في التاسع من يونيو 2020، نشر أحمد الغندور بياناً قصيراً يودّع فيه برنامجه «الدحيح» بعد ثلاث سنوات على شاشة «الجزيرة بلس». لم يكن وداعاً عابراً في سوق المحتوى الرقمي، بل تحوّل خلال أيام إلى واقعةٍ قابلة للقياس: انخفض عدد مشتركي قناة «كبريت» التابعة للشبكة من نحو 4,688,333 مشتركاً في الثامن من يونيو إلى نحو 4,560,000 بعد أحد عشر يوماً فقط، أي بخسارةٍ تقارب 128 ألف مشترك. والرقم وحده يكثّف سؤالاً يلاحق الإعلام الرقمي العربي منذ سنوات: حين تتعاقد منصةٌ كبرى مع مؤثّر، مَن الذي يصنع الجمهور فعلاً، المؤسسة أم الشخص؟
الرواية الشائعة في أوساط صناعة المحتوى تقول إن المؤسسات الكبرى تبتلع المؤثرين، تستنزف طاقتهم، ثم تلفظهم وقد فقدوا تلقائيتهم. غير أن قراءةً متأنية لمسارات صنّاع محتوى التحقوا بثلاث منصات — الجزيرة بشبكاتها الرقمية، والتلفزيون العربي، ودويتشه فيله — تكشف صورةً أكثر تركيباً، تختلف فيها حصيلة الصفقة من حالةٍ إلى أخرى اختلافاً جوهرياً، وتتوقّف على سؤالٍ أعمق: هل كانت المؤسسة سقفاً للوعي والمهنية، أم قفصاً للتلقائية، أم مظلّةً تحمي من رقابةٍ أشد؟ ثم، على الضفة المقابلة، ما الثمن الذي يدفعه من اختاروا البقاء خارج المؤسسة تماماً — كعبدالله الشريف ومعتز مطر — حين يصبح اسم هذا الثمن: الشعبوية؟
وحين تُصَفّ هذه الأسماء بحسب حجم جمهورها الرقمي، تتضح خريطة المشهد: يتصدّرها «البشير شو» بنحو 21.6 مليون متابع على حساب البرنامج، يليه «جو شو» بنحو 15 مليوناً، و«الدحيح» بنحو 14.2 مليوناً، ثم تتوزّع بقية الحالات في مدارجَ أدنى وصولاً إلى برامج في حدود المليون والنصف. وهذه الأرقام نفسها هي التي ستكشف، حالةً بحالة، أين تسكن القيمة: في الشخص أم في العلامة التي بنتها المؤسسة حوله.

ما الذي تمنحه المؤسسة، وما الذي تأخذه
تمنح المنصة الكبرى المؤثّر أربعة أشياء لا يملكها وحده على الإنترنت. أولها بنيةٌ إنتاجية كاملة؛ فبرنامج «الدحيح» في نسخته المؤسسية لم يكن عمل فرد، بل ثمرة فريقٍ تجاوز خمسةً وعشرين شخصاً بحسب تقارير رافقت إيقافه، يتولّون البحث والكتابة والمونتاج والجرافيك.
وثانيها سقفٌ تحريري يضبط المحتوى، وهو ما اعترف به يوسف حسين، مقدّم «جو شو»، حين قال إنه لم يكن يدرك في بداياته المستقلة أن بعض ما يقدّمه ينطوي على تنمّرٍ يطال الشكل والهيئة، قبل أن تنقله التجربة المؤسسية إلى مرحلةٍ صارت فيها السخرية قائمةً على تعليقٍ ذكي لا على إهانة.
وثالثها اتساع الجمهور وإعادة تموضع الخطاب من فئةٍ متحمّسة ضيقة إلى جمهورٍ عربي عابرٍ للجغرافيا. ورابعها الشرعية المهنية والاستقرار المادي.
في المقابل تأخذ المؤسسة ثمناً. تأخذ جزءاً من الملكية؛ فالقناة والأرشيف والعلامة الفرعية تبقى لها لا للمؤثر، وهذا ما جعل مغادرة الغندور تترك «كبريت» محتفظةً بمئات الملايين من المشاهدات المتراكمة بينما يخرج هو بلا قناة.
وحتى اليوم تظل حسابات «الدحيح» — بما تجمعه من نحو 14 مليون متابع موزّعين على تيك توك ويوتيوب وفيسبوك وإنستغرام — رصيداً باسم العلامة قبل أن يكون باسم صاحبها.
وتأخذ المؤسسة كذلك قدراً من حرية المناورة، فالضوابط التحريرية تتقاطع أحياناً مع حسابات المموّل السياسية. وقد كان لافتاً أن «جو شو» نفسه أعاد توجيه بوصلة سخريته من الأنظمة ذاتها إلى وسائل إعلامها، مقاربةٌ ذكية أبقت السهم مصوّباً على جوهر الظاهرة دون الاصطدام المباشر بمحاذير اللحظة السياسية المتغيّرة لقطر الممولة للتلفزيون العربي.
الجزيرة ومنصاتها: التبنّي والانتشار وحدود الذوبان
راهنت منظومة الجزيرة الرقمية على أربعة نماذج تكشف، مجتمعةً، الطيف الكامل للعلاقة. النموذج الأول هو «الدحيح»: قدّمت له الشبكة — عبر قناة «كبريت» التابعة لـ«الجزيرة بلس» بين 2017 و2020 — ميزانيةً وفريق إعدادٍ ومونتاجٍ احترافياً حوّل تبسيط العلوم إلى صناعةٍ مؤسسية مستدامة تصمد أمام تقلّبات الخوارزمية. وقدّم هو للجزيرة «قوةً ناعمة»: قدرةً على اختراق هواتف المراهقين والشباب بمحتوى غير سياسي يبني ولاءً لعلامة الشبكة. ثم انتقل بعد توقّف التعاون إلى «أكاديمية الإعلام الجديد» الإماراتية في 2021، قبل أن يعلن انتهاء تلك الشراكة ويعود في أبريل 2026 عبر منصتي «الجزيرة 360» و«الجزيرة بلس» معاً — متنقّلاً بين الرعاة دون أن يفقد علامته.
النموذج الثاني هو أشرف إبراهيم «المخبر الاقتصادي»، وهو حالةٌ تصحّح فرضيةً شائعة. فالرجل ليس مستقلاً تماماً عن الجزيرة كما يُظَنّ؛ إذ تُنتَج نسخةٌ مشتركة العلامة باسم «المخبر الاقتصادي+» على منصة «الجزيرة بلس»، وتُوزَّع حلقاته على «الجزيرة 360» و«الجزيرة نت» بشكلٍ نشطٍ حتى 2026.
منحته هذه الشراكة توزيعاً وشرعيةً وختماً صحفياً، فيما منح هو الشبكة أكبر قناةٍ عربية في تبسيط الاقتصاد بنحو 2.8 مليون مشترك على يوتيوب وقرابة 4.8 ملايين متابع عبر منصاته مجتمعةً، ومصداقيةً في مجالٍ يُعدّ جافاً. لكنّ قناته الأمّ بقيت ملكه، فظلّت العلاقة شراكةً لا ابتلاعاً.
النموذج الثالث هو أبو الصادق، وهو الأنضج بنيوياً. فهو يقدّم برنامجاً حصرياً على «الجزيرة 360» بعنوان «ملفات محظورة»، بينما يحتفظ بقناته المستقلة في السرد القصصي والجرائم الغامضة التي تتجاوز أربعة ملايين ونصف المليون مشترك. صيغةٌ هجينة تتقاسم فيها الجهتان الجمهور بدل أن تحتكره إحداهما: المنصة تأخذ مشروعاً منظّماً وعلامةً جاهزة، والمؤثّر يأخذ الموارد والشرعية دون أن يرهن مستقبله كله للمؤسسة.
أما النموذج الرابع، «الإسبتالية» للدكتورة إيمان الإمام، فيكشف الوجه المعاكس: حساب البرنامج يجمع نحو 3.1 ملايين متابع، بينما لا يتعدّى حضور صاحبته باسمها الشخصي نحو 171 ألفاً — أي إن القيمة هنا في الفورمات لا في الشخص، وسنعود إليه عند اختبار المغادرة لأنه المثال الأوضح على ذلك.
التلفزيون العربي: الصقل الناجح وحدوده
يقدّم التلفزيون العربي النموذج الأوضح لما يمكن أن يفعله «الصقل المؤسسي» حين ينجح. فقد سحب يوسف حسين من خانة «جو تيوب» البسيطة الموجَّهة لفئةٍ بعينها، إلى منصة إنتاجية ضخمة بمسرحٍ وجمهورٍ حي. لكن الأهم لم يكن السقف التقني، بل السقف التحريري الذي هذّب المحتوى ليصبح سخريةً سياسية ذكية تترفّع عن التنمّر وعن الإيحاءات الجنسية المبتذلة التي اتكأت عليها تجارب سابقة، وتبتعد عن الشعبوية الاستقطابية التي يلجأ إليها كثيرٌ من صنّاع المحتوى لرفع المشاهدات.
وأثبتت الأرقام صحّة الرهان: حصد الموسم العاشر والملحق الرمضاني نحو سبعمئة مليون مشاهدة في عامٍ واحد — موزّعةً بين 425 مليوناً على فيسبوك و148 مليوناً على تيك توك و126 مليوناً على يوتيوب — مع 168 مقطعاً تجاوز المليون، و43 حلقةً كاملة من أصل 44 اخترقت الحاجز نفسه، فيما يقارب حضور «جو شو» عبر منصاته 15 مليون متابع يتصدّرها فيسبوك بنحو عشرة ملايين، بتوزيعٍ عابرٍ للجغرافيا شمل فلسطين والمغرب والسودان وسوريا واليمن والجزائر وتونس ولبنان والإمارات والعراق.
وإلى جانب «جو شو»، راهنت الشبكة على محمد السعدني وبرنامجه «في الحضارة»، المعروض عبر منصاتها الرقمية («أنا العربي» و«العربي تيوب»). وفّرت له بنيةً بحثيةً وإنتاجيةً حوّلت السرد التاريخي والفلسفي إلى منتجٍ بصري عالي الجودة، فأضاف هو للشبكة عمقاً معرفياً وجمهوراً شاباً مهتماً بالتاريخ بأسلوبٍ ساخر، توّجه فوز البرنامج بجائزة «شورتي» العالمية عام 2024. غير أن حالة السعدني تكشف أيضاً الوجه الآخر للصقل: فحلقاتٌ مثل «الفتنة الكبرى» أثارت سجالاً حاداً واتهاماتٍ بالتبسيط المنحاز في موضوعٍ شديد الحساسية، ما يذكّر بأن السقف التحريري المؤسسي لا يُلغي وحده مخاطر اصطياد الجدل حين يكون الموضوع نفسه ملغوماً.
أما حسن هاشم، فحالته تصحّح فرضيةً ثالثة. إذ يُظنّ أن ارتباطه بالتلفزيون العربي كان جوهر مشروعه، والحقيقة أنه جرى عبر برنامج «ترسانة» على «العربي تيوب» كموسمٍ محدودٍ لم يتجاوز سبع حلقاتٍ عام 2024. أما علامته الأصلية «غموض» — وهي سلسلةٌ وثائقية بالفصحى عن الألغاز والأسرار — فوُلدت مستقلةً وبقيت كذلك، بقناةٍ تتجاوز 6 ملايين مشترك على يوتيوب وحضورٍ شخصي يقارب 7.9 ملايين متابع عبر منصاته، بنبرةٍ رصينة بعيدة عن الشعبوية. وهذا تحديداً ما يقودنا إلى الاختبار الأصدق في العلاقة كلها.
دويتشه فيله: حين تكون المؤسسة ملاذاً لا قيداً
ثمة وجهٌ ثالث للعلاقة يجسّده أحمد البشير ببرنامجه «البشير شو»، أحد أشهر الأعمال الساخرة العراقية بأكثر من مليارٍ ونصف المليار مشاهدةٍ تقديرية عبر عشرة مواسم وأكثر، وبحضورٍ رقمي هو الأضخم بين كل هذه الحالات: نحو 21.6 مليون متابع لحساب البرنامج (7.46 ملايين منها على يوتيوب)، وقرابة 9.8 ملايين لحساب البشير الشخصي. لم يولد المشروع في حضن مؤسسة، بل وُلد مستقلاً من المنفى: غادر البشير العراق إلى عمّان بعد أن فقد والده وأخاه في الحرب، وبعد اختطافٍ وتعذيبٍ ونجاةٍ من تفجيرٍ انتحاري، فأسّس شركة إنتاجٍ خاصة وأطلق برنامجه عام 2014. تنقّل بعدها بين قنواتٍ عراقية محلية واحدةً تلو الأخرى — من «الشاهد المستقل» إلى «السومرية» إلى «إن آر تي» — فأوقفته الجهات الرقابية أو دفعت القنوات إلى التراجع تحت الضغط بذريعة «اللغة الهابطة» و«الإساءة للذوق العام»، إضافةً إلى تهديداتٍ مباشرة من تنظيم «داعش» والميليشيات.
هنا جاء دور دويتشه فيله العربية، التي احتضنت البرنامج منذ 2016 بإنتاجٍ مشترك مع «السومرية». لم تكن المؤسسة في هذه الحالة قيداً على الحرية، بل المظلّة التي أتاحت للسخرية أن تستمر بعد أن ضاقت بها الشاشات المحلية: منصة بثٍّ من خارج العراق، وشرعيةٌ مؤسسية أوروبية، وما سمّاه مسؤولو القناة وقتها «الحق في الضحك». والمفارقة أن هذا الوجه يقلب الرواية الشائعة عن «التدجين المؤسسي»، إذ يكشف أن الفضاء المحلي «المستقل» ظاهرياً قد يكون أشدّ خنقاً من المؤسسة العابرة للحدود. وما زال البرنامج مستمراً على القناة حتى 2026، بسخريةٍ تتكئ على هدفٍ مدني صرّح به البشير نفسه: أن نزع الهيبة عن الإرهابي بالضحك أنجع أحياناً من مواجهته بالسلاح.
اختبار المغادرة: أين تسكن العلامة فعلاً؟
الاختبار الأصدق لمن يملك الجمهور هو لحظة الانفصال، وعندها تنقسم التجارب قسمين واضحين. في حالة الغندور انتقلت الخسارة إلى المؤسسة لا إليه؛ غادر آلاف المشتركين قناة «كبريت»، ثم أعاد بناء حضوره مستقلاً حتى عاد إلى الجزيرة في 2026 من موقعٍ أقوى. وهذا يعني أن العلامة كانت في الشخص وأسلوبه وصوته، بينما كانت المؤسسة وعاءً مؤقتاً صقل الموهبة لكنه لم يخلقها. والمعطى نفسه ينطبق على حسن هاشم الذي واصل بعد التلفزيون العربي تقديم محتواه التوثيقي محتفظاً بهويته القائمة على الفصحى والتشويق المعرفي بنحو 7.9 ملايين متابع، لأن مركز ثقله لم يكن في «ترسانة» المؤسسية أصلاً.
غير أن الاختبار ذاته يكشف وجهاً معاكساً حين يعتمد الفورمات على البنية المؤسسية أكثر من اعتماده على الشخص. فبرنامجٌ طبي مثل «الإسبتالية» على «الجزيرة بلس» تتركّز قيمته في حساب البرنامج بنحو 3.1 ملايين متابع، بينما لا يحمل اسم صاحبته سوى نحو 171 ألفاً؛ وحين غادرت مظلّة الشبكة، تشير القرائن المتاحة إلى تباطؤ وتيرته وتقطّع إنتاجه وطول فترات غيابه. فقدان التمويل والفريق والتوزيع المؤسسي ترك أثراً على من بنت جزءاً من حضورها داخل المظلّة لا خارجها. وهذا هو الفرق الجوهري الذي تلخّصه الأرقام: كلما كان المحتوى أقرب إلى الشخصية المؤثرة الواضحة، خرج صاحبه من الشراكة سالماً يحمل جمهوره معه؛ وكلما كان أقرب إلى الفورمات المؤسسي، بقيت القيمة حبيسة المؤسسة.

وتقرأ الأرقام هذا الفرق بوضوح: ففي «الإسبتالية» يفوق حساب البرنامج صاحبته بنحو ثمانية عشر ضعفاً، وفي «المخبر الاقتصادي» بنحو ثلاثة عشر ضعفاً، حيث القيمة في الصيغة المنظَّمة؛ بينما تضيق الفجوة إلى الضعفين أو الثلاثة في «البشير شو» و«جو شو» حيث يظل الوجه والصوت مركز الثقل، ويكسر حسن هاشم القاعدة تماماً إذ يتقدّم حضوره الشخصي على أي برنامجٍ مؤسسي مرّ به. وبين هذا وذاك يقف النموذج الهجين لأبي الصادق، الذي يتقاسم الجمهور مع «الجزيرة 360» دون أن يرهنه لها.
الوجه المقابل: استقلالٌ بثمن الشعبوية
على الضفة الأخرى يقف نموذج المؤثّر المستقل تماماً، الذي لا يدين بمحتواه لأي مؤسسة ويتحرّر بالكامل من سقفها التحريري. ويُقدَّم عبدالله الشريف ومعتز مطر مثالين بارزين في فضاء التعليق السياسي المصري المعارض، بأرقامٍ ضخمة تبلغ عند الشريف نحو 5.6 مليون مشترك و1.2 مليار مشاهدة، وعند مطر نحو 4.8 مليون. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى: الاستقلال الذي يُفترض أنه ضمانةٌ للحرية، يتحوّل في غياب أي ضابطٍ تحريري إلى أرضٍ خصبة للشعبوية، لأن المعيار الوحيد يصبح الخوارزمية، والخوارزمية تكافئ الصاخب والمستقطِب قبل المتوازن والمدقَّق. فيغلب على الخطاب لغة المظلومية، وتجسيد العدو في شخصٍ واحد، وثنائية «الشعب ضد السلطة»، والأداء الانفعالي الذي يستدعي العاطفة قبل الحجة.
بل إن «الاستقلال» هنا أقلّ نقاءً مما يبدو. فمعتز مطر صعد أصلاً عبر قناة «الشرق» الممولة، ثم خرج منها قسراً عام 2021 إثر ضغوطٍ على الدولة المضيفة، فأسّس بعدها «قناة الشعوب» معلناً أنها تقوم على «الدعم الشعبي» — أي أن استقلاله كان اضطراراً أكثر منه اختياراً مبدئياً.
وعبدالله الشريف حافظ على قالبه الفردي بحلقةٍ أسبوعية ثابتة كل خميس صارت ركيزة نجاحه، لكنه دفع ثمن ذلك حجباً قضائياً عابراً للحدود وملاحقات، إذ تعاملت معه السلطة بالقمع لا بالاحتواء. الاستقلال، في الحالتين، ليس فردوساً من الحرية، بل ساحةٌ مكشوفة بلا مظلّة، وبلا سقفٍ يرفع الجودة.
والفرق بين هذا النموذج و«جو شو» أو «البشير شو» ليس في الموهبة، بل في البنية الحاكمة. فجو شو يبني الضحك على الفكرة لا على التجييش، وقد أثبت في موسمه العاشر أن الانضباط يصنع الانتشار ولا يناقضه، بسبعمئة مليون مشاهدةٍ في عامٍ واحد وبتوزيعٍ عابرٍ للحدود. وهذا لا يعني أن الاستقلال نقيصةٌ في ذاته ولا أن المؤسسة فضيلةٌ في ذاتها؛ فثمة مستقلون منضبطون مهنياً، ومؤسساتٌ تستخدم سقفها أداةً للتدجين السياسي لا لرفع الجودة. لكن المعطيات تشير إلى أن غياب أي ضابطٍ تحريري — حين يقترن بمنطق الخوارزمية ودوافع التعبئة — يدفع المحتوى المستقل نحو الشعبوية بوصفها المسار الأقل مقاومةً والأكثر مكافأةً في سوق الانتباه.
الصفقة التي تكشف صاحبها
تتقاطع هذه الحالات عند حقيقةٍ واحدة: الشراكة بين المؤثّر والمؤسسة ليست علاقةً واحدة بل علاقاتٍ متعددة، تتحدّد حصيلتها بثلاثة عوامل.
أولها مركز الثقل: هل القيمة في الشخص أم في الفورمات؟ فمن كان جمهوره معلّقاً بشخصه — كالغندور وحسن هاشم وأبي الصادق — خرج من الشراكة حاملاً جمهوره، ومن كانت قيمته في صيغةٍ مؤسسية كالإسبتالية تبدّدت قيمته بانتهائها.
وثانيها طبيعة السقف التحريري: سقف وعيٍ يرفع الجودة كما في «جو شو»، أم مظلّةٌ تحمي من رقابةٍ أشد كما في «البشير شو».
وثالثها البديل المتاح: فحين يكون الفضاء المستقل منفلتاً بلا ضابط، يصبح الاستقلال — كما عند معتز مطر وعبدالله الشريف — طريقاً سريعاً إلى الشعبوية.
ولعل الدرس الأعمق أن السؤال لم يعد «المؤثّر ضد المؤسسة»، بل «أيّ مؤسسة، لأيّ مؤثّر، وبأيّ شروط». فالمنصات التي أدركت أن المؤثّر يملك علامته الخاصة صارت تتجه إلى صيغ شراكةٍ هجينة تحفظ للطرفين حصته، كما في نموذج أبي الصادق. والمؤثّرون الذين أدركوا أن الانضباط المهني ليس ضريبةً على الانتشار بل استثماراً فيه، صاروا أقدر على بناء جمهورٍ يصمد حين تتغيّر الخوارزميات. أما من راهن على الشعبوية وحدها، فقد يربح الجولة، لكنه يظلّ رهين عملةٍ سريعة التضخّم: الانتباه الذي يأتي بالصراخ يذهب مع أول صوتٍ أعلى. وفي عالمٍ يُكافأ فيه الصخب بمزيدٍ من المشاهدات، يبدو اختيار الرصانة طريقاً أصعب — لكنه الأبقى.

