في عالمٍ رقمي تحكمه الخوارزميات وتتشابك فيه مصادر المعلومة، لم يعد التفوق مرتبطًا بحجم الانتشار بقدر ما يرتبط بقدرة الإعلام العربي على التحليل والدقة والابتكار في السرد الرقمي.
ويشهد العالم الرقمي في عام 2026 مرحلة نضجٍ واستقرارٍ نسبي بعد عقدٍ من النمو المتسارع، وبحسب تقرير Digital 2026 Global Overview الصادر عن DataReportal تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم 5.7 مليار مستخدم.
وتكشف تفاصيل التقرير تحوّلات تمسّ جوهر صناعة الإعلام، لاسيما في العالم العربي، حيث بات الفضاء الرقمي الساحة الأوسع لاستهلاك الأخبار والتفاعل مع المحتوى الإعلامي.
وسائل التواصل كمصدرٍ رئيسٍ للأخبار
وفقًا لبيانات التقرير، أصبح استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من أجل متابعة الأخبار من أبرز دوافع المستخدمين عالميًا، حيث كشف التقرير أن 35.4% من مستخدمي المنصات (أعمارهم فوق 16 عامًا) يعتمدونها لقراءة الأخبار.
ويُظهر التقرير تصدّر المغرب قائمة الدول التي يعتمد مستخدمو الانترنت فيها على وسائل التواصل الاجتماعي لتلقي الأخبار بنسبة 68.4%، في حين سجّلت مصر والسعودية نسبًا أدنى بلغت 21% و20% على التوالي.
تشير هذه الفوارق إلى اختلافات في أنماط الثقة وسلوك التفاعل مع الأخبار بين المجتمعات العربية، لكنها تؤكد بوضوح أن المنصات الاجتماعية أصبحت مصدرًا رئيسيًا للمتابعة الإخبارية في المنطقة، وأن حضور المؤسسات الإعلامية فيها بات ضرورة استراتيجية لا خيارًا ثانويًا.

المنصات الكبرى تتسيد المشهد
يُظهر التقرير أن المنصات الكبرى مثل يوتيوب، فيسبوك، إنستغرام، وتيك توك ما زالت تحتفظ بسيادتها على المشهد العالمي، رغم اختلاف أنماط الاستخدام بين الأجيال.
وبينما يواصل تيك توك جذب الفئات الشابة بوتيرةٍ متسارعة، يحافظ فيسبوك على قوته في المجتمعات الناشئة، ويستمر يوتيوب وإنستغرام في تصدّر معدلات الوقت الذي يقضيه المستخدمون في المشاهدة والتفاعل.
كما يشير التقرير إلى نموٍ مطّردٍ في المنصات المتخصصة مثل لينكدإن وريديت، التي توسّعت ضمن شرائح المهنيين والمجتمعات المعرفية، ما يعكس تنوّعًا متزايدًا في الفضاء الرقمي العالمي.
الإنفاق الإعلاني عبر وسائل التواصل الاجتماعي
تكشف بيانات التقرير أن الإنفاق العالمي على الإعلانات في وسائل التواصل الاجتماعي بلغ 277 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بـ 133 مليارًا عام 2020، أي بزيادة 108.2% خلال خمس سنوات.
هذا النمو الهائل يعكس تحوّل المنصات الاجتماعية إلى السوق الإعلاني الأوسع عالميًا، متفوّقة على القنوات التقليدية، ما يجعلها المجال الأساسي لتنافس المؤسسات الإعلامية والعلامات التجارية في الوصول إلى الجمهور واستثماره تجاريًا.
وبالنسبة للمؤسسات الإخبارية، فإن هذا الاتجاه يعني أن القيمة الاقتصادية للمحتوى الرقمي باتت ترتكز على القدرة على جذب التفاعل والإبقاء على انتباه المتابع، وهو ما يعيد تشكيل نماذج إنتاج المحتوى والإعلانات في الإعلام العربي.

تحولات جغرافية واتجاهات جديدة
أشار التقرير إلى أن الانتشار الواسع لخدمات الانترنت يؤكد أن الاتصال الرقمي لم يعد مجرد وسيلة، بل أصبح البنية التحتية الأساسية للحياة المعاصرة التي تتقاطع فيها أنماط الإعلام والاقتصاد والتعليم والترفيه.
على الصعيد الجغرافي، تتصدّر آسيا العالم في عدد مستخدمي الانترنت، فيما سجلت أفريقيا أعلى معدل نمو في الاتصال بالإنترنت.
كما رصد التقرير ارتفاعًا لافتًا في الطلب على المحتوى المحلي والفيديوهات القصيرة، وهو ما يجعل المؤسسات الإعلامية أمام تحدٍّ لإعادة صياغة استراتيجياتها التحريرية والتسويقية، لتواكب طبيعة الجمهور المحلي وتنافسية المنصات.
عصر الجمهور الفاعل
تظهر نتائج التقرير اتجاهات الجمهور وطريقة تفاعلها مع المنصات الرقمية، وتسلّط الضوء على سلوك المستخدمين في تلقي الأخبار واعتماد المعلومات، ما يجعل المؤسسات الإعلامية أمام تحدٍّ مستمرٍ لتطوير آليات إنتاج المحتوى الإخباري، والعمل على كسب ثقة الجمهور والتفاعل معه بمصداقية.
يظهر ذلك جليًّا في الأرقام والبيانات التي يسجلها مرصد الإعلام العربي شهريًا عبر أدوات تحليل خاصة، ضمن الإطار التحليلي الذي يواكبه مرصد الإعلام العربي من خلال سلسلة تقاريره التي ترصد وتُحلل أداء أهم القنوات الإخبارية العربية عبر المنصات الرقمية.
تهدف التقارير إلى مواكبة المشهد الإعلامي العربي ومقارنة مستويات الأداء الإعلامي بين القنوات من حيث الانتشار، والتفاعل، وجودة المحتوى، وأشكال الحضور الرقمي المتطور، لتقديم صورة معمقة عن التحولات التي تشهدها البيئة الإعلامية العربية في ظل المشهد الرقمي المتسارع.

