينة قبل أن يظهر ضمن مجموعة من المحتجزين في تسجيل مصوّر تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما دفع نقابة الصحفيين السودانيين إلى تحميل الدعم السريع المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن سلامته والمطالبة بالكشف عن مصيره. كما وثّقت مراسلون بلا حدود شهادات صحفيَّين نجوا من الفاشر تعرّضا للتعذيب على يد عناصر المليشيا قبل فرارهما، في نمط تؤكده شهادات أخرى لصحفيين سودانيين احتُجزوا وعُذّبوا وسيموا صنوف الإهانة بتهمة “الانحياز للجيش” أو “فضح معاناة سكان الفاشر”. ولم يسلم حتى من بقي في بيته: ففي ديسمبر 2025 أعدم مقاتلو الدعم السريع تاج السر أحمد سليمان، مدير مكتب وكالة السودان للأنباء (سونا) في الفاشر، مع شقيقه داخل منزلهما، بحسب لجنة حماية الصحفيين.
وقالت أنييس كالامار إن العالم كان قد حُذّر مسبقاً من الأهوال التي واجهها مدنيو الفاشر تحت الحصار، معتبرة ما جرى “وصمة عار في ضمير الإنسانية”، وداعية إلى وقف فوري لإطلاق النار على مستوى البلاد ونشر قوة دولية مستقلة وممولة بشكل كافٍ لحماية المدنيين من جرائم جميع أطراف النزاع. وطالبت المنظمة كذلك بوقف نقل الأسلحة إلى طرفي الحرب، وبأن يوسّع مجلس الأمن حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل السودان كله، مشيرة إلى أنها وجهت في 10 يونيو 2026 رسالة إلى قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) تعرض فيها نتائج تحقيقها، من دون أن تتلقى أي رد حتى لحظة النشر.
وبين سطور التقرير الحقوقي، تتبدى حقيقة مهنية موجعة: الجرائم التي وثّقتها منظمة العفو الدولية بشق الأنفس عبر مقابلات الناجين في مخيمات النزوح كانت الصحافة المحلية أول من حاول نقلها إلى العالم لحظة وقوعها، فدفع أصحابها حياتهم وحريتهم ثمناً لذلك. واليوم، وبعد أكثر من 8 أشهر على سقوط الفاشر، يبقى معمّر إبراهيم وإبراهيم جبريل أبكر وزملاؤهما المفقودون شهوداً محتجزين على جريمة يحاول العالم الآن إعادة تركيب تفاصيلها من الخارج، بعدما أُطفئت أصوات من كانوا يروونها من الداخل.

