يبدو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية مساعدة، بل أصبح عاملًا قد يعيد تشكيل المشهد الإعلامي العربي والعالمي وفق العديد من التقارير والدراسات الصحافية التي رصدها مرصد الإعلام العربي.
في الوقت ذاته، تتباين الآراء بين من يرى الذكاء الاصطناعي تهديدًا لاستدامة حضور بعض المؤسسات الإخبارية، ومن يعتقد أنه فرصة لتعزيز مكانة المصادر الموثوقة.
تراجع الزيارات والعائدات
بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية (AFP)، فإن اعتماد الجمهور المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي ــ مثل تشات جي بي تي ــ للحصول على الإجابات السريعة، قلّل بشكل ملموس من زيارات المواقع الإخبارية التقليدية، ما انعكس على تراجع عائداتها.
خبراء الإعلام وصفوا المرحلة المقبلة بـ“الصعبة على الناشرين”، مؤكدين أن الاستمرار بالأسلوب الحالي قد يهدد بقاء العديد من المؤسسات الإعلامية.
المحتوى المزيّف يعزز المصادر الموثوقة
في المقابل، خلصت دراسة صادرة عن معهد نيمان في جامعة هارڤارد إلى أن الفوضى التي تسببت بها الأخبار والصور المزيفة المنتَجة بالذكاء الاصطناعي رفعت من قيمة المواقع الإخبارية الموثوقة.
وأظهرت الدراسة أن الجمهور بات يجد صعوبة في التمييز بين الحقيقي والمُصطنع، الأمر الذي انعكس على انخفاض الثقة بالأخبار عمومًا، لكنه دفع شرائح واسعة إلى البحث عن مؤسسات معروفة بمصداقيتها. والنتيجة: ارتفاع في الزيارات للمصادر الموثوقة، خاصة بين المستخدمين الأقل دراية بالتقنيات الحديثة.
الصحافيون أمام تحديات جديدة
أما الصحافيون، فهم في قلب هذا التحول. فوفق دراسة نشرها موقع Index on Censorship، تسهّل أدوات الذكاء الاصطناعي مهام البحث والإنتاج، لكنها تضعف في المقابل الدور البشري في صناعة الأخبار، ما يثير أسئلة حول مستقبل الصحافة كمهنة قائمة على الخبرة والتميّز البشري.
يكشف هذا المشهد عن معادلة مزدوجة: الذكاء الاصطناعي يضعف المؤسسات التقليدية اقتصاديًا من جهة، لكنه يفتح أمام الإعلام الموثوق فرصة لتعزيز حضوره وسط فوضى المعلومات.
ومع ذلك، تبقى السنوات المقبلة اختبارًا صعبًا لمدى قدرة الصحافة على التكيّف، والحفاظ على دورها كمصدر رصين في عالم يزداد ازدحامًا بالمحتوى المصطنع.

