في حلقة من برنامج “نقطة حوار” على “بي بي سي عربي”، خُصّصت لقضية صحفيي منصة “متصدقش”، اجتمع على الهواء ضيوف تختلف مواقفهم: باحث يدافع عن رواية الدولة المصرية، وصحفيون ينتقدون ما جرى، وقبل انتهاء الحلقة، انسحب الباحث في شؤون الإسلام السياسي حسام الحداد، ثم أصدر في 9 أكتوبر 2026 بيانًا نشرته مواقع “الدستور” و”صدى البلد” و”يوليو”، قال فيه إن مقدمة البرنامج قاطعته ونقلت الكلمة إلى ضيف آخر، واصفًا ما حدث بـ”التحيز” و”التكميم”.
قد تبدو الواقعة خلافًا عابرًا على إدارة الحوار، لكنها تكشف ما هو أبعد، فالحلقة التي غادرها الحداد تنتمي إلى نوع من البرامج لم يعد المشاهد المصري يجده على شاشات بلده، وتضيق به الشاشات الخليجية حين يتعلق الأمر بالداخل المصري: صوت ينتقد سلوك السلطة، وآخر يدافع عنه، ومذيع يدير الخلاف بينهما.
والسؤال هنا: لماذا احتاجت قضية صحفيين مصريين معتقلين في مصر إلى استوديو في لندن وآخر في باريس كي تُناقش بأكثر من صوت؟
القضية التي لم تجد مناظرة في بلدها
بين 28 و29 سبتمبر 2026، اعتقلت قوات الأمن المصرية ستة صحفيين يمثلون كامل فريق تحرير منصة “متصدقش” المتخصصة في التحقق من المعلومات، وفي 1 أكتوبر، أقرت وزارة الداخلية بالاعتقالات، ووصفت المنصة بأنها صفحة “غير مرخصة وتُدار من الخارج”، وربطتها بـ”اللجان الإعلامية” لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما نفته المنصة في اليوم نفسه، مستشهدة بأرشيف تدقيقاتها التي فنّدت روايات صادرة عن جهات محسوبة على الجماعة.
وفي 7 أكتوبر، أعلنت النيابة العامة حبس الصحفيين الستة في القضية رقم 8083 لسنة 2026 حصر أمن الدولة العليا، بينما لاحظت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن البيان لم يحدد تقريرًا منشورًا واحدًا بوصفه كاذبًا، وقالت نقابة الصحفيين إن خمسة من المحتجزين متدربون، ووصفت المبادرة ما جرى بأنه سابقة تتمثل في اعتقال فريق تحرير كامل خلال 24 ساعة.
كانت قضية بهذا الحجم كفيلة، في مشهد إعلامي تعددي، بأن تشغل برامج الحوار أيامًا، لكن المعالجات التلفزيونية البارزة اتجهت إلى تقديم رواية الاتهام، ففي برنامج “الحكاية” على “إم بي سي مصر”، قال الصحفي المشطوب من نقابة الصحفيين عبد الرحيم علي، خلال مداخلة مع عمرو أديب، إنه يملك نحو 500 مكالمة مسجلة لمؤسس المنصة عبد الرحمن منصور، وأُذيعت أربع منها، ثم انتقل إلى قناة “المحور” ليذيع مزيدًا من التسريبات غير القانونية مع يوسف الحسيني، من دون الإفصاح عن مصدرها ولكنها تساند الرواية الأمنية.
ولم نرصد في هذه الحلقات ممثلًا عن المنصة أو محاميًا أو صوتًا حقوقيًا يرد على الهواء، وهو ما ينسجم مع بنية ملكية أخذت تتشكل منذ 2016، مع انتقال قنوات خاصة كبرى إلى “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية”، التي تصفها مصادر صحفية وحقوقية بأنها تابعة لأجهزة سيادية، في سياق وثقته مراسلون بلا حدود في تقريرها الصادر عام 2017 عن توسع سيطرة المخابرات على الإعلام.
ما رآه المشاهد في لندن: الناقد يتكلم، والمدافع يغادر
في “نقطة حوار”، اختلفت صيغة التناول، فبحسب رواية الحداد نفسه لـصحيفة “الدستور” المملوكة للشركة المتحدة أيضًا، ضمت الحلقة، إلى جانبه، الصحفي محمد الجارحي، وصحفيًا من “الأهرام” المملوكة للدولة، وكاتبة صحفية.
وبرزت في الحلقة مداخلة الكاتبة الصحفية ديانا الضبع، التي انتقدت سلوك السلطة في القضية، وتكمن أهمية مشاركتها في المساحة التي أُتيحت لها: صحفية مصرية عملت داخل واحدة من كبرى الشبكات الخاصة والحكومية تنتقد على الهواء أداء الأجهزة، في حضور مدافع عن الرواية الرسمية يستطيع بدوره عرض موقفه والرد عليها.
هذا المشهد أصبح بعيدًا عن المألوف على الشاشات المصرية، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة دلالة انسحاب الحداد، فالمقاطعة وتنظيم المداخلات من أدوات إدارة أي برنامج حواري متعدد الأطراف، ويُقاس الإنصاف بفرص عرض الحجج والرد عليها، لا بترك الوقت مفتوحًا لطرف واحد.
وتبرز المفارقة في أن الحداد استشهد، بحسب تصريحاته لـ”الدستور”، ببريطانيا مثالًا لدولة تتعامل بحزم مع أمنها القومي، بينما كان يتحدث على شاشة مؤسسة بريطانية تُلزمها إرشاداتها التحريرية بـ”الحياد الواجب” ومراعاة الآراء المتعارضة، وهنا يكشف الاعتراض عن الفجوة بين شاشة تُناقش فيها الرواية المؤيدة للسلطة وتُواجه بالأسئلة والردود، وشاشات يمر فيها الخطاب نفسه من دون مواجهة مماثلة.
وفي باريس: حلقتان في يوم واحد
لم تكن “بي بي سي” وحدها، ففي 8 أكتوبر خصصت “فرانس 24” بالعربية حلقتين للقضية، استضاف تامر عز الدين في برنامج “هوا مصر” لبنى درويش، مسؤولة المناصرة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التي يتابع محاموها التحقيقات، ومجدي شندي، رئيس تحرير صحيفة “المشهد”، في نقاش انطلق من سؤال مباشر عن احتمال استهداف الصحافة المستقلة.
وفي “منتدى الصحافة”، ناقش هشام يونس، الصحفي في “الأهرام” وعضو مجلس نقابة الصحفيين، القضية مع سارة القضاة من لجنة حماية الصحفيين وجوناثان داغر من مراسلون بلا حدود.
لم تضم الحلقة الثانية صوتًا يتبنى رواية وزارة الداخلية، فكانت أقرب إلى نقاش مهني منها إلى مناظرة بين موقفين متعارضين، لكنها أتاحت لعضو في مجلس نقابة مصرية أن يتحدث من داخل البلاد عن قضية صحفيين محتجزين على شاشة تلفزيونية، وهي مساحة لم توفرها المعالجات المحلية التي تناولت القضية.
الشاشة الخليجية: الخبر حاضر، والمساحة غائبة
لم يغب خبر الاعتقالات عن الإعلام الخليجي، فقد نشر موقع “الجزيرة نت” في 5 أكتوبر تقريرًا عن مثول أول المعتقلين أمام نيابة أمن الدولة، ونشرت صحيفة “الخليج” الإماراتية في 7 أكتوبر خبر حبس الستة، مقدمة إياهم بوصف “المتهمين”، ومعتمدة على ما أعلنته النيابة من “تفاصيل التحقيقات”.
لكن الفارق بين نقل الخبر وفتح مساحة للنقاش هو جوهر المسألة، ففي حدود ما تتيحه محركات البحث، لم نعثر على حلقة نقاش تلفزيونية مخصصة للقضية على “الجزيرة” أو “العربية” أو “سكاي نيوز عربية” أو “الشرق”، تجمع ناقدًا للسلطة المصرية ومدافعًا عنها.
ومن الاستثناءات التي برزت على شاشة التلفزيون العربي معالجة برنامج “جو شو”، الذي يقدمه الإعلامي المصري يوسف حسين، إذ تناول اعتقال الصحفيين في مصر بالسخرية من اتهامات الداخلية والتناول الإعلامي المصري مع الصحفيين الستة.
ولهذا التفاوت سياقه السياسي، فبعد المصالحة الخليجية في العُلا في يناير 2021 وعودة العلاقات بين القاهرة والدوحة، لم تعد تغطية الشأن الداخلي المصري تحتل المساحة التي عرفتها خلال سنوات الخلاف، وهي مساحة كانت “الجزيرة مباشر مصر” قد مثلت أحد أبرز وجوهها قبل تعليق بثها عام 2014.
وفي المقابل، كان رأس المال الخليجي حاضرًا في المنابر التي قدمت الرواية المؤيدة للإجراءات، فبرنامج “الحكاية”، الذي أُذيعت عبره تسريبات عبد الرحيم علي، يُبث على “إم بي سي مصر” التابعة لمجموعة “إم بي سي” السعودية، وتكشف هذه الخريطة تفاوتًا بين غياب المناظرة في سياق المصالحات السياسية، وحضور خطاب تأييد الإجراءات في سياق التحالف مع القاهرة.
مفارقة الحضور الضعيف والدور البارز
تواجه “بي بي سي عربي” و”فرانس 24″ بالعربية منافسة إخبارية تقودها شبكات خليجية أوسع تمويلًا وانتشارًا، ومع ذلك كشفت أزمة “متصدقش” عن وظيفة مهمة تؤديها الخدمتان: توفير مساحة يستطيع فيها الناقد للسلطة المصرية عرض موقفه، ويستطيع المدافع عنها الرد عليه.
وتوضح واقعة الانسحاب جانبًا من قيمة هذه المساحة، فقد اعترض الضيف على مقاطعته ونقل الكلمة إلى آخرين، في حلقة لم تكن فيها الرواية التي يدافع عنها بمنأى عن النقد، وبصرف النظر عن تقييم إدارة كل مداخلة، فإن وجود هذا الخلاف على الهواء يلفت إلى ما تفتقده الشاشات التي لا تجمع الطرفين أصلًا.
أصبح هذا النوع من الحوار نادرًا إلى حد أن الاعتراض على قواعده يعيد لفت الانتباه إلى غيابه، وحين تحتاج صحفية مصرية إلى شاشة تبث من الخارج كي تنتقد إجراءات سلطة بلدها، ويجد المدافع عن تلك الإجراءات نفسه على الشاشة ذاتها أمام من يخالفه، يتجاوز السؤال أداء المذيعة إلى واقع التلفزيون الذي لم يمنحهما هذه الفرصة داخل مصر.

