من الأرشيف إلى النشر: كيف تعاملت المؤسسات الإعلامية مع ملفات إبستين؟

معهد رويترز

Author

نشر معهد رويترز لدراسة الصحافة تقريرًا يسلّط الضوء على كيفية تعامل المؤسسات الإعلامية العالمية مع ملفات رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين، بعد أن أزالت وزارة العدل الأمريكية السرية عن أكثر من 3.5 مليون وثيقة، إلى جانب 180 ألف صورة و2000 مقطع فيديو.

ويُعد هذا الإفراج عن الوثائق واحدًا من أكبر عمليات نشر الوثائق المرتبطة بقضية جنائية، إذ أتاح للصحافيين الوصول إلى سجل واسع من الرسائل والمراسلات والمواد البصرية المرتبطة بشبكة علاقات إبستين.

كما أتاح هذا الكم من الوثائق للصحافيين فرصة تتبّع العلاقات وشبكات التواصل بين إبستين وشخصيات بارزة في السياسة والاقتصاد والأوساط الأكاديمية والعائلة المالكة، وفق تقرير معهد رويترز.

ويشير الأرشيف في السياق الصحافي إلى مجموعة منظّمة من الوثائق والمواد التي يمكن الرجوع إليها لاستخراج معلومات جديدة أو إعادة بناء أحداث سابقة.

ومنذ نشر هذه الملفات، تمكّنت وسائل إعلام من الكشف عن روابط بين إبستين وشخصيات معروفة، من بينهم بيتر ماندلسون ونعوم تشومسكي وستيف بانون، إلى جانب شخصيات أخرى، غير أن المؤسسات الصحافية تؤكد أن الجزء الأكبر من محتوى الوثائق لم يُكشف بعد، وأن العمل لا يزال مستمرًا لاستخراج معلومات جديدة من هذا السجل الضخم.

بناء قواعد بيانات خاصة لتسهيل التحقيق

رغم أن وزارة العدل الأمريكية أتاحت الوثائق عبر بوابة إلكترونية عامة قابلة للبحث، فإن العديد من المؤسسات الإعلامية وجدت أن أدوات البحث المتاحة غير كافية للتحقيقات المعمّقة، وصعبة الاستخدام ولا تلبي احتياجات التحقيق الصحافي.

ولهذا، قامت غرف الأخبار بتحميل الوثائق إلى قواعد بيانات داخلية، وهي أنظمة رقمية تسمح بتخزين المعلومات وتنظيمها بطريقة تتيح البحث السريع والدقيق داخل ملايين الملفات.

وفي هذا السياق، قامت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) باستخراج الوثائق المنشورة وبناء نظام بحث خاص بها يعتمد على إدخال كلمات مفتاحية محددة. كما طوّرت مؤسسات إعلامية أخرى أدوات بحث داخلية متقدمة، تتيح تصنيف الوثائق والبحث فيها بشكل أكثر دقة.

وتُستخدم الكلمات المفتاحية في العمل الصحافي للعثور على معلومات مرتبطة بأسماء أو أحداث أو مصطلحات معينة داخل الوثائق، كما يعمل الصحافيون على اختيار كلمات محددة تساعد في تضييق نطاق البحث والوصول إلى نتائج أكثر دقة.

الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة في التحقيق

استخدمت مؤسسات إعلامية، مثل New York Times وMiami Herald وGuardian، أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الوثائق وتنظيمها.

ومن بين الأدوات المستخدمة منصات مثل Google Pinpoint، التي تتيح التعرف على النصوص داخل الصور وتحويلها إلى نصوص قابلة للبحث، إضافة إلى أدوات قانونية مثل Everlaw لمراجعة الوثائق، وأنظمة داخلية مثل Giant التي تساعد الصحافيين على تصنيف الملفات وتنظيمها.

كما استخدمت المؤسسات الإعلامية تقنيات بحث متقدمة، مثل البحث الدلالي، الذي يسمح بالعثور على المعلومات بناءً على المعنى والسياق، وليس فقط الكلمات، إضافة إلى أنظمة تصنيف آلية تساعد في تنظيم الوثائق واستخراج الأسماء والمفاهيم المرتبطة بها.

ويساعد الذكاء الاصطناعي كذلك في استخراج النصوص من الصور ومقاطع الفيديو وتنظيم البيانات، ما يسهّل عملية تحليل ملايين الصفحات. ومع ذلك، أكد محررون أن هذه الأدوات تُستخدم لتسهيل الوصول إلى المعلومات وتنظيمها، بينما يبقى التحقق من المعلومات واتخاذ القرار بشأن نشرها مسؤولية الصحافيين.

كما أشار التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في العثور على معلومات أولية، لكنه يتطلب مراجعة بشرية للتأكد من دقة النتائج وتجنّب الأخطاء أو سوء تفسير المعلومات.

تنظيم التغطية داخل غرف التحرير

قبل نشر الوثائق، عمل الصحافيون على إعداد قوائم بأسماء شخصيات وموضوعات محددة للبحث عنها داخل الملفات، استنادًا إلى التحقيقات السابقة والمعرفة المتوفرة حول القضية.

كما قسّمت المؤسسات الإعلامية العمل بين فرق مختلفة، بحيث يتولى كل فريق متابعة مجال محدد، مثل السياسة أو الاقتصاد أو العائلة المالكة. وتُعرف هذه الطريقة في العمل الصحافي بتوزيع التغطية حسب الاختصاص، حيث يركز كل فريق على مجال محدد لضمان تنظيم العمل وتسريع عملية البحث.

على سبيل المثال، ركّز فريق الشؤون الملكية في BBC على متابعة الشخصيات المرتبطة بالعائلة المالكة، بينما تابع فريق السياسة الشخصيات السياسية، في حين ركّز فريق الاقتصاد على العلاقات المالية.

مشاركة الجمهور في البحث داخل الوثائق

أدى نشر الوثائق للعامة إلى تمكين أفراد من فحصها بأنفسهم، حيث تمكن بعضهم من العثور على معلومات وإرسالها إلى وسائل الإعلام.

وفي إحدى الحالات، تلقّت BBC معلومة من أحد المستمعين بعد فحص الوثائق، حيث ساعدت هذه المعلومة في تطوير تحقيق صحافي مرتبط بالأمير أندرو، الذي أوقف لاحقًا للاشتباه في إساءة استخدام منصبه، بعد ورود معلومات عن مشاركته وثائق مع إبستين.

كما ظهرت مشاريع رقمية مفتوحة تتيح للجمهور البحث في الوثائق بسهولة، إضافة إلى منصات رقمية ومجتمعات بحث عبر الإنترنت تتيح تبادل المعلومات ومراجعة الوثائق.

التحقق من المعلومات قبل النشر

أشار التقرير إلى أن نشر ملايين الوثائق ترافق مع انتشار معلومات غير دقيقة أو مضللة على الإنترنت، نتيجة سوء تفسير بعض الوثائق أو نشر محتوى غير موثوق.

ولهذا تعتمد المؤسسات الإعلامية على عملية التحقق، التي تشمل مراجعة الوثائق ومقارنتها مع مصادر أخرى، مثل سجلات السفر أو الوثائق الرسمية، للتأكد من صحة المعلومات قبل نشرها.

ويؤكد الصحافيون أن الذكاء الاصطناعي يساعد في تنظيم المعلومات، لكنه لا يحدد وحده أهمية الخبر أو دقته، إذ يتطلب نشر أي معلومة مراجعة صحافية دقيقة.

استمرار التحقيقات واستخراج معلومات جديدة

ورغم مرور فترة قصيرة على نشر الوثائق، لا تزال المؤسسات الإعلامية تعمل على تحليلها، نظرًا لحجمها الكبير وتعقيدها.

ويشير الصحافيون إلى أن التحقيق في هذه الوثائق يتطلب وقتًا طويلًا، إذ تحتاج كل معلومة إلى مراجعة وتحقق قبل نشرها، كما تتطلب بعض الوثائق تحقيقات إضافية لتأكيد صحتها.

ويؤكد تقرير معهد رويترز أن العمل في تحليل ملفات إبستين لا يزال مستمرًا، وأن هذا الأرشيف الضخم قد يؤدي إلى تقارير جديدة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار المؤسسات الإعلامية في فحص الوثائق باستخدام الأدوات التقنية والعمل الصحافي، مع الاعتماد على التحقق قبل نشر أي معلومات جديدة.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي