من وفرة المحتوى إلى معركة الثقة: كيف يعيد الشباب تعريف استهلاك الأخبار؟

الشباب والأخبار

Author

لم يعد السؤال اليوم: هل يتابع الشباب الأخبار؟ بل: كيف ولماذا يتابعونها؟ هذا ما ذكره تقرير Next Gen News 2، الذي رصد تحوّلًا عميقًا في علاقة الجمهور الشاب بالأخبار، من نموذج تسيطر عليه المؤسسات إلى نموذج يحدّد فيه المستخدم مسار استهلاكه بنفسه.

استند التقرير الصادر عن FT Strategies وKnight Lab بدعم من Google News Initiative إلى استطلاع شمل 5 آلاف شخص في خمس دول (البرازيل، الهند، نيجيريا، المملكة المتحدة والولايات المتحدة).

كما شمل 84 مقابلة معمّقة مع شباب تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عامًا وخلص إلى نتيجة مركزية: سلوك هذه الفئة لم يعد استثناءً، بل أصبح مؤشرًا مبكرًا على شكل الإعلام القادم.

مقارنة بين منصات التواصل والإعلام التقليدي في استهلاك الأخبار لدى الشباب (تقرير 2026)
مصادر استهلاك الأخبار: وسائل التواصل الاجتماعي تتصدر اهتمامات الجيل الجديد

تفضيل المحتوى المختصر والسريع

رغم الاعتقاد الشائع بتراجع اهتمام الشباب بالأخبار، أكد التقرير أن 35% من الشباب يتابعون الأخبار عدة مرات يوميًا. لكن هذا الحضور الكثيف يترافق مع شعور واضح بالإرهاق المعلوماتي، ما يدفعهم إلى تفضيل محتوى مختصر وسريع يمكّنهم من فهم الأحداث دون استنزاف الوقت.

وتعكس أنماط الاستهلاك تحوّلًا في مصادر الأخبار، حيث يعتمد الشباب بشكل أكبر على:

  • وسائل التواصل الاجتماعي
  • منصات الفيديو (مثل يوتيوب)
  • محركات البحث

في المقابل، لا يزال التلفزيون ومحطات الراديو يحافظان على حضور قوي لدى الفئات الأكبر سنًا. كما تمثل محركات البحث نقطة التقاء بين مختلف الأعمار، إذ يستخدمها نحو نصف الجمهور للوصول إلى الأخبار.

رسم توضيحي لاستراتيجية SIFT لمنتجي الأخبار: التصفح العرضي، البحث المتعمد، والاشتراك المباشر - دليل تحسين التفاعل مع المحتوى الرقمي
كيف يكتشف الجمهور المعلومات؟ دليل منتجي الأخبار للسيطرة على منصات التواصل (نموذج SIFT)

مطالب بمزيد من الشفافية 

يبقى عامل الثقة أحد أبرز التحديات في البيئة الإعلامية الحالية. فالشباب لا يرتبطون بقوة بالعلامات الإعلامية التقليدية، ويميلون إلى التشكيك في دوافع صُنّاع المحتوى، ويطالبون بمزيد من الشفافية والتفسير بدل الاكتفاء بعرض الخبر.

ومع ذلك، لا تزال المؤسسات الإعلامية التقليدية تستفيد من ما يُعرف بـ”أثر الهالة”، الذي يمنحها حدًا أدنى من المصداقية.

والمقصود بأثر الهالة أو Halo Effect التحيّز الإدراكي الذي يجعل الناس يقيّمون جهة ما إيجابيًا بشكل عام بسبب صفة واحدة إيجابية مرتبطة بها.

نجاح صناع المحتوى

في هذا السياق، يبرز صُنّاع المحتوى كمنافس قوي، إذ نجحوا في كسب ثقة الجمهور الشاب من خلال:

  • الاعتماد على الخبرة أو التجربة الشخصية بدل الانتماء المؤسسي
  • بناء علاقة إنسانية مباشرة مع الجمهور
  • تقديم محتوى شفاف وواضح
  • استخدام لغة وأشكال قريبة من المتلقي
  • تجنب الأخبار والإرهاق: تحدي الانتباه

يشير التقرير إلى أن 54% من الشباب يرون أن متابعة الأخبار لا ينبغي أن تستغرق وقتًا طويلًا، ما يعكس:

  1. ارتفاع مستوى الإرهاق من المحتوى
  2. الحاجة إلى تبسيط وتلخيص الأخبار

وفي هذا الإطار، ينظر الشباب إلى الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة يمكن أن تسهم في تلخيص الأخبار، ووضعها في سياق، وتسهيل فهمها.

مخطط يوضح أنماط التفاعل مع الأخبار الرقمية (Modes of Engagement): من اكتشاف المعلومات عبر نموذج SIFT إلى مراحل الاستهلاك التي تشمل التحقق، الدراسة، الفهم، والمشاركة الاجتماعية
تحليل سلوك الجمهور الرقمي: كيف يتحول اكتشاف الخبر (SIFT) إلى قيمة مضافة (Consumption) للمستخدم؟

أنماط التفاعل مع الأخبار

يلخّص التقرير سلوك الجمهور ضمن نموذج ثلاثي:

  • Sift (الاكتشاف): كيف يصل الجمهور إلى الأخبار (تمرير، بحث، اشتراك)
  • Consumption (الاستهلاك): ماذا يريد الجمهور من الخبر (فهم، تحقق، تفسير)
  • Socialize (المشاركة): كيف يشارك الأخبار ويتفاعل معها اجتماعيًا

هذا النموذج يعكس انتقالًا واضحًا من إعلام يفرض نفسه، إلى جمهور ينتقي ويقرر ما يستهلكه.

استراتيجيات 2030

في ضوء هذه التحولات، يقترح التقرير أربع توجهات رئيسية:

  1. تغيير سير العمل التحريري عبر إدماج استراتيجية التوزيع منذ البداية وإشراك الجمهور مبكرًا
  2. تخصيص المحتوى لكل منصة بدل إعادة نشره بصيغة واحدة
  3. تعزيز السرد التفاعلي القائم على الشفافية والبعد الإنساني
  4. بناء مجتمع حول المحتوى عبر فعاليات ولقاءات تربط الجمهور بالمؤسسة

لا يشير التقرير إلى تراجع أهمية الأخبار، بل إلى إعادة تعريفها. فالجمهور الشاب لا يبتعد عن الأخبار، بل يعيد صياغة علاقته بها وفق معايير جديدة: سرعة، وضوح، وثقة تُبنى عبر التجربة لا عبر الاسم. 

وفي هذا السياق، تصبح قدرة المؤسسات الإعلامية على التكيّف مع هذه التحولات عاملًا حاسمًا في بقائها وتأثيرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي