حين يقرأ المواطن العربي خبرًا في صحيفة أمريكية عن بلده، يقفز إلى ذهنه سؤال الريبة: ما الذي تُدبِّره هذه الصحافة؟ لكن دراسة أكاديمية جديدة تقلب الصورة؛ إذ تكشف أن الأمريكيين أنفسهم فقدوا الثقة في صحافتهم أكثر من أي شعب غربي تقريبًا، وأن هذا الانهيار لم يصنعه الصحفيون بقدر ما صنعه الساسة.
أطروحة دكتوراه تحلل 84 عامًا من خطابات الكونغرس
الدراسة أطروحة دكتوراه بعنوان «تقويض السلطة الرابعة»، أنجزها ديفيد بيفرز، وهو صحفي سابق عمل خمس سنوات محررًا في موقع «بوليتيكو» قبل أن ينتقل إلى جامعة هارفارد، حيث نالت أطروحته جائزة تشارلز سمنر. وقد عرض نتائجها في مقابلة مع موقع «نيمان لاب» المتخصص في شؤون الصحافة.
جمع بيفرز نحو 10.7 مليون خطاب أُلقيت على منصة الكونغرس بين عامَي 1939 و2023، واستخرج منها قرابة 559 ألف مقطع يذكر الإعلام، ثم صنَّف كل مقطع آليًا إلى إيجابي أو محايد أو سلبي تجاه الصحافة. وبمقارنة هذا المنحنى باستطلاعات مؤسسة «غالوب» لثقة الجمهور، وجد أن الخطَّين يكادان يتطابقان.
الجمهوريون في طليعة العداء للصحافة منذ التسعينيات
يقول بيفرز إن الحزبين الديمقراطي والجمهوري بدآ في مطلع السبعينيات يتحدثان عن الصحافة بنبرة أكثر سلبية، حتى منتصف التسعينيات حين افترق مساراهما: صار الديمقراطيون أكثر إيجابية، وبلغ الجمهوريون أعلى درجات العداء للصحافة منذ 1939.
وتحدد الدراسة نقطتَي تحول: الأولى في الستينيات مع ساسة الجنوب الديمقراطيين المدافعين عن الفصل العنصري، ومنهم جورج والاس الذي هاجم «إعلام النخبة الشمالية الليبرالية»؛ والثانية في مطلع التسعينيات مع صعود النائب الجمهوري نيوت غينغريتش وإذاعات راش ليمبو اليمينية. والخلاصة بحسب الباحث أن تراجع الثقة تبع هجوم الساسة لا سلوك الصحافة: «وهذا ليس مصادفة».
فقدان الثقة يدفع نحو أخبار أسوأ لا أقل
لكن فقدان الثقة، كما يوضح بيفرز، لا يدفع الناس إلى قراءة أخبار أقل، بل إلى أخبار أسوأ: مواقع حزبية متشددة وأخرى معروفة بترويج معلومات مضللة، وهو ميل أوضح لدى الجمهوريين. ويرى أن الثقة مسألة هوية أكثر منها تقييمًا للمحتوى، يلخِّصها في جملة: «أنا جمهوري، ورئيسي يقول لي ألا أثق، فلا أثق».
ثلاثة علاجات جُرِّبت ولم تنجح
جرَّب بيفرز ثلاثة علاجات مقترحة لاستعادة الثقة: زيادة شفافية الصحف، وتصحيح تصورات الجمهور الخاطئة عنها، وتوزيع أدلة للتمييز بين المواقع الجيدة والرديئة. وكانت خلاصته موجزة: «لا تنجح فعليًا». والحل الذي يميل إليه أبسط وأصعب معًا: أن يعرف الناس صحفيًا من لحم ودم في محيطهم، بعد أن قلَّصت سنوات التسريح أعداد الصحفيين وباعدت بينهم وبين جمهورهم.
مفارقة تخص القارئ العربي
هنا تكمن المفارقة التي تخص القارئ العربي؛ فريبته من الصحافة الأمريكية تقوم غالبًا على افتراض أنها ذراع لأجندة خارجية، بينما تقول الدراسة إن أزمة تلك الصحافة داخلية، وأن الثقة بها هُدمت بخطاب سياسي متعمد لا بمؤامرة.
وفي المنطقة العربية يرتبط ضعف الثقة بالإعلام عادةً بسبب ظاهر هو ملكية الدولة أو نفوذها، أي بخلل بنيوي مرئي، في حين تصف الدراسة صحافةً تُعدّ من الأكثر حرية في العالم نُزعت ثقة الناس بها بالكلمات وحدها. أما آلية «قائدي طلب مني ألا أثق» فمألوفة لكل من عاش في بيئة إعلام مستقطب. ويلفت أن الولايات المتحدة سجلت — بحسب بيفرز — ثاني أحدِّ تراجع في الثقة بالصحافة بين الدول منذ 1981، بعد المجر وحدها.
تحفظ الباحث: الإنترنت ليس التفسير الوحيد
ويُحيط الباحث نتائجه بتحفظ مهم؛ إذ يُقرّ بأن تجاربه المسحية محدودة وقد لا تلتقط الأثر كاملًا، لكن ثبات العلاقة بين خطاب النخبة وثقة الجمهور عبر ثمانية عقود يبقى في نظره أقوى من أن يُعزى إلى الإنترنت وحده.

