تقرير لمعهد رويترز: الصحفيون يحملون قصص الآخرين ويواجهون أوجاعهم وحدهم

معهد رويترز: الصحفيون يحملون قصص الآخرين ويواجهون أوجاعهم وحدهم

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

لم يعد مشهد شواء السمك عاديًا بالنسبة إلى الصحفي يوسف فارس في شمال غزة. كانت الرائحة تعيده إلى ما شهده بعد قصف مدرسة “التابعين”، وفق شهادة نشرها تحقيق لـ”أريج” في سبتمبر 2024. تنتهي التغطية وتصل المادة إلى الجمهور، لكن بعض تفاصيلها يبقى مع الصحفي، يتسلل إلى يومه ومحاولاته للنوم.

هذا الأثر الممتد للعمل الصحفي هو محور تقرير نشره معهد رويترز لدراسة الصحافة في 25 سبتمبر 2026، جمع فيه الصحفي موريس أونيانغو شهادات من كينيا وأوغندا ونيجيريا وزيمبابوي، عن المعاناة النفسية داخل المهنة، وما ينتظره الصحفيون من مؤسساتهم حين يعجزون عن احتمال المزيد.

وتكشف المقابلات ضغوطًا تتجاوز مشاهدة الموت والعنف، لتشمل خسارة الوظائف والعزلة المهنية والخوف من أن يتحول طلب العلاج أو الراحة إلى سبب للتشكيك في قدرة الصحفي على العمل.

صور لا تغادر الشاشة

تعمل جاكلين مشاريا في تحقيقات المصادر المفتوحة بمجموعة “نيشن ميديا” الكينية، وتعيد مشاهدة المقاطع العنيفة، تبطئها وتفحصها بحثًا عن دليل، وتقول إن ما شاهدته يستمر في ذهنها حتى بعد إنجاز القصة وعندما تحاول النوم.

تجربتها تضع العاملين خلف الشاشات ضمن دائرة التعرض للأذى النفسي، فالمسافة عن الميدان لا تمنع أثر المشاهدة المتكررة، وتقول مشاريا إن مؤسستها بدأت تتيح أحيانًا جلسات دعم بعد التحقيقات الكبرى، لكن الرعاية تظل متفاوتة بين المؤسسات.

ويستشهد التقرير باستطلاع لمجلس الإعلام الكيني عام 2021، قال فيه 62% من المشاركين إنهم يعرفون زميلًا واجه مشكلات نفسية مرتبطة بالعمل، وهي نسبة تصف معرفتهم بتجارب زملائهم، ولا تقيس انتشار الاضطرابات بين جميع الصحفيين.

من يسمع المستقل؟

بالنسبة إلى ليندا موجورو، الصحفية الاستقصائية من زيمبابوي، أضاف فقدان الوظيفة بسبب تخفيضات التمويل عبئًا آخر. صارت تقدم مقترحاتها وتواجه الرفض، ثم تحمل وحدها ما تسمعه من أصحاب القصص.

تتذكر طفلة تعرضت للإساءة من أحد القائمين على رعايتها، تابعت أخبارها وسألت عن سلامتها، وبقيت تفكر في حدود دورها المهني ورغبتها في التدخل، لكن العمل المستقل لم يوفر لها زملاء أو مشرفين تتحدث معهم عما بقي عالقًا بعد النشر.

وحتى عندما أتاح عمل سابق استشارات نفسية، ترددت في استخدامها، خشية وصول حديثها إلى رؤسائها، ولأن المعالج لم يكن قريبًا من سياقها الثقافي.

وفي أوغندا، انتقلت روث أدونغ من تغطية الجريمة إلى الاقتصاد لتخفيف العبء العاطفي، وتقول إن صحفيين مرهقين يتجنبون الإجازات خوفًا من استبدالهم، وإن آخرين يترددون في طلب المساعدة حتى لا يُوصموا بعدم الاستقرار.

سؤال لغرف الأخبار العربية

تمنح هذه الشهادات غرف الأخبار العربية، خصوصًا التي تعتمد على مراسلين محليين ومستقلين في مناطق النزاع، مدخلًا لمراجعة مسؤوليتها بعد تسلّم المادة، وتجربة غزة تبيّن كيف يمكن أن يتداخل أثر التغطية مع معاناة الصحفي الشخصية، من دون افتراض تطابقها مع الحالات الأفريقية.

ويسجل تقرير معهد رويترز خطوات اتخذتها مؤسسات لتوسيع التأمين النفسي وإتاحة الدعم، لكن مطالب من قابلهم تذهب إلى الممارسة اليومية: سرية الرعاية، ووقت للتعافي، ومدير يسمع التعب دون اعتباره ضعفًا.

ويختصر الصحفي الأوغندي رونالد موسوكي ما يريده من رؤسائه بقوله: “تحدثوا معي كإنسان”، عبارة تعيد النقاش من قدرة الصحفي على مواصلة الإنتاج إلى الظروف التي يُطلب منه أن يواصل فيها.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي