كشف تقرير صادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة أن عام 2025 مثّل نقطة تحوّل حاسمة في مسار الصحافة العالمية، إذ تزامنت فيه تحديات بنيوية عميقة مع تحوّلات متسارعة في أنماط الإنتاج والاستهلاك الإعلامي، مقابل بروز مؤشرات لافتة على التكيّف والابتكار داخل القطاع.
ومن التحديات التي واجهت الصحافة في عام 2025، وفق التقرير الذي ترجمه مرصد الإعلام العربي:
1) انصراف الجمهور عن الإعلام التقليدي
سجّل التقرير استمرار تراجع تفاعل الجمهور مع التلفزيون والصحف الورقية والمواقع الإخبارية، مقابل تصاعد الاعتماد على المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي بوصفها مصادر رئيسية للأخبار.
ويُظهر التقرير أن هذا التحوّل لم يعد ظرفيًا، بل بات اتجاهًا مستقرًا في عدد متزايد من المؤسسات الإعلامية.
2) الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل النظام الإخباري
أوضح التقرير أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبحت عنصرًا مؤثرًا في دورة إنتاج الأخبار، سواء عبر البحث المدعوم بإجابات مولّدة آليًا، أو من خلال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار.
ورغم تزايد الاستخدام، أظهر التقرير وجود قلق مهني واسع بشأن أثر هذه التقنيات على جودة الصحافة، ونماذج العمل، ومستقبل الثقة بالمحتوى الإخباري.
3) أزمة التمويل والاستدامة
أشار التقرير إلى أن تقليص التمويل الحكومي والدولي، إلى جانب تغيّرات سياسات المنصات الرقمية، ألحق أضرارًا مباشرة بغرف الأخبار، خصوصًا المستقلة منها.
وفي المقابل، برزت محاولات للبحث عن نماذج تمويل بديلة، من بينها إيرادات الجمهور والفعاليات.
4) تصاعد استهداف الصحفيين
وثّق التقرير استمرار استهداف الصحفيين في مناطق النزاع، مع الإشارة بشكل خاص إلى فلسطين، حيث قُتل واعتُدي على عشرات الصحفيين في غزة والضفة الغربية، إلى جانب مخاطر جسيمة واجهها الصحفيون في سياقات نزاع أخرى مثل السودان.
ومن ناحية أخرى، تحدّث المعهد عن تحوّلات داخل الممارسة الصحفية، ومنها:
1) صعود المنصات وصنّاع الأخبار
أظهر التقرير تزايد تأثير صنّاع الأخبار والمحتوى الإخباري على المنصات الرقمية، إلى جانب تفاوت جغرافي في إعادة تشكيل النظام الإخباري.
2) القيادة التحريرية وتمثيل النساء
كشف التقرير أن النساء لا يشكّلن سوى 27% من رؤساء التحرير عبر 240 علامة إعلامية شملها الرصد، مقارنة بـ 24% في عام 2024.
ورغم هذا الارتفاع الطفيف، أكد التقرير أن الرجال ما زالوا يشكّلون الغالبية الساحقة من القيادات التحريرية في جميع المؤسسات التي شملتها الدراسة.
3) تراجع متابعة أخبار المناخ
أشار التقرير إلى تراجع متابعة أخبار المناخ في عدد من الدول، مقابل استقرارها في دول أخرى، ويرتبط هذا التراجع بتقلّص استهلاك الأخبار عبر التلفزيون، وبانخفاض اهتمام الفئات العمرية الأكبر سنًا.
كيف يتحقق الجمهور من المعلومات؟
حدّد التقرير مصادر التحقق الأكثر شيوعًا لدى الجمهور عالميًا، وهي:
- وسائل إعلام موثوقة: 38% (لديها معايير تحريرية واضحة وتمتلك سمعة عامة بالموثوقية)
- مصادر رسمية: 35%
- محركات البحث: 33%
منصات التحقق من المعلومات: 25%
مؤشرات إيجابية
على الرغم من الصورة العامة القاتمة، رصد التقرير عددًا من المؤشرات الإيجابية، من أبرزها:
- توسّع الصحافة الاستقصائية التعاونية العابرة للحدود.
- تنامي وحدات التحقق من المعلومات داخل المؤسسات الإعلامية.
ازدياد القوانين التي تدعم الإعلام وتنظم عمله. - اعتماد الفعاليات بوصفها مسارًا متناميًا لإيرادات المؤسسات الإعلامية.
ويبيّن تقرير معهد رويترز أن الصحافة في عام 2025 واجهت اختبارًا مزدوجًا بين تراجع في الثقة والموارد، مقابل تحوّلات هيكلية عميقة في التكنولوجيا والمنصات.
وبينما لا تزال التحديات هي الغالبة، فإن مؤشرات التكيّف والابتكار تشير إلى أن مستقبل الصحافة سيتحدد بقدرتها على إعادة بناء علاقتها مع الجمهور، وتعزيز الاستقلالية، وتطوير نماذج مستدامة دون التفريط بالمعايير المهنية.

