من المنشور إلى المحكمة.. ثلاث سنوات من ملاحقة عرب 48 بسبب التعبير عن آرائهم

ثلاث_سنوات_من_ملاحقة_عرب_48_بسبب_التعبير_عن_آرائهم_موقع

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

في 16 أكتوبر 2023، قصدت المغنية والباحثة في علوم الدماغ مركز الشرطة في الناصرة بعدما تعرضت للتحريض والتهديد، بحسب محاميتها عبير بكر، لكن الشكوى التي جاءت لتقديمها أفسحت مكانها للتحقيق معها بسبب منشور نشره فريقها الإعلامي، جمع علم فلسطين وعبارة “لا غالب إلا الله“

أمضت أبو آمنة ليلتين في الحجز، ثم أُفرج عنها إلى الحبس المنزلي، بينما امتدت الحملة عليها إلى معهد التخنيون، حيث كانت تعمل، وطالب ناشط يميني بإبعادها ضمن من وصفهم بداعمي حماس، وفي فبراير 2024، أُغلق الملف دون تقديم لائحة اتهام، بحسب منظمة “بن أمريكا“

انتهى الملف، لكن الواقعة تكشف ما قد يسبق الوصول إلى المحكمة: حملة على المنصات، وشكاوى، وتوقيف، وقيود على الحركة، وضغط على جهة العمل، وكل ذلك قد يقع قبل أن تحسم النيابة ما إذا كانت ستقدم اتهامًا أصلًا

منذ 7 أكتوبر 2023، تكررت ملاحقة مواطنين فلسطينيين في إسرائيل بسبب منشورات وتعليقات ومشاركات، وامتدت تبعاتها إلى الجامعات وأماكن العمل، وتوثّق المصادر الحقوقية والرسمية اتساع هذه الملاحقات، لكنها لا تثبت أن “كل تغريدة” تخضع للمراقبة، ولا تتيح حصيلة مكتملة لمن انتهت قضاياهم بالسجن من فلسطينيي الداخل تحديدًا

ما تقوله الأرقام وما تخفيه

حصل مركز “عدالة“، عبر طلبات حرية المعلومات، على بيانات تفيد باعتقال 401 شخص بشبهة مخالفات مرتبطة بالتعبير بين 7 أكتوبر 2023 و27 مارس 2024، ثم 244 آخرين حتى 26 أبريل 2025، ليبلغ المجموع 645 شخصًا على الأقل بموجب قانون مكافحة الإرهاب، فيما وصل عدد لوائح الاتهام في هذه المخالفات إلى 205 حتى نهاية أكتوبر 2024

وتضمّن رد الشرطة قائمة بـ1052 مشتبهًا، بينهم 948 فلسطينيًا و40 يهوديًا و64 لم تُحدد قوميتهم، غير أن هذه الحصيلة لا تخص عرب 48 وحدهم، إذ جمع الرد المواطنين الفلسطينيين وسكان القدس الشرقية في فئة واحدة ضمّت 886 شخصًا

ويظهر هذا التداخل أيضًا في البيانات البرلمانية، فوثيقة مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست، المؤرخة في 17 ديسمبر 2024، تسجل فتح 301 ملف تحريض على الإرهاب خلال عام 2023 ضد 408 مشتبهين، وتقديم 160 لائحة اتهام ضد 168 متهمًا، وفي عام 2024، حتى 28 نوفمبر، فُتح 238 ملفًا ضد 288 مشتبهًا، وقُدمت 62 لائحة ضد 68 متهمًا

لم تبدأ النيابة تسجيل قومية المشتبهين إلا أواخر 2023، ومن بين 252 مشتبهًا عُرفت قوميتهم في بيانات 2024، كان 92% عربًا، أما المتهمون الـ68 الذين قُدمت ضدهم لوائح في ذلك العام، فكان بينهم 42 عربيًا و26 مجهولي القومية، ولم تسجل البيانات أي متهم يهودي ضمن هذه المجموعة

وتشير الوثيقة البرلمانية إلى انتهاء الإجراءات ضد 26 متهمًا في 2023 و98 في 2024، مع تبرئة ثلاثة وإدانة الباقين، لكنها تنبّه إلى أن الإدانة قد تتعلق بتهمة تختلف عن التهمة الأصلية، كما أن هذه البيانات لا تفصل المواطنين الفلسطينيين عن سكان القدس، ولا تمثل بالضرورة مآلات الملفات المفتوحة خلال الفترة نفسها

أما اتساع الملاحقات، فتظهره مقارنة نقلتها وكالة “أسوشيتد برس” عن سجلات “عدالة“: قضايا التحريض ضد المواطنين الفلسطينيين خلال الحرب تجاوزت ما فُتح في السنوات الخمس السابقة مجتمعة

كيف يصل المنشور إلى الشرطة؟

في الأيام الأولى للحرب، أعلن المفوض العام للشرطة يعقوب شبتاي سياسة “عدم التسامح” مع التحريض، ثم جاء تغيير إجرائي وسّع قدرة الشرطة على فتح التحقيقات

في 19 أكتوبر 2023، أبلغ مكتب نائب المدعي العام للدولة للمهام الخاصة لجنة الدستور في الكنيست بالسماح للشرطة بفتح تحقيقات، دون موافقته المسبقة، في حالات “التأييد الصريح” لحماس، وكانت هذه الموافقة مطلوبة أصلًا لحساسية القضايا المتعلقة بحرية التعبير

وبحسب الوثيقة البرلمانية، استخدمت الشرطة هذا التفويض لفتح 105 تحقيقات، فيما تلقى المكتب 611 طلبًا لفتح تحقيق منذ 7 أكتوبر، ورفض 292 منها، وهو ما يكشف أهمية المراجعة السابقة للتحقيق في استبعاد طلبات لا تستوفي شروطه

لكن وصول المنشور إلى المحقق لا يبدأ دائمًا برصد الشرطة، فقد تسبقه شكوى من مستخدم آخر، أو حملة تستهدف صاحبه، أو بلاغ من المؤسسة التي يدرس أو يعمل فيها

في الجامعات، وثّق “عدالة” شكاوى ضد طلاب عرب بتشجيع من اتحاد الطلاب في إسرائيل، وحالات أبلغت فيها مؤسسات أكاديمية الشرطة عن طلابها، أعقبتها اعتقالات

ولم تقتصر القضايا على المنشورات العامة، إذ تحدثت المحامية في المركز ميسانا موراني عن اتهام مواطنين بسبب صورة ساخرة لدبابة إسرائيلية أُسرت في غزة، جرت مشاركتها داخل مجموعة خاصة على “واتساب“، دون أن توضح المصادر المنشورة كيف وصلت الرسائل إلى السلطات

لا تثبت هذه الحالات وجود نظام يمسح كل حساب عربي، لكنها توضح تعدد الجهات التي قد تنقل المحتوى من شاشة الهاتف إلى ملف التحقيق، فالمنشور قد يصل عبر مستخدم أو مؤسسة، حتى إذا لم ترصده الشرطة مباشرة

وعلى مستوى مختلف، وثّقت “هيومن رايتس ووتش” في ديسمبر 2023 حذفًا وتقييدًا واسعين لمحتوى مؤيد لفلسطين على “فيسبوك” و“إنستغرام“، وهي إجراءات تخص سياسات المنصات وتطبيقها، ولا يجوز دمجها تلقائيًا مع الملاحقات الجنائية أو اعتبارها دليلًا على التنسيق مع السلطات

ما الذي استدعى الشكوى؟

يسرد تقرير “عدالة” عن الطلاب، الصادر في 7 سبتمبر 2026، أنواعًا متباينة من المحتوى الذي أثار الشكاوى: انتقاد الحكومة والجيش والحرب، والحديث عن الوضع الإنساني في غزة، وآيات قرآنية، ورموز للهوية الفلسطينية

وفي بعض الحالات، تعلقت الشكوى بإعجاب بمنشور، أو بعلم فلسطين وكلمة “فلسطين” على الحساب، أو بمشاركة خبر ودعاء لأهل غزة

لكن فهم هذه الملاحقات يقتضي فحص كل منشور في سياقه، فالمحتوى ليس واحدًا، والشكاوى لا تحمل الوزن نفسه، كما أن وصف السلطات للمنشور لا يحسم وحده طبيعته القانونية

توضح قضية الممثلة ميساء عبد الهادي هذا الخلاف، ففي 29 أكتوبر 2023، قُدمت ضدها لائحة اتهام بالتحريض على الإرهاب والتماهي مع منظمة إرهابية، استنادًا إلى منشورات تضمنت صورة المسنّة يافا أدار أثناء اختطافها إلى غزة مرفقة برموز ضاحكة، وصورة للسياج المخترق مع عبارة “لنفعلها على طريقة برلين“

اعتبرت وزارة العدل المنشورات تعبيرًا عن التعاطف مع الإرهاب وتأييده، لكن قاضي المحكمة المركزية عرفات طه، حين قرر الإفراج عنها إلى الحبس المنزلي، وصفها بأنها قاسية وقد تثير الغضب، مع إبداء الشك في بلوغها حد المخالفة القانونية

أمضت عبد الهادي عامًا في الإقامة الجبرية، واستمر منعها من استخدام وسائل التواصل حتى رفعت محكمة الصلح هذا القيد في أبريل 2026، رغم معارضة النيابة، وبحسب محاميتها، ظلت إجراءات إسقاط لائحة الاتهام مستمرة

وهنا يصبح الزمن جزءًا من أثر القضية، فقبل صدور حكم نهائي، تكون المتهمة قد أمضت عامًا مقيدة الحركة، وأكثر من عامين ممنوعة من المنصات

تستند هذه القضايا أساسًا إلى المادة 24 من قانون مكافحة الإرهاب لعام 2016، المتعلقة بالتحريض على الإرهاب وإبداء التماهي مع منظمة إرهابية، لكن السنوات التي أعقبت أكتوبر 2023 شهدت إضافة نصوص تتناول أشكالًا أخرى من التعبير والتعامل مع المحتوى

في 8 نوفمبر 2023، أقرّ الكنيست تعديلًا يجرّم “الاستهلاك المنهجي والمتواصل” لمنشورات حماس وتنظيم الدولة في ظروف تدل على التماهي، بعقوبة تصل إلى السجن سنة، وصدر النص أمرًا مؤقتًا لعامين، فيما يشير النص المحدّث للقانون إلى تمديده عامين إضافيين اعتبارًا من 27 نوفمبر 2025

وفي يناير 2025، أُقرّ قانون يجرّم إنكار أحداث 7 أكتوبر وفق الشروط الواردة فيه، بعقوبة تصل إلى خمس سنوات، وسبق ذلك قانون في نوفمبر 2024 يتيح فصل معلمين بسبب تعبير يُعدّ تماهيًا مع الإرهاب، استنادًا إلى معلومات من الشرطة أو جهاز الأمن العام، وقد طعن “عدالة” في هذا القانون

ولا يكمن الخلاف في النصوص وحدها، بل في المعايير التي تطبقها المحاكم عند الفصل بين التعبير السياسي والتحريض، وفي مقدار الصلة المطلوب إثباتها بين الكلام واحتمال وقوع العنف، ومن هنا جاء الاعتراض على مشروع تعديل يسعى إلى خفض معيار “الإمكانية الحقيقية” إلى “الإمكانية المعقولة” في المواضع التي ينطبق عليها هذا الاختبار

مع ذلك، لا يسير كل ملف إلى النتيجة نفسها، فالاعتقال قد ينتهي بإغلاق القضية، وتقديم لائحة اتهام لا يعني الإدانة، والإدانة لا تعني بالضرورة السجن الفعلي، وهي فروق ضرورية لفهم ما يحدث دون التقليل من أثر الإجراءات التي تسبق الحكم

حين تسبق كلفة القضية عقوبتها

توضح قضية المحامي أحمد خليفة والناشط محمد طاهر جبارين حجم هذه الكلفة، وإن كانت تتعلق بهتافات في وقفة احتجاجية، لا بمنشورات رقمية

اعتُقل الاثنان على خلفية وقفة ضد الحرب في أم الفحم يوم 19 أكتوبر 2023، وفي 29 أبريل 2026، أدانتهما محكمة الصلح في حيفا بالتحريض غير المباشر على الإرهاب والتماهي مع منظمة إرهابية، وبرأتهما من التحريض المباشر

وفي يونيو 2026، اكتفت المحكمة بمدة احتجازهما، أربعة أشهر لخليفة وثمانية لجبارين، مع غرامة قدرها 5000 شيكل لكل منهما وستة أشهر مع وقف التنفيذ، وكانت المحكمة قد أشارت إلى أن احتجاز جبارين ربما تجاوز العقوبة المتوقعة

وتكشف قضايا أقدم، صدرت أحكامها خلال هذه الفترة، طول المسافة بين المنشور والحكم

أُدين رجا إغبارية، القيادي في حركة “أبناء البلد“، في نوفمبر 2025 بسبب عشرة منشورات على “فيسبوك” تعود إلى عامي 2017 و2018، وبعدما طلبت النيابة سجنه بين 16 و40 شهرًا، حكمت عليه المحكمة في سبتمبر 2026 بتسعة أشهر من الخدمة للجمهور

لكن قبل هذا الحكم بسنوات، كان إغبارية قد أمضى 40 يومًا في الاحتجاز، ثم سنة وتسعة أشهر في الحبس المنزلي

لا تُحتسب هذه الوقائع القديمة ضمن الملاحقات الناشئة عن منشورات ما بعد 7 أكتوبر، لكنها تكشف أن النمط سبق الحرب، وأن القضية قد تبقى مفتوحة سنوات، بينما يتحمل المتهم قيودها قبل الوصول إلى العقوبة النهائية

الجامعة والعمل ساحتان للعقاب

لا تحتاج بعض تبعات التعبير إلى لائحة اتهام أصلًا، فقد تلقى “عدالة“، بحسب تقريره عن الجامعات، 132 طلب مساعدة من طلاب في نحو 40 مؤسسة أكاديمية، وكانت الطالبات يشكلن 76.5% من أصحاب الطلبات، وفي أكثر من 80 حالة، أوقفت المؤسسة الطالب قبل عقد جلسة استماع

وفي 20 حالة، تراوحت العقوبات بين الفصل النهائي والإيقاف لفترات من سنة إلى خمس سنوات، قبل أن تنجح طعون في إلغاء بعض الإدانات التأديبية أو تخفيف العقوبات

وردّت جامعة حيفا بأن إجراءاتها جرت وفق اللوائح التأديبية، وأن الطلاب مثّلهم محامون

وفي أماكن العمل، أفاد المركز عام 2024 بأن أكثر من 90 مواطنًا فُصلوا أو أوقفوا بسبب منشورات أو تعبيرات أخرى، في قطاعات شملت المستشفيات والتقنية والتجزئة

أما ميساء عبد الهادي، فقطع وكيل أعمالها علاقته بها، وأزالت شركة “هوت” أعمالها من خدمة الفيديو حسب الطلب قبل صدور إدانة

تجري هذه الإجراءات في مسارات منفصلة عن القضاء الجنائي، ولذلك لا يكفي إغلاق ملف التحقيق، في حد ذاته، لإعادة وظيفة أو إزالة آثار حملة تشهير، كما لا يجوز افتراض أن كل عقوبة مهنية تبقى قائمة بعد انتهاء القضية دون متابعة نتيجتها

ما لا يُكتب

في استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية بين 27 نوفمبر و4 ديسمبر 2023، وشمل 538 مواطنًا عربيًا، قال 46.7% إنهم لا يشعرون بأي ارتياح للتعبير بحرية على وسائل التواصل منذ بدء الحرب، وقال 24.5% إنهم لا يشعرون بارتياح كبير، لتصل النسبة مجتمعة إلى 71.2%

وقدمت دراسة نُشرت في سبتمبر 2026 مؤشرًا آخر، إذ أفاد 70% من المشاركين بتغيير سلوكهم على المنصات وتجنب مشاركة محتوى خوفًا من الاعتقال والتبعات القانونية، لكن الدراسة اعتمدت عينة غير تمثيلية من 150 مشاركًا، فلا تصلح نتائجها للتعميم على فلسطينيي الداخل جميعًا

تساعد هذه النتائج على فهم أثر يتجاوز عدد الملفات، فالملاحقة لا تمس من استُدعي للتحقيق وحده، وإنما تدخل أيضًا في حسابات من يفكر في نشر رأي أو مشاركة صورة، وإن كان قياس هذا الأثر على المجتمع كله يحتاج إلى بيانات أوسع

وللصحافة نصيب من هذه القيود، فبعض شروط الإفراج لا تمنع النشر على المنصات فحسب، بل تمتد إلى المقابلات، كما حدث مع إغبارية عام 2018، وحين يُحظر على أشخاص الكلام، ويتردد آخرون في التعبير، تتقلص فرص ظهور تجاربهم ومواقفهم في النقاش العام

لا تسمح الأدلة المتاحة بتحويل هذا الخوف إلى رقم عن الأصوات الغائبة في الانتخابات، أو الجزم بأثره على نتائجها، كما لا تثبت أن كل منشور يخضع للرصد

لكنها تثبت أن كلفة التعبير قد تبدأ قبل المحكمة، وتستمر حتى عندما لا تنتهي القضية بالسجن، كما حدث مع دلال أبو آمنة، التي قصدت الشرطة طلبًا للحماية، ثم احتاجت إلى الدفاع عن نفسها بسبب منشور

 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي