لم يعد تدريس الإعلام داخل المدرجات الجامعية مقتصراً على نظريات الاتصال وتاريخ الصحافة، بل امتد إلى تخصصات حديثة تستجيب للتحولات الرقمية وتطور الممارسة المهنية. وبينما تسعى الجامعات المغربية إلى تطوير عرضها التكويني، يبرز سؤال يتجاوز إحداث المسالك الجديدة إلى مدى توافر الكفاءات المؤهلة لتدريسها، ومدى ملاءمة مؤهلات المدرّسين لطبيعة المواد التي يتولون تدريسها.
وتشكل تجارب جامعية، من بينها جامعة محمد الأول بوجدة وجامعة ابن طفيل بالقنيطرة وجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، مدخلاً لمناقشة هذا التحول الذي يوسع مجالات التكوين في الإعلام والاتصال والتواصل الرقمي، غير أن استحداث هذه التخصصات يطرح تحدياً أساسياً يتعلق بتوفير الأطر الأكاديمية القادرة على مواكبتها علمياً ومهنياً وبيداغوجيا، فإحداث شعبة جديدة لا يعني بالضرورة توافر الموارد البشرية المؤهلة لتدريس مختلف وحداتها، وهو ما يثير تساؤلات بشأن التناسب بين سرعة استحداث التكوينات والقدرة على ضمان تأطير متخصص.
ويتفاقم هذا الإشكال حين تُسند بعض المواد الإعلامية إلى أساتذة ينتمون إلى تخصصات أخرى، كالفلسفة، ويحملون شهادات دكتوراه في مجالات لا ترتبط بالإعلام إلا من خلال تقاطعات معرفية جزئية أو موضوعات محدودة، ورغم مشروعية التداخل بين التخصصات الجامعية وأهميته، فإنه لا يكفي وحده لتبرير إسناد مواد متخصصة إلى مدرس يفتقر إلى تكوين متين في مجالها، وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تكفي شهادة الدكتوراه، بصرف النظر عن مجال التخصص ومدى صلته بالمادة، لضمان أهلية تدريس وحدات الإعلام والاتصال؟ أم أن خصوصية هذه الشعب تقتضي معايير أدق تراعي التخصص العلمي الفعلي والكفاءة البيداغوجية والخبرة المهنية، ولا سيما في المواد التطبيقية؟
ولا يستهدف هذا النقاش التقليل من قيمة أساتذة الفلسفة أو الباحثين في العلوم الإنسانية، إذ يمكن لتخصصاتهم أن تسهم بعمق في تدريس فلسفة الإعلام وأخلاقياته وتحليل الخطاب ونظرياته، غير أن الإشكال يبدأ حين يُتخذ التقاطع المعرفي المحدود مبرراً لتدريس مواد تتطلب كفايات مغايرة، مثل التحرير الصحفي والتحقيق والربورتاج والإنتاج السمعي البصري والصحافة الرقمية، فهذه المجالات لا تقوم على المعرفة النظرية وحدها، بل تستلزم الإلمام بتقنيات الممارسة، وتحديات غرف الأخبار، وآليات التحقق من المعلومات، ومتطلبات الإنتاج متعدد الوسائط، لذلك، ينبغي أن يستند معيار الأهلية إلى مدى ملاءمة تكوين المدرّس وخبرته لأهداف المادة، لا إلى مجرد حصوله على شهادة جامعية عليا.
وتتعاظم أهمية هذا النقاش في ظل التحولات التي فرضتها المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، إذ أصبح الصحفي مطالباً بامتلاك مهارات التحقق الرقمي وتحليل البيانات ومواجهة التضليل المعلوماتي وإنتاج مضامين متعددة الوسائط، وتستدعي هذه التحولات تحيين المقررات باستمرار، وتعزيز التدريب الميداني، وإقامة شراكات بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية، ومن ثم، لا يكفي أن تحمل المسالك الجامعية عناوين حديثة، بل ينبغي أن ينعكس هذا التحديث على محتوى التدريس ومؤهلات المؤطرين ووسائل التدريب وطرق تقييم الكفايات المكتسبة.
ولا يكمن الرهان الحقيقي أمام الجامعات المغربية في توسيع خريطة التخصصات فحسب، بل في ضمان التناسب بين طبيعة المسالك ومؤهلات المدرّسين، ويتطلب ذلك وضع معايير واضحة وشفافة لإسناد المواد، تراعي التخصص العلمي والكفاءة البيداغوجية والخبرة المهنية ذات الصلة، مع الاستفادة من التكامل بين الباحثين الأكاديميين والصحفيين الممارسين. فالتجربة الصحفية وحدها لا تضمن القدرة على التدريس، كما أن الشهادة الأكاديمية لا تعني بالضرورة امتلاك المهارات التطبيقية كافة، مثلما أن التقاطع الجزئي بين تخصصين لا يجعل صاحبه مؤهلاً تلقائياً لتدريس جميع موادهما.
ويفرض توسع الشعب الإعلامية في الجامعات المغربية إعادة طرح سؤال الجودة، بدل الاكتفاء بالاحتفاء بتعدد المسالك وحداثة أسمائها، فمن يدرّس الإعلام؟ وعلى أي أساس تُسند المواد؟ وهل تتناسب المؤهلات العلمية والبيداغوجية والمهنية للمدرّسين مع طبيعة التكوينات التي يُفترض أن تؤهل الطلبة لممارسة الإعلام؟ إنها أسئلة لا تستهدف أشخاصاً بعينهم، بل تندرج ضمن مساءلة مؤسساتية ضرورية، لأن مستقبل التكوين الإعلامي لا يتوقف على ما تدرّسه الجامعة فحسب، وإنما أيضاً على كفاءة من يتولى تدريسه وقدرته على إعداد جيل يمتلك المعرفة النقدية والمهارات المهنية اللازمة لممارسة صحافة دقيقة ومسؤولة.

