على باب «صاحبة الجلالة»: أزمة الصحفيين المؤقتين في مصر.. عقد ونصف من العمل بلا اعتراف

على باب «صاحبة الجلالة»: أزمة الصحفيين المؤقتين في مصر.. عقد ونصف من العمل بلا اعتراف

في الصحف القومية المصرية — الأهرام والأخبار والجمهورية وشقيقاتها — يعمل مئات الصحفيين منذ سنوات طويلة تحت صفة واحدة: «مؤقت». يكتبون ويحررون ويغطون الأحداث ككل زملائهم، لكنهم بلا عقود دائمة ولا تأمينات ولا عضوية نقابية، وبعضهم أمضى على هذا الحال نحو 14 عاماً، بحسب نقيب الصحفيين خالد البلشي، الذي وصفهم أمام البرلمان بأنهم «نفوس معلّقة منذ 15 سنة؛ أشخاص يعملون ولم يتم تعيينهم». وبحسب الأرقام الرسمية التي قدّمها علاء ثابت، وكيل الهيئة الوطنية للصحافة، يبلغ عددهم 330 صحفياً و185 إدارياً و200 عامل، أي نحو 715 شخصاً.

جذر الأزمة: حلقة قانونية مغلقة

جذر الأزمة حلقة قانونية مغلقة. فقواعد العمل في المؤسسات الصحواعد العمل في المؤسسات الصحفية، كما شرح عماد حسين، وكيل لجنة الإعلام بمجلس النواب، تقوم على التعيين أولاً، ثم التأمين على الصحفي، ثم الالتحاق بنقابة الصحفيين. وهكذا يظل المؤقت خارج مظلة النقابة وما تتيحه من حماية وبدلات ورعاية صحية، لا لعيبٍ في ممارسته للمهنة، بل لأن مؤسسته لم تعيّنه.

والنتيجة جيل كامل — هو عملياً من يحمل عبء التحول الرقمي في مؤسسات تشيخ — يعمل في وضع هش وصفته منصات مستقلة، بينها «المنصة»، بأنه «قوائم انتظار على باب صاحبة الجلالة». وتعود جذور الملف إلى توقف التعيينات في المؤسسات القومية منذ ما بعد 2011، مع استمرار هذه المؤسسات في الاستعانة بصحفيين شباب دون تثبيت.

تقدم معلن وتجميد صامت

مسار الملف خلال العامين الأخيرين يكشف نمطاً متكرراً: تقدّم معلن ثم تجميد صامت. ففي أغسطس 2024 أعلنت الهيئة الوطنية للصحافة بدء إجراءات التعيين بعد بروتوكول وقّعته مع النقابة، وخضع المؤقتون لاختبارات خلال سبتمبر وأكتوبر 2024 عبر لجنة مشتركة.

ثم صدر خطاب رسمي من رئاسة مجلس الوزراء يتضمن الموافقة على تعيين دفعة أولى قوامها 80 صحفياً، على أن تتبعها دفعات شهرية. غير أن الإجراءات تعثّرت عند «الاعتمادات المالية»، وانتقل الملف إلى وزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، حيث استقر دون حسم، رغم إعلان رئيس الهيئة عبد الصادق الشوربجي عن خطة للتعيين ودراسة رُفعت إلى رئيس الوزراء بالأعداد المطلوبة.

وفي يونيو 2025 وقّع 80 مؤقتاً مذكرة لمجلس النقابة، وخاطب البلشي رئيس الوزراء مصطفى مدبولي والشوربجي لاستكمال الإجراءات — ثم مرّ عام كامل دون تعيين واحد.

ضغط برلماني وسؤال بلا إجابة

في 15 يونيو 2026 جاء أقوى ضغط تشريعي على الملف، حين ناقشت لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب طلب إحاطة للنائب حسني هريدي اختصر الأزمة في سؤال: «إمتى الناس هتتعين؟»، وانتهت اللجنة إلى التوصية بتعيين جميع المؤقتين خلال 3 أشهر كحد أقصى، أي قبل منتصف سبتمبر 2026.

والمفارقة التي جعلت الجلسة نموذجاً للتعطيل البيروقراطي أن أحداً لم يعترض: النقابة طالبت بالتعيين الفوري، والهيئة قالت على لسان وكيلها إنها «لا تمانع وترحب» و«تستطيع تحمّل الجزء المالي»، والنواب أيّدوا.

وعبّر النائب أحمد بلال البرلسي عن جوهر الحيرة: «إذا كانت النقابة ترحب، والهيئة توافق، والدعم المالي متوافر، فأين المشكلة؟»، فيما لمّحت رئيسة اللجنة ثريا البدوي إلى البعد الأعمق، حين اعتبرت أن حسم الملف «قد يفتح الباب أمام تعيين كافة المؤقتين في الدولة» — إشارة تكشف خشية حكومية من تحول تعيين صحفيي المؤسسات القومية إلى سابقة تمتد لقطاعات أخرى.

زيادة مؤقتة لا تحسم جوهر الأزمة

ومع مطلع يوليو 2026 جاءت أول استجابة عملية — وإن جزئية. فبعد إعلان الشوربجي في 4 يوليو زيادة أجور العاملين بالمؤسسات القومية 1000 جنيه شهرياً من راتب يوليو، وجّه في 5 يوليو رؤساء مجالس الإدارات بزيادة مكافأة المؤقتين — صحفيين وإداريين وعمالاً — بمبلغ 500 جنيه تُصرف مع مكافأة الشهر نفسه.

غير أن الزيادة، بقدر ما تخفف الضغط المعيشي، تكرّس المفارقة ذاتها: فالمؤقت يتقاضى «مكافأة» لا «راتباً»، ونصف ما حصل عليه المعيّنون، دون أن يقترب قرار التعيين — جوهر الأزمة — من الصدور. ولا توجد حتى اليوم معلومات مؤكدة عن بدء تعيين الدفعة الأولى، ما يُبقي المهلة البرلمانية الاختبارَ الحقيقي التالي.

يبقى الملف، في جوهره، اختباراً لمصداقية خطاب «تطوير الإعلام القومي» الذي ترفعه الدولة: فكيف تُطالَب مؤسسات بالتجدد والمنافسة بينما جيلها الأصغر يعمل بلا عقد ولا حماية؟ الشهور المقبلة ستجيب عمّا إذا كانت توصية البرلمان وزيادات يوليو بداية نهاية الأزمة، أم مسكّناً جديداً في انتظار طال 15 عاماً.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي