قد لا يعني اسم ستيفن نولان الكثير للقارئ العربي، وهذه تحديداً أولى مفاجآت قائمة أجور “بي بي سي” الجديدة، فالمذيع الأعلى أجراً بين صحفيي المؤسسة البريطانية ليس وجهاً مألوفاً في نشراتها الدولية، ولا محاوراً سياسياً يعمل من مقرها في لندن، بل مقدّم برامج من بلفاست، يأتي معظم حضوره من أيرلندا الشمالية.
تُظهر بيانات العام المالي 2025/2026 أن 51 صحفياً في “بي بي سي” تجاوز دخل كل منهم 237 ألف دولار أمريكي، وهي العتبة التي تبدأ المؤسسة عندها إعلان أسماء نجومها وشرائح أجورهم، بينما وسّعت “برس جازيت” قائمتها إلى 62 اسماً بعد ضم مسؤولين وموظفين آخرين في قطاع الأخبار.
وللقارئ الذي يعمل في مؤسسة إعلامية عربية، من الأفضل التعامل مع الأرقام باعتبارها مادة للتحليل، لا اقتراحاً بمراجعة قسيمة الراتب.
لماذا تكشف “بي بي سي” أجور نجومها؟
لا تعتمد “بي بي سي” في تمويل خدماتها العامة على الإعلانات، بل تحصل على الجزء الأكبر من إيراداتها من رسم سنوي تدفعه الأسر التي تشاهد البث التلفزيوني المباشر أو تستخدم منصة “آي بلاير”.
ولأن هذا المال يأتي من الجمهور، تُلزَم المؤسسة بنشر أجور مقدمي البرامج الذين يتجاوز دخلهم حداً معيناً، لكنها لا تكشف رقماً دقيقاً لكل شخص، بل تضعه داخل شريحة تمتد عادةً على نحو 6650 دولاراً، ولذلك احتسبت “برس جازيت” الأجور عند الحد الأعلى لكل شريحة.
ومع ذلك، لا تقدم القائمة الصورة الكاملة، فهي تشمل فقط الأموال المدفوعة مباشرةً من رسم الرخصة، ولا تضم ما يحصل عليه بعض النجوم عبر الذراع التجارية “بي بي سي ستوديوز” أو شركات الإنتاج المستقلة، كما لا تشمل أجور الندوات والمؤتمرات والفعاليات الخارجية. بعبارة أخرى، إنها قائمة شفافة، ولكن بحدود.
ستيفن نولان.. من بلفاست إلى قمة الصحفيين
تراوح أجر ستيفن نولان بين 565 و572 ألف دولار، بزيادة تقارب 5 في المئة عن العام السابق، ليصبح الصحفي الأعلى أجراً في المؤسسة للمرة الأولى منذ عام 2022.
يقدّم نولان برنامجاً يومياً يحمل اسمه على “راديو أولستر”، وهي إذاعة “بي بي سي” الإقليمية في أيرلندا الشمالية، إلى جانب برنامج تلفزيوني على النسخة المحلية من “بي بي سي وان”، وبرنامج آخر على “راديو فايف لايف” الذي يبث الأخبار والرياضة إلى عموم بريطانيا.
إذن، وصفه بأنه “مذيع محلي” صحيح جزئياً فقط، لكنه يظل بعيداً عن صورة نجم الأخبار التقليدي الذي يظهر كل مساء من لندن، وربما لهذا بدت صدارته لافتة.
جاءت بعده لورا كوينسبرغ، المحررة السياسية السابقة للمؤسسة ومقدمة البرنامج الأسبوعي “الأحد مع لورا كوينسبرغ”، بأجر تراوح بين 539 و545 ألف دولار، وهما الصحفيان الوحيدان اللذان تجاوزا حاجز 532 ألف دولار خلال العام.
عام بلا انتخابات.. ودخل أقل لبعض المذيعين
تكشف القائمة أن الانتخابات ليست موسماً نشطاً للسياسيين وحدهم، بل للمذيعين أيضاً، ففي العام السابق رفعت تغطية الانتخابات العامة البريطانية عدد ساعات البث والبرامج الخاصة، وهو ما انعكس على أجور عدد من الوجوه البارزة. أما في 2025/2026، ومع غياب استحقاق انتخابي مماثل، فقد تراجعت مداخيلهم.
انخفض أجر نيك روبنسون، أحد مقدمي “توداي”، البرنامج الإخباري الصباحي الأهم على “راديو 4″، بنحو 19 في المئة، بينما تراجع دخل فيونا بروس، مقدمة برنامج المناظرات السياسية التلفزيوني “كوسشن تايم”، بنحو السدس، وخسر جيريمي فاين، مقدم البرنامج اليومي الذي يحمل اسمه على “راديو 2″، قرابة السُّبع.
لا انتخابات تعني برامج خاصة أقل، وساعات بث إضافية أقل، وبالتالي أموالاً أقل، ولو ظل معنى كلمة “أقل” هنا نسبياً للغاية.
في الاتجاه المقابل، حقق محرر الشؤون الاقتصادية سايمون جاك أكبر زيادة بين الصحفيين، إذ ارتفع أجره بنحو 20 في المئة ليقترب من 366 ألف دولار. ويبدو أن اضطراب الاقتصاد البريطاني كان خبراً جيداً، على الأقل بالنسبة إلى راتب من يتولى شرحه.
وارتفع أيضاً أجر كبيرة المراسلين الدوليين ليز دوسيه، بينما دخلت آنا فوستر القائمة بعد انضمامها إلى مقدمي “توداي”، وظهر مات تشورلي عقب انتقاله من “تايمز راديو” لتقديم برنامج سياسي يومي على “فايف لايف”.
الصحفيون ليسوا الأغلى في “بي بي سي”
رغم تصدّره قائمة الصحفيين، لم يكن ستيفن نولان الأعلى أجراً بين جميع العاملين على الهواء في “بي بي سي”، فقد سبقه مذيعان يقدمان برامج صباحية موسيقية وترفيهية، لا برامج إخبارية.
تصدّر القائمة سكوت ميلز، المقدم السابق للبرنامج الصباحي على “راديو 2″، وهي محطة وطنية تبث الموسيقى والبرامج الترفيهية لجمهور واسع، وتراوح أجره بين 991 و998 ألف دولار، أي أكثر بنحو 426 ألف دولار من أجر نولان، رغم أن المؤسسة استغنت عنه في مارس عقب مزاعم تتعلق بسلوكه الشخصي.
وجاء في المركز الثاني غريغ جيمس، مقدم البرنامج الصباحي الموسيقي والترفيهي على “راديو 1″، المحطة الموجهة أساساً إلى الجمهور الأصغر سناً، بأجر اقترب من 592 ألف دولار.
وبذلك احتل مقدّما برنامجين موسيقيين صباحيين المركزَين الأول والثاني، بينما جاء أول صحفي في المركز الثالث، وهي نتيجة توضّح أن البرامج الجماهيرية اليومية، لا الأخبار وحدها، هي التي تحجز المواقع الأعلى في سلم أجور “بي بي سي”.
وفي هذه اللحظة تحديداً، يمكن تخيّل مقدم برنامج في قناة النيل الثقافية أو “البرنامج العام” بالإذاعة المصرية وهو يخرج هاتفه ليتأكد من أنه لم يخطئ في التحويل: راتب سكوت ميلز يعادل، وفق سعر الصرف وقت إعداد التقرير، نحو 51 مليون جنيه مصري سنوياً.
الراتب الرسمي لا يحسم ترتيب الأثرياء
خارج استوديوهات “بي بي سي” توجد سوق أخرى لنجومها، تشمل إدارة المؤتمرات، وإجراء الحوارات في المناسبات الخاصة، وإلقاء الكلمات، وتقديم حفلات الجوائز.
وبحسب تحليل آخر أجرته “برس جازيت”، حصل صحفيو المؤسسة على ما لا يقل عن 874 ألف دولار مقابل 550 مشاركة خارجية خلال عام واحد.
تصدّر القائمة أمول راجان، أحد مقدمي “توداي”، بأكثر من 153 ألف دولار من 13 فعالية فقط. وكان راجان قد أعلن في يناير اعتزامه مغادرة “بي بي سي” من أجل إطلاق “رائد الأعمال الكامن بداخله”، لكن سجل الفعاليات يشير إلى أن رائد الأعمال لم يكن كامناً تماماً.
ومع إضافة راتبه وأجوره الخارجية وتقديمه مسابقة “يونيفرسيتي تشالنج”، تجاوز دخله المُعلَن 579 ألف دولار، قبل احتساب ظهوره المرتقب في برنامج المشاهير “سيلبريتي ترايترز”.
أما جستن ويب، زميله في “توداي”، فاعتمد نموذجاً مختلفاً، إذ لم يحصل في أي فعالية منفردة على أكثر من 13 ألف دولار، لكن كثرة مشاركاته رفعت دخله الإجمالي، مع راتبه، إلى نحو 646 ألف دولار وفق تقديرات “برس جازيت”.
وبذلك تجاوز مجموع دخله ما حصل عليه نولان وكوينسبرغ من راتبَيهما الرسميين، رغم أنه لا يظهر في قمة القائمة المنشورة.
الأكثر عملاً ليس دائماً الأكثر دخلاً
جمع عدد من أشهر وجوه الأخبار، بينهم مراسل الشؤون العالمية جون سيمبسون، ومقدم النشرات كلايف مايري، ومحررة الشؤون الأوروبية كاتيا أدلر، عشرات الآلاف من الدولارات عبر الفعاليات الخارجية.
لكن لقب الأكثر نشاطاً ذهب إلى مراسل أيرلندا مارك سيمبسون، الذي شارك في 21 فعالية، وهو العدد الأكبر بين صحفيي المؤسسة، إلا أن معظم مشاركاته جاءت ضمن أدنى شرائح الأجر، فكانت حصيلته أقل من حصيلة زملاء ظهروا في مناسبات معدودة. حتى مقدم النشرة الجوية بارا بست شارك في 16 فعالية، وهو ما يوحي بأن الطقس البريطاني، رغم تقلبه، يترك لمقدمه بعض الوقت الحر.
هل تريد “بي بي سي” حصة من العمل الجانبي؟
لم تمر هذه الأرقام من دون أن تلفت انتباه إدارة المؤسسة، فقد طرح رئيس مجلس الإدارة سمير شاه احتمال خفض رواتب النجوم الذين يحققون دخلاً كبيراً من الفعاليات الخارجية، انطلاقاً من أن عملهم في “بي بي سي” يمنحهم المكانة التي تفتح أمامهم تلك السوق. المنطق واضح: المؤسسة صنعت الاسم، والاسم يحقق أرباحاً خارجها، فلماذا تتحمل المؤسسة الراتب كاملاً بينما تذهب عوائد الشهرة إلى المذيع وحده؟
أما المذيعون، فمن المرجح أن تكون لديهم قراءة أخرى للعلاقة بين الاسم وصاحبه.
رواتب مرتفعة ومؤسسة تخطط لتسريح ألفي موظف
تأتي قائمة الأجور في توقيت مالي صعب بالنسبة إلى “بي بي سي”، فقد سجلت المجموعة عجزاً تشغيلياً بلغ 161 مليون دولار للعام الثالث على التوالي، بينما انخفض عدد رخص المشاهدة السارية بنحو 539 ألفاً إلى 23,3 مليون رخصة.
وتقول المؤسسة إن 94 في المئة من سكان بريطانيا يستخدمون إحدى خدماتها شهرياً، في حين لا تدفع رسوم الرخصة سوى نسبة تقل عن 80 في المئة من الأسر.
وتخطط “بي بي سي” لتوفير نحو 665 مليون دولار خلال ثلاث سنوات، في إطار إجراءات قد تؤدي إلى إلغاء ما يصل إلى ألفي وظيفة، وإغلاق أو تقليص عدد من البرامج والخدمات، وفقاً لما أورده تقريرها السنوي والتغطيات البريطانية.
ولم تقتصر الأزمة على المال، فقد شهدت المؤسسة اضطراباً إدارياً وتحريرياً انتهى برحيل المدير العام السابق تيم ديفي ورئيسة الأخبار ديبورا تورنس، بعد الجدل المتعلق بتحرير خطاب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في برنامج “بانوراما”، إلى جانب أزمات تحريرية أخرى أثرت في الثقة بالمؤسسة.
للإنصاف.. فاتورة النجوم تراجعت
تقول إدارة “بي بي سي” إنها خفّضت إنفاقها على مقدمي البرامج بنحو 27 مليون دولار خلال سبع سنوات، وإن عدد النجوم الذين يتجاوز دخلهم 665 ألف دولار انخفض إلى النصف خلال الفترة نفسها.
لكن الأرقام الجديدة تظل كفيلة بإبقاء النقاش مفتوحاً.
ففي مؤسسة تخطط لتسريح ألفي موظف، كان أعلى مقدميها أجراً مذيعاً موسيقياً غادرها بعد ذلك بأسابيع، وتصدّر صحفي يعمل أساساً من بلفاست قائمةَ زملائه في لندن، بينما أعادت الندوات والمؤتمرات ترتيب الأسماء بعيداً عن السلم الرسمي.

