ثمة بشارة في «تقرير الأخبار الرقمية ٢٠٢٦» الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة قلّما تلتقطها غرف الأخبار العربية المثقلة بسردية التراجع، فالطلب على فيديو الأخبار لا ينحسر بل ينمو، والصورة التي يرسمها التقرير لا تعرض أزمة بقدر ما تعرض إعادة توزيع للجمهور بين منصة وأخرى، وحين نقرأ هذه الصورة إلى جانب أحدث بيانات مرصد الإعلام العربي لأداء القنوات العربية الخمس الكبرى — الجزيرة، والعربية، والتلفزيون العربي، والحدث، وسكاي نيوز عربية — تتحول الملاحظات العامة إلى وصفة عملية محددة لمن يريد أن ينمو على يوتيوب تحديداً، لا على المنصات جميعاً بالتساوي.
ما الذي يقوله تقرير رويترز عن يوتيوب؟
المفتاح الأول الذي يقدّمه التقرير أن المنصات الثلاث الكبرى للفيديو الإخباري — يوتيوب وإنستغرام وتيك توك — لا تتشابه في طبيعة جمهورها ولا في طريقة استهلاكه، والفارق بينها ليس فارق درجة بل فارق نوع، فيوتيوب وحده يُستخدم للأخبار بنسبة متقاربة عبر كل الفئات العمرية، إذ يقول نحو ثلث المستطلَعين في كل شريحة عمرية إنهم يشاهدون عليه فيديوهات الأخبار أسبوعياً، بينما يميل تيك توك وإنستغرام بحدة نحو الشباب، فأربعة من كل عشرة في فئة 18–24 عاماً يستخدمون تيك توك للأخبار مقابل 12% فقط ممن تجاوزوا الخامسة والخمسين، وهذا التوازن العمري يجعل يوتيوب المنصة الوحيدة التي لا تحصر القناة في جيل واحد.
أما المفتاح الثاني، وهو الأهم لصانع المحتوى، فهو طول الفيديو، إذ يكشف التقرير أن الشهية للمحتوى الطويل قائمة وحقيقية على يوتيوب، فنحو ربع مشاهدي الأخبار على المنصة (23%) يشاهدون أسبوعياً مقاطع تتجاوز عشرين دقيقة، وأكثر من الثلث (35%) يشاهدون مقاطع بين ست وعشرين دقيقة، وهي أرقام تنهار نظائرها على تيك توك، حيث يقول 55% إنهم يكتفون بمقاطع تحت الدقيقتين، وإنستغرام يسير على المنوال ذاته. والأهم من ذلك كله أن المفارقة التي تقلب الحدس السائد هي أن الجمهور الأصغر سناً لا الأكبر هو الأكثر إقبالاً على الطول، فأكثر من نصف فئة 18–24 عاماً (52%) يشاهدون مقاطع تتجاوز خمس دقائق، مقابل 41% فقط ممن تجاوزوا الخامسة والخمسين، أي أن فكرة أن الشباب لا يحتملون إلا الومضة القصيرة فكرة خاطئة على يوتيوب تحديداً.

ويضيف التقرير مفتاحاً ثالثاً لا يقل أهمية، وهو النيّة، فالجمهور يأتي إلى يوتيوب قاصداً الأخبار لا مصادفاً لها، إذ يقول 55% من مستهلكي الأخبار على المنصة إنهم يقصدونها عمداً للاطلاع، بينما تنقلب الصورة على تيك توك وإنستغرام، حيث يقول نحو 54% إنهم يصادفون الأخبار وهم هناك لأسباب أخرى. وهذا الفارق جوهري، فالمشاهد القاصد أكثر استعداداً للبقاء والتفاعل والاشتراك من المشاهد العابر الذي تقذف الخوارزمية إليه مقطعاً لم يطلبه، بل إن التقرير يذهب أبعد فيشير إلى أن يوتيوب صار يُنظر إليه أقرب إلى منافس لنتفليكس منه إلى منافس لفيسبوك، أي أنه تحوّل في وعي الجمهور إلى منصة بثّ يُجلس إليها عمداً لا تُتصفّح بين الأعمال.
كيف تترجم أرقام مرصد الإعلام العربي هذه القاعدة إلى واقع عربي؟
حين ننقل هذه المفاتيح إلى بيانات المرصد لشهر مايو، تتضح الصورة العربية بحدّة، فالملاحظة الأولى التي تطفو من الأرقام أن سقف المشتركين لا يحدد سقف المشاهدة، وأن القاعدة الكبيرة لا تعني بالضرورة حصاداً كبيراً، فالجزيرة تتصدّر منطقياً بـ23.3 مليون مشترك وتحصد 284 مليون مشاهدة شهرية، وهنا القاعدة والحصاد متسقان، غير أن المفاجأة الحقيقية يصنعها التلفزيون العربي، الذي يأتي ثالثاً في عدد المشتركين بـ10.9 مليون فقط، ومع ذلك يقفز إلى المركز الثاني في المشاهدات بـ176 مليوناً، متجاوزاً العربية التي تملك نحو ضعف مشتركيه — 19.2 مليون — ولا تحصد سوى 84 مليون مشاهدة، أي أقل من نصف ما يحققه منافس بنصف قاعدتها المسجّلة.

تتعمّق الدلالة حين ننتقل من المشاهدة إلى التفاعل، فالتلفزيون العربي لا يكتفي بالمركز الثاني في المشاهدة بل يتصدّر القنوات جميعاً في معدل التفاعل بـ3.4 مليون، متقدّماً حتى على الجزيرة، بينما تهبط العربية إلى 719 ألفاً، ويأتي الحدث بـ519 ألفاً وسكاي نيوز عربية بـ289 ألفاً. وهذا التطابق بين تصدّر المشاهدة وتصدّر التفاعل ليس مصادفة، بل هو بصمة المحتوى الذي يحتجز انتباه المشاهد بدل أن يمرّ أمامه، فالمشاهدة العميقة تولّد تعليقاً ومشاركة وإعجاباً، أما المرور السريع فلا يترك أثراً يُقاس، والقناة التي تقرأ هذه الأرقام بعناية تدرك أن التلفزيون العربي لا يفعل شيئاً سحرياً، بل يطبّق — قصداً أو عفواً — ما يصفه تقرير رويترز بدقة، فهو ينتج لجمهور يوتيوب ما يبحث عنه على يوتيوب.
والمقارنة الأذكى ليست بين القنوات بعضها ببعض على يوتيوب وحده، بل بين سلوك القنوات نفسها عبر المنصات، فالقنوات الخمس جميعها تحقق على تيك توك وإنستغرام وفيسبوك مشاهدات تُعدّ بمئات الملايين بل بالمليار أحياناً، غير أن هذه المشاهدات عابرة بطبعها، ثوانٍ في تدفق لا نهائي يصعب تحويله إلى ولاء أو إيراد مستقر، وهي مشاهدات يصادفها الجمهور لا يقصدها، بينما المشاهدة على يوتيوب أطول وأعمق وأقرب إلى البناء التراكمي للعلاقة، وهي المنصة الوحيدة التي يقول التقرير إن جمهورها ينتقل تدريجياً إلى شاشات التلفزيون الذكية، إذ يشاهد نحو 70% من الشباب بين 18 و24 عاماً الأخبار على تلفزيوناتهم الذكية عبر تطبيقات مثل يوتيوب، أي إلى المساحة ذاتها التي كانت يوماً حكراً على البثّ التقليدي، فالقناة التي تنمو على يوتيوب اليوم لا تكسب مشاهدات رقمية فحسب، بل تعيد دخول غرفة المعيشة من بوابة جديدة، وتسترد جزءاً مما خسره البثّ الخطّي.
الوصفة العملية: ستة مبادئ مستخلصة من التقرير والأرقام معاً
من تقاطع ما يقوله تقرير رويترز مع ما تكشفه أرقام المرصد، تتشكّل وصفة عملية لمن يريد أن ينمو على يوتيوب لا أن يكتفي بالحضور عليه.
١ — المحتوى الطويل ميزة لا عبء
ما دام أكثر من نصف الجمهور، وأغلبه من الشباب، مستعداً لمنح أكثر من خمس دقائق، فإن التقرير المعمّق والوثائقي والتحليل المطوّل والمقابلة الكاملة ليست ترفاً إنتاجياً، بل هي تحديداً ما تكافئه المنصة، والقناة التي تنقل إلى يوتيوب منطق النشرة القصيرة أو تكتفي بإعادة تدوير مقاطع البثّ تهدر أثمن ما يمنحه: استعداد الجمهور لبذل وقته.
٢ — يُصمَّم له المحتوى ولا تُلقى عليه فضلات المنصات الأخرى
الجمهور القاصد يميّز بين ما صُنع لأجله وما أُعيد تدويره، ولذلك تُبنى سلاسل ثابتة بمواعيد منتظمة وهوية بصرية وصوتية متماسكة، تماماً كما يُبنى برنامج تلفزيوني، لأن المشاهد الذي يقصد المنصة يبحث عن موعد ووجه يعرفه لا عن مقطع يتيم.
٣ — العنوان والصورة المصغّرة بوابتان لا تفصيلان
المشاهد القاصد يقرّر في ثوانٍ معدودة، والاستثمار في صياغة عنوان دقيق وصورة مصغّرة مقنعة ليس عملاً تسويقياً ثانوياً، بل جزء أصيل من الإنتاج.
٤ — يُقاس النجاح بالمشاهدة والتفاعل لا بعدد المشتركين
المشترك رقم نائم ما لم يحوّله المحتوى إلى مشاهد فاعل، وحالة العربية تقابل حالة التلفزيون العربي خير مثال، إذ تملك الأولى القاعدة الأضخم والحصاد الأضعف، بينما يحوّل الثاني قاعدة أصغر إلى أثر أكبر.
٥ — يُنتَج له بوصفه شاشة لا هاتفاً
ما دام جمهوره ينتقل إلى التلفزيون الذكي، فإن جودة الصورة والصوت والإخراج تكتسب وزناً مضاعفاً، لأن المقطع الذي يُحتمل أن يُشاهَد على شاشة كبيرة في غرفة المعيشة لا يُحتمل بالخفّة ذاتها التي يُحتمل بها مقطع عابر على هاتف.
٦ — تُوزَّع الأدوار على المنصات ولا يُنسَخ المحتوى ذاته
يُترك للومضة القصيرة موضعها على تيك توك وإنستغرام لاصطياد الانتباه، ويُخصَّص ليوتيوب العمق الذي يحوّل ذلك الانتباه إلى علاقة، فلكل منصة منطقها، ومن يخلط المنطقين يخسر على الجبهتين.

