أظهرت دراسة نشرتها أكاديمية دويتشه فيله (DW Akademie) الألمانية المتخصصة في شؤون الإعلام أن عددًا من وسائل الإعلام العاملة في المنفى تواجه تحديات وجودية معقّدة، عقب انهيار الصحافة المستقلة في بلدانها تحت أنظمة سلطوية.
وتناولت الدراسة، على سبيل المثال، حالتي أفغانستان وميانمار، اللتين كانتا تُعدّان في فترات سابقة قصص نجاح نسبي في المشهد الإعلامي الإقليمي، قبل أن تشهدا تحولات سياسية حادة دفعت عشرات الصحفيين والمؤسسات الإعلامية إلى العمل من خارج البلاد.
ورغم أن الدراسة تركز على أفغانستان وميانمار، فإن التحديات التي ترصدها تنطبق إلى حدّ كبير على تجارب إعلام المنفى في بعض الدول العربية، مثل السودان والصومال، حيث أدّت الحروب والانقسامات وانهيار مؤسسات الدولة إلى خلق بيئات معادية للعمل الصحفي، دفعت العديد من الصحفيين إلى العمل من الخارج في ظروف متشابهة من حيث المخاطر، وشحّ الموارد، والاعتماد الكبير على الجمهور والمنصات الرقمية.
وتأتي هذه التحديات في سياق عالمي يتّسم بتصاعد القمع وتراجع التمويل الدولي، ما يجعل مسألة بقاء إعلام المنفى مستقلًا ومؤثرًا قضية ملحّة لا تخص بلدًا بعينه، بل نموذجًا إعلاميًا آخذًا في الاتساع.
تحدّي التمويل والسلامة الصحافية
تشير الدراسة، المبنية على مقابلات ونقاشات مع إعلاميين وخبراء، إلى أن التمويل يظل التهديد الأبرز أمام وسائل الإعلام في المنفى، في ظل تقليص الدعم الدولي. غير أن الأزمة لا تقتصر على الموارد المالية، إذ يواجه المحررون يوميًا قرارات مصيرية تتعلق بسلامة فرقهم، واستمرارية الإنتاج، والحفاظ على جمهور يعتمد على هذا المحتوى.
كما أظهرت نتائج الدراسة وجود معضلة دائمة تعيشها العديد من مؤسسات إعلام المنفى، تتمثل في الموازنة بين حماية الصحفيين وعائلاتهم داخل البلاد، وبين الحاجة إلى الظهور العلني ونشر المحتوى على نطاق واسع. وعلى الرغم من المخاطر العالية، يؤكد إعلاميون شملتهم الدراسة أنهم يختارون عدم الصمت، باعتباره خيارًا مهنيًا وأخلاقيًا غير ممكن.
وسلطت الأكاديمية الضوء على جانب غالبًا ما يُهمَل، وفق توصيفها، وهو العبء النفسي الذي يتحمله الصحفيون العاملون في المنفى. فغياب الدعم النفسي المؤسسي، والعمل في بيئات يسود فيها الخوف والعزلة، يفرضان ضغوطًا إضافية على غرف الأخبار. وتشير الدراسة إلى أن الحوار بين الأقران يشكّل أحد الحلول المحدودة المتاحة للتعامل مع هذه الصدمات.
الجمهور شريك في الاستمرارية
تؤكد الدراسة أن الجمهور لم يعد مجرد متلقٍ للمحتوى، بل بات عنصرًا فاعلًا في استمرارية إعلام المنفى. فالمتابعون يقدّمون معلومات وتعليقات، وأحيانًا يوفّرون مساحات أكثر أمانًا للصحفيين داخل البلاد. ومن هنا، يصبح التفاعل مع الجمهور شرطًا أساسيًا للبقاء، لا خيارًا إضافيًا.
المحتوى والاستقلال والمصداقية
توضح الدراسة أن الحفاظ على الاستقلال التحريري، حتى عندما يكون الجمهور ميّالًا سياسيًا، يشكّل أساس المصداقية. كما تشير إلى أن التركيز الحصري على التغطية السياسية لا يكفي لضمان الاستمرارية، وأن تنويع المحتوى ليشمل قصصًا إنسانية ومجتمعية يسهم في توسيع قاعدة الجمهور وبناء الثقة.
التكنولوجيا: شريان حياة وحاجز حماية
تلعب التكنولوجيا دورًا مزدوجًا في عمل إعلام المنفى؛ فهي من جهة تتيح النشر وحماية الهويات، ومن جهة أخرى تساعد على مواجهة الهجمات الرقمية. وفي المقابل، تبرز مشكلة النفوذ المتزايد لشركات التكنولوجيا الكبرى، التي تتحكم في التوزيع والعوائد، وتفرض سياسات غير مستقرة تضع هذه المؤسسات في موقع هش.
وخلصت دراسة DW Akademie إلى أن الاستمرارية تقوم على مزيج من الاستقلال التحريري، وبناء علاقة فاعلة مع الجمهور، واستخدام واعٍ للتكنولوجيا، إلى جانب التضامن المهني.

