أخبار صحيحة وصورة مضللة: كيف تتشكل قناعات الجمهور؟

-أخبار صحيحة وصورة مضللة كيف تتشكل قناعات الجمهور؟

Author

  • ديمة خبازة

    كاتبة سورية وطالبة في قسم الإرشاد النفسي بكلية التربية في جامعة اللاذقية. تكتب نصوصاً أدبية ذات بعد نفسي، وتهتم بالعلاقات الإنسانية ودوافع السلوك والانفعالات، وتسعى إلى تقديم المفاهيم النفسية بلغة واضحة قريبة من الحياة اليومية. من أعمالها: "إلى حبيب سابق" و"رسائل بعيدة المدى".

لم تعد المنافسة في المجال الإعلامي مقتصرة على الوصول إلى الخبر قبل الآخرين، بل أصبحت تشمل القدرة على تحديد ما يراه الجمهور، وكيف يفهمه، وأي جوانب منه تستقر في ذاكرته. ففي البيئة الرقمية، يمكن للمعلومة أن تنتشر على نطاق واسع خلال وقت قصير، بينما يحتاج التحقق من صحتها إلى وقت وجهد ومقارنة بين المصادر.

وتزداد خطورة هذه المسألة عندما يُقدَّم الخبر ضمن إطار يوجّه تفسيره، أو عندما تُحذف منه تفاصيل تغيّر دلالته، أو يُعاد نشره مصحوبًا بعنوان يستثير الخوف والغضب. عندها قد يحتفظ المحتوى بجزء من الحقيقة، لكنه يقود المتلقي إلى استنتاج لا تعكسه الوقائع كاملة.

من هنا، يصبح تحليل التضليل الإعلامي ضرورة لفهم العلاقة بين المعلومات والتأثير الاجتماعي، ولتمييز نقل الوقائع من توظيفها في بناء روايات تخدم مصالح أو توجهات محددة.

أولًا: وفرة المعلومات لا تعني وفرة المعرفة

أتاحت المنصات الرقمية للجمهور الوصول إلى مصادر متعددة، وفتحت المجال أمام أصوات لم تكن تحظى بالظهور نفسه في وسائل الإعلام التقليدية. غير أن اتساع دائرة النشر لم يضمن بالضرورة ارتفاع جودة المعلومات المتداولة.

ويشير تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة إلى استمرار القلق من الأخبار الزائفة أو المضللة عبر الإنترنت. 

توضح هذه المسألة أن الوصول إلى المعلومة لا يحسم موثوقيتها. فقد يتعرض الجمهور لروايات متعارضة حول الحدث نفسه من دون أن يمتلك دائمًا الأدوات اللازمة لتحديد مصدر كل رواية أو التحقق من أدلتها وسياقها.

وتظهر هنا مسؤولية المؤسسات الإعلامية في تقديم المعلومات ضمن سياقها، والإفصاح عن مصادرها، وتصحيح الأخطاء بصورة واضحة.

ثانيًا: كيف تؤثر الصياغة الإعلامية في تفسير الحدث؟

لا يستقبل الإنسان الأخبار بوصفها بيانات منفصلة عن اللغة والسياق. فطريقة تقديم الحدث قد تؤثر في الجوانب التي يلاحظها، والأسباب التي ينسبها إليه، والحكم الذي يصدره بشأن أطرافه.

ويمكن توضيح ذلك بمفهوم التأطير الإعلامي؛ أي إبراز جوانب معينة من الحدث بطريقة تجعلها أكثر حضورًا في فهم الجمهور، مع تقليل الاهتمام بجوانب أخرى. فإذا تناولت وسيلتان الحدث نفسه، فقد تركز الأولى على أسبابه السياسية، بينما تركز الثانية على خسائره الإنسانية أو أبعاده الاقتصادية. وقد تكون المعلومات الواردة في كلتيهما صحيحة، لكن الصورة التي تتشكل لدى الجمهور تختلف تبعًا لما اختارت كل وسيلة إبرازه.

ولا يعني ذلك أن كل اختيار تحريري يمثل تضليلًا؛ فالاختصار والترتيب جزء من العمل الصحفي. لكن الإشكال يظهر عندما يؤدي الانتقاء المتعمد للمعلومات، أو إغفال السياق الضروري، إلى تكوين انطباع مضلل عن الوقائع.

لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل الخبر صحيح؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما المعلومات التي يتضمنها؟ وما الذي أغفله؟ وهل يميز بين الواقعة والتفسير والادعاء؟

ثالثًا: العامل النفسي في انتشار المعلومات المضللة

يساعد علم النفس على فهم بعض الآليات التي تؤثر في استقبال الأخبار، دون افتراض أن الجمهور يتصرف بطريقة واحدة أو أنه عاجز عن التفكير النقدي.

من هذه الآليات الانحياز التأكيدي، وهو الميل إلى الاهتمام بالمعلومات التي تنسجم مع المعتقدات السابقة أو منحها قبولًا أكبر، مع التعامل بقدر أعلى من الشك مع المعلومات المخالفة لها. وقد يجعل هذا الميل بعض الأشخاص أكثر استعدادًا لتصديق رواية تتفق مع موقفهم السياسي أو الاجتماعي، حتى عندما تحتاج إلى تحقق إضافي.

وتؤثر الانفعالات أيضًا في التفاعل مع المحتوى. فالخبر الذي يثير الغضب أو الخوف قد يدفع إلى المشاركة السريعة قبل التحقق، خصوصًا عندما يشعر المستخدم أن نشره واجب أخلاقي أو وسيلة لتحذير الآخرين. وفي هذه الحالة، قد تكون النية مساعدة الآخرين، بينما تكون النتيجة توسيع انتشار معلومة غير دقيقة.

ويضاف إلى ذلك تأثير التكرار؛ إذ قد تصبح المعلومة مألوفة نتيجة تداولها مرات عديدة، وقد يخلط بعض المتلقين بين الألفة وصحة المحتوى. غير أن هذه الآليات لا تعمل بصورة حتمية، ولا تعني أن الانفعال وحده يحدد موقف الإنسان؛ إذ تتداخل معها المعرفة السابقة، والخبرة، والثقة بالمصدر، والظروف المحيطة.

إن فهم هذه العوامل مهم للإعلاميين؛ لأنه يوضح أن مسؤولية النشر لا تتوقف عند صياغة الخبر، بل تشمل إدراك أثر اللغة وطريقة العرض في الجمهور.

رابعًا: الخوارزميات ومشكلة تضييق المشهد المعلوماتي

تعتمد المنصات الرقمية على أنظمة لترتيب المحتوى وتوصيته للمستخدمين، استنادًا إلى عوامل متعددة تختلف من منصة إلى أخرى. ويمكن لهذه الأنظمة أن تسهّل الوصول إلى المعلومات التي تهم الجمهور، لكنها قد تزيد أيضًا من حضور المحتوى الذي يحظى بتفاعل مرتفع، بصرف النظر عن كونه الأكثر دقة أو أهمية.

وعندما يتعرض المستخدم بصورة متكررة لمحتوى ينسجم مع اهتماماته السابقة، فقد تتراجع فرص اطلاعه على وجهات نظر مختلفة. لكن من غير الدقيق افتراض أن جميع المنصات أو المستخدمين يعيشون داخل فقاعات مغلقة؛ فمدى حدوث ذلك يتأثر بتصميم المنصة، وسلوك المستخدم، وطبيعة الموضوع، ومصادره.

وتزداد أهمية هذه المسألة عند تناول القضايا العامة، لأن الانتشار الواسع لا يمثل دائمًا إجماعًا شعبيًا، وكثرة التعليقات لا تثبت صحة الادعاء. فقد تعكس التفاعلات اهتمام الجمهور أو غضبه أو حتى رغبته في الاعتراض، وليس موافقته على المحتوى.

وبذلك، يصبح التعامل النقدي مع مؤشرات الانتشار ضرورة لتجنب الخلط بين ما يحظى بالاهتمام وما يستحق التصديق.

خامسًا: المسؤولية الإعلامية بين حرية التعبير وحق الجمهور في المعرفة

لا تكمن مواجهة التضليل في حذف كل محتوى مثير للجدل، ولا في منح جهة واحدة سلطة تحديد جميع الآراء المقبولة. فالمسألة تتطلب التوازن بين حماية حرية التعبير، والحد من الأضرار الناتجة عن المعلومات الكاذبة أو المضللة، وضمان الشفافية والمساءلة.

ويتناول قانون الخدمات الرقمية الأوروبي مسؤوليات المنصات الرقمية والشفافية والإشراف على المخاطر المرتبطة بالخدمات الرقمية، بما فيها بعض المخاطر المرتبطة بالمعلومات المضللة، مع التأكيد على حماية الحقوق الأساسية. وهو مثال تنظيمي على محاولة معالجة المخاطر الرقمية من خلال قواعد للمساءلة، وليس دليلًا على وجود حل واحد يصلح لكل المجتمعات.

أما على مستوى المؤسسات الإعلامية، فتبدأ المسؤولية من التحقق من المصادر، والفصل بين الخبر والرأي، وتوضيح حدود المعلومات المتاحة، وتجنب العناوين التي توحي بما لا يثبته المحتوى. كما ينبغي أن يكون تصحيح الخطأ جزءًا من الممارسة المهنية، لا مجرد إجراء ثانوي يُتخذ بعد انكشافه.

ولا تقل التربية الإعلامية أهمية عن ذلك؛ إذ يحتاج الجمهور إلى مهارات عملية تساعده على فحص مصدر الخبر، والعودة إلى التصريح الأصلي، ومقارنة التغطيات، والتحقق من تاريخ الصور والمقاطع وسياقها، والتمييز بين الأدلة والاستنتاجات.

خاتمة: استعادة المسافة بين الخبر والحكم

إن التحدي الحقيقي في البيئة الإعلامية الرقمية لا يتمثل في كثرة الأخبار وحدها، بل في قدرة الإنسان على بناء موقف واعٍ وسط هذا التدفق. فالمعلومة قد تكون صحيحة، لكن تقديمها بصورة مجتزأة قد يغيّر معناها؛ وقد يكون التفاعل واسعًا، لكنه لا يثبت صحة الرواية أو انتشارها في المجتمع كله.

من هنا، تبرز أهمية الإعلام الذي يمنح الوقائع سياقها، ويتيح للجمهور الوصول إلى مصادرها، ويعترف بحدود ما يعرفه. كما تبرز أهمية المتلقي الذي يمنح نفسه وقتًا للتفكير والتحقق قبل إصدار الحكم أو إعادة النشر.

فالمعرفة العامة لا تتشكل بمجرد وصول المعلومات إلى الناس، بل تتأثر بجودة هذه المعلومات، وطريقة عرضها، وقدرة المجتمع على فحصها ومناقشتها. وكلما ازدادت الشفافية والمساءلة، أصبحت مساحة تكوين الرأي المستقل أوسع، وتراجعت فرص تحويل الانفعال العابر إلى قناعة راسخة لا تستند إلى أدلة كافية.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي