في خريف 2025، اجتمعت على المغرب ثلاثة أحداث في وقت واحد: شباب ينظّمون احتجاجات واسعة عبر تطبيق «ديسكورد» احتجاجاً على أوضاع الصحة والتعليم وأولويات الإنفاق، ومنتخب تحت 20 عاماً يتوّج بطلاً لكأس العالم، وقرار في مجلس الأمن لصالح الرباط في ملف الصحراء. ثلاث لحظات متناقضة المزاج، لكنها كشفت معاً كيف تغيّرت قواعد اللعبة الإعلامية في البلاد: لم يعد الإعلام الرسمي يتحكّم وحده في إيقاع النقاش العام.
هذه الصورة يرسمها تقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية لعام 2026، وهو الاستطلاع السنوي الأوسع عن عادات متابعة الأخبار في العالم. والمغرب هو الدولة العربية الوحيدة ضمن 48 دولة شملها الاستطلاع، الذي أجرته مؤسسة يوغوف مطلع 2026. ويبلغ عدد سكان المغرب نحو 38 مليون نسمة، وتصل نسبة استخدام الإنترنت إلى 91%. ووفقاً للباحث المغربي إمرؤ القيس طلحة جبريل، الذي حرّر صفحة المغرب في التقرير، فإن المشهد المحلي تشكّله اليوم المنصّات والفيديو وصنّاع المحتوى، في ظل ثقة منخفضة بالأخبار وبيئة قانونية لا تزال مقيّدة.
خريف واحد… وثلاث حكايات
بدأت القصة الأبرز على الإنترنت. ففي 18 سبتمبر 2025 أطلق أربعة مستخدمين خادماً على تطبيق «ديسكورد» المخصّص أصلاً للألعاب، لتبادل ردود الفعل على وفاة أمهات أثناء الولادة في أكادير. خلال أسابيع قليلة تحوّل الخادم إلى حركة وطنية بلا قيادة واضحة عُرفت باسم «جيل زد 212» نسبةً إلى رمز الهاتف الدولي للمغرب، وقفز عدد أعضائه إلى نحو 250 ألفاً بحلول مطلع أكتوبر. واختار الشباب «ديسكورد» تحديداً لطبيعته اللامركزية، ولأن الأجهزة الأمنية كانت أقل إلماماً به.
خرجت أولى الاحتجاجات في 27 سبتمبر في الرباط والدار البيضاء ومراكش ومدن أخرى، مطالبةً بتحسين المستشفيات والمدارس وفرص العمل ومحاربة الفساد. وقابلتها السلطات باعتقالات ومحاكمات طالت أكثر من ألفين، مع سقوط قتلى في بعض الليالي. وبينما كان هذا يجري، توّج منتخب المغرب تحت 20 عاماً بكأس العالم في تشيلي في 19 أكتوبر، ليصبح أول منتخب عربي يحرز اللقب. وبعد أيام، في 31 أكتوبر، تبنّى مجلس الأمن القرار 2797 الذي اعتبر خطة الحكم الذاتي المغربية أساساً واقعياً لحل نزاع الصحراء، وعدّته الرباط نصراً دبلوماسياً.
اللافت أن الإعلام الرسمي لم يقُد أياً من هذه اللحظات في بدايتها. الاحتجاجات وُلدت ونُظّمت على المنصّات، والإعلام التقليدي لحق بها متأخراً. هذا هو جوهر التحوّل الذي يرصده التقرير.
المنصّات تتصدّر المشهد
صار الوصول إلى الأخبار في المغرب يمرّ أولاً عبر المنصّات. فيسبوك في الصدارة، إذ يستخدمه 59% للأخبار، بارتفاع 12 نقطة عن العام السابق، يليه يوتيوب (47%)، فإنستغرام (38%)، فواتساب (35%)، فتيك توك (26%)، ثم منصّة إكس (11%). وارتفعت نسبة من يشاركون الأخبار عبر مواقع التواصل أو الرسائل إلى 36%، بزيادة 7 نقاط، في إشارة إلى جمهور صار يتفاعل مع الخبر لا يكتفي بتلقّيه.
ومع ذلك، تبقى الأسماء التقليدية حاضرة، خصوصاً لدى الأجيال الأكبر ومن لا يستخدمون الإنترنت. ففي القنوات التلفزيونية تتصدّر «دوزيم» (2M) بنسبة وصول أسبوعية 39%، تليها «الأولى» الحكومية (34%) و«ميدي 1 تي في» (28%). أما على الإنترنت فيتصدّر موقع «هسبريس» بنسبة 52%، وهو المرجع الرقمي الأوسع وصولاً في البلاد.
ثقة منخفضة… لكنها انتقائية
هنا تكمن المفارقة المغربية. الثقة العامة بالأخبار منخفضة عند 28% فقط، أي أقل من المتوسط العالمي البالغ 37%، وهي نسبة لم تتغيّر عن العام السابق. ويرى كثير من المغاربة أن الإعلام لا يتمتع باستقلالية حقيقية، وأنه يتجنّب المواضيع الحسّاسة ويعكس غالباً وجهة نظر الحكومة. كما يقلق 54% من الأخبار الكاذبة والتضليل، ويتجنّب 46% الأخبار أحياناً أو غالباً.
لكن انخفاض الثقة العامة لا يعني انهيارها تجاه كل المؤسسات. فبعض العلامات تحظى بثقة عالية: «ميدي 1 تي في» في المقدّمة بنسبة ثقة 72%، تليها «الأولى» (70%)، ثم «دوزيم» و«ميدي 1 راديو» و«أخبار SNRT» بنحو 69% لكل منها، و«هسبريس» (67%). أي أن المغاربة يثقون بقنوات بعينها أكثر من ثقتهم بالأخبار «عموماً». ويصف التقرير ذلك ببنية ثقة «مجزّأة» أكثر منها انهياراً شاملاً: الناس يستهلكون الأخبار ويشاركونها ويعلّقون عليها، لكنهم غير مقتنعين بالكثير من المنظومة الإعلامية.
صنّاع المحتوى مقابل الإعلام الرسمي
في هذه الفجوة بين الثقة المنخفضة والحاجة إلى الفهم، صعد صنّاع المحتوى. معلّقون على يوتيوب وأصوات رقمية مستقلّة صاروا أكثر أهمية في شرح السياسة ونقل هموم الناس، بلغة أقرب وأبسط من لغة النشرات الرسمية. ومنهم صحفيون سابقون انتقلوا إلى المنصّات، مثل عودة الصحفي توفيق بوعشرين عبر تعليقات على يوتيوب، إلى جانب قنوات شعبية مثل «آجي تفهم» لمصطفى سوينغا التي تتجاوز مليون متابع.
ويوضّح التقرير أن الجمهور لا يرى هؤلاء بالضرورة أكثر مصداقية من المؤسسات التقليدية، لكنه يجدهم أسرع وأقرب وأسهل فهماً. وهذا ما يفسّر صعودهم: لا لأنهم بديل موثوق تماماً، بل لأنهم يملؤون فراغاً تركه الإعلام الرسمي حين تأخّر في مواكبة قضايا الناس.
وقد ظهر ذلك بوضوح خلال الاحتجاجات. فحين قرّر وزراء التعليق على ما يجري، اختاروا الظهور على قناة «دوزيم»، ثم استخدم وزير الخارجية ناصر بوريطة القناة نفسها للحديث عن قرار مجلس الأمن. خطوات قرأها التقرير كمحاولة متأخّرة لاستيعاب الغضب الشعبي وإعادته إلى لغة أكثر قابلية للضبط؛ فالإعلام الرسمي «ما زال مهماً لرمزيته وشرعيته، لكنه لم يعد يتحكّم بثبات في إيقاع النقاشات الحسّاسة ونبرتها».
بيئة قانونية لا تزال مقيّدة
هذا الانفتاح النسبي لا يجري في فضاء حرّ تماماً. فالبيئة القانونية تبقى محكومة بضوابط ضيّقة. وقد قُدّمت إصلاحات تخصّ المجلس الوطني للصحافة والوضع المهني للصحفيين بوصفها خطوات تحديث، لكنها لم تُفهم دائماً كذلك، إذ اعتبرتها منظمات مثل «المادة 19» تراجعاً عن حرية الصحافة. ويحتل المغرب المرتبة 105 في مؤشر حرية الصحافة العالمي لمنظمة «مراسلون بلا حدود» لعام 2026، برصيد 50.55 من 180.
يلخّص التقرير المشهد المغربي بعبارة دقيقة: النظام الإعلامي «لا ينفتح بوضوح ولا ينغلق تماماً، بل يتكيّف. لكن التكيّف ليس تعدّدية». فما دامت الثقة رقيقة، والمؤسسات حذرة، والنقاش الحسّاس يُستوعب بشكل انتقائي، سيظل الفضاء العام الرقمي في المغرب نشطاً ومجزّأً ومتنازَعاً عليه. وهذه، في جوهرها، قصة عربية أوسع من المغرب: جمهور شاب يبني مساحاته الخاصة على المنصّات، وإعلام تقليدي يلهث ليلحق به.

