“سكاي نيوز عربية” بعين واحدة في السودان: الجيش في واجهة الاتهام والدعم السريع خارج العناوين

تغطية "سكاي نيوز عربية" لحرب السودان: الدعم السريع خارج العناوين

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

في 3 سبتمبر 2026 أصدرت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان تقريراً خلاصته، كما لخّصها موقع أخبار الأمم المتحدة في عنوانه، أن “قوى خارجية تغذّي حرب السودان”. وقالت عضو البعثة منى رشماوي إنها حددت “سلسلة عابرة للحدود من الشبكات” تمدّ قوات الدعم السريع بالأفراد والتدريب والسلاح والإمداد، وذكر التقرير كيانات خاصة ومجنِّدين يعملون من الإمارات ضمن شبكات العبور. وفي اليوم التالي نشر موقع “سكاي نيوز عربية” تغطيته للتقرير نفسه تحت عنوان: “تحقيق أممي في تسليح الجيش السوداني وتوصية بحظر شامل للأسلحة”.

لم يكذب المقال في وقائعه. فهو يذكر أن الطرفين ارتكبا انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، ويقرّ في فقرة متأخرة بأن تحقيقات البعثة “ركزت بصورة أساسية على شبكات الدعم الخارجي المرتبطة بقوات الدعم السريع”، وأن التحقيق في الدعم المقدَّم للجيش “لا يزال في مرحلة مبكرة”.

غير أن العنوان يرفع الجزء الأصغر من التقرير إلى الواجهة، ثم يفرد المقال فقرات لتعاون الإمارات مع البعثة، ويختم بمقارنته بموقف ما يسميه “سلطة بورتسودان”. الوقائع صحيحة، لكن ترتيبها يقلب مركز ثقل الوثيقة الأممية رأساً على عقب.

قد تبدو هذه الواقعة تفصيلاً تحريرياً معزولاً، لكن الرصد يقول غير ذلك. فمن 1 إلى 23 سبتمبر نشرت “سكاي نيوز عربية” على قناتها في يوتيوب 378 مادة، منها 22 مادة عن السودان، 15 منها عن اتهام الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية. أما عبارة “الدعم السريع” فلم ترد مرة واحدة في عناوين المواد الـ378 كلها ولا في أوصافها.

وفي الفترة نفسها نشرت القنوات الثماني الأخرى المشمولة بالرصد 117 مادة تحمل اسم الدعم السريع في عنوانها. من هنا السؤال الذي يحاول هذا التقرير الإجابة عنه: هل تغطي “سكاي نيوز عربية” حرب السودان، أم نصفها فقط؟

ولا يكتسب السؤال وزنه من الأرقام وحدها، بل من هوية من يملك الشاشة أيضاً. فالقناة مملوكة بالكامل منذ يونيو 2026 لشركة يملكها الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات. والإمارات دولة تتهمها منظمات حقوقية دولية بتغذية الإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الدعم السريع في دارفور، وتنفي هي ذلك قطعاً. بهذا المعنى لا تغطي القناة حرباً بعيدة عن مالكها، بل حرباً يقف مالكها في قفص الاتهام بشأنها، أمام محاكم الرأي العام على الأقل.

ولأن السؤال لا يُفهم خارج سياقه، كان لا بد من معرفة: كم تحصل حرب السودان من الشاشة العربية أصلاً؟ والجواب الذي تكشفه البيانات قاسٍ على الجميع.

فمنذ السابع من أكتوبر 2023 تتوالى على المنطقة حروب تدفع السودان إلى الهامش، ولم تتجاوز حصته في سبتمبر 2026 نسبة 3% من إنتاج أي قناة كبرى باستثناء “سكاي نيوز عربية” نفسها.

مسح فريق الرصد كل ما نُشر في تبويبات الفيديوهات والمقاطع القصيرة (Shorts) والبث المباشر لتسع قنوات على يوتيوب: الجزيرة، والعربي – أخبار، والعربية، والحدث، والشرق بلومبرغ، وبي بي سي نيوز عربي، وفرانس 24 عربي، ودي دبليو عربية، وسكاي نيوز عربية.

حربٌ على هامش ثلاث حروب

لم يبدأ تهميش السودان في سبتمبر 2026. فحين اندلعت الحرب في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع استأثرت باهتمام واسع في أسابيعها الأولى، لكن بعد ستة أشهر فقط جاء السابع من أكتوبر وحرب غزة، فتراجع السودان إلى هامش الشاشة العربية والدولية على السواء.

ثم جاءت الحرب الثانية. ففي 28 فبراير 2026 بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واتسعت إلى أزمة مضيق هرمز والحصار البحري الأمريكي، وإلى هجمات إيرانية على دول الخليج.

وجاءت بعدها الثالثة، حين تحولت مواجهة الحوثيين والسعودية في سبتمبر 2026 إلى أخطر تصعيد منذ هدنة 2022، مع هجمات على منشآت أرامكو وتقدم نحو باب المندب. ثلاث حروب في ثلاث سنوات، كلٌّ منها أقرب إلى مراكز القرار في المنطقة وأسواق الطاقة من حرب السودان، وكلٌّ منها أخذ من حصته على الشاشة.

حاول “مرصد الإعلام العربي” رصد تغطية السودان خلال شهر سبتمبر 2026 من خلال حسابات القنوات السبع على يوتيوب، ووجد أن حصة السودان نحو 2.0% من إنتاج الجزيرة (125 مادة من نحو 6,300)، و2.3% من إنتاج العربي (131 من نحو 5,700)، و1.5% من إنتاج العربية (77 من نحو 5,200)، و3.1% من إنتاج الحدث (147 من نحو 4,800). وعلى القنوات الناطقة بالعربية من خارج المنطقة كانت الصورة أشد خفوتاً، إذ نشرت بي بي سي عربي 4 مواد فقط، ودي دبليو عربية 8 مواد، ولم ترصد العناوين أي مادة عن السودان على قناتي فرانس 24 عربي والشرق بلومبرغ (المادة الوحيدة لفرانس 24 كانت عن جنوب السودان).

وتتضح دلالة هذه الأرقام حين توضع إلى جانب الحربين الأخريين. فالمواد التي تذكر إيران في عناوينها شكّلت نحو 19% إلى 22% من إنتاج القنوات الأربع الكبرى، أي ما بين 7 و13.5 ضعفاً من حصة السودان، والمواد التي تذكر اليمن أو الحوثيين شكّلت نحو 14% إلى 19%، أي ما بين 5 و10 أضعاف حصته. هذا في وقت تصف فيه الأمم المتحدة، في تصريحات نقلتها القنوات نفسها خلال الفترة، السودان بأنه يواجه أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم. حربٌ تتصدّر النشرات، وأخرى تُذكر حين يتسع الوقت.

شكل 1 — حصة إيران واليمن والسودان من إجمالي ما نشرته كل قناة على يوتيوب، 1–23 سبتمبر 2026. الحصص تقديرية لأن إجمالي الإنتاج مقدَّر بحدود الفترة (بيانات رصد مجهر الصحافة). في القنوات الكبرى تحصل إيران على 7 إلى 13 ضعف حصة السودان، ويحصل اليمن على 5 إلى 10 أضعافها.

وهنا المفارقة الأولى التي تصحّح فرضية رائجة. فالشائع في النقاش السوداني أن “سكاي نيوز عربية” تتجاهل الحرب. لكن الأرقام تقول إنها صاحبة أعلى حصة سودانية بين القنوات التسع، بنحو 5.8% (22 من 378 مادة). ولا يعني ذلك أن السودان حاضر فيها بما يكفي. فإيران وحدها أخذت أكثر من ثلث إنتاج القناة (35.7%)، أي ما يزيد على ستة أضعاف حصة السودان، ومتوسط مشاهدات موادها السودانية نحو 22,500 مشاهدة، أي أقل من نصف متوسط فيديوهات القناة في الفترة نفسها (نحو 48,900). لكنه يعني أن المشكلة ليست في كمّ التغطية. وحتى نعرف أين تكمن، لا بد من أن نسأل: ماذا غطّت كل قناة من الحرب؟

خرائط مختلفة لحرب واحدة

حين صنّفنا المواد الـ514 بحسب محورها الرئيسي، ظهرت لكل قناة خريطة مختلفة للحرب نفسها. في الجزيرة والعربي تتقدم الجبهات: نحو 35% من مواد الجزيرة و44% من مواد العربي عن المعارك والتطورات الميدانية، يليها الوضع الإنساني (23% و18%). أما الحدث فيوزع ثقله بين الحوار والمسار السياسي (22%) والموقف الدولي والتدخل الخارجي (22%)، في مرحلة شهدت إطلاق مبادرة الحوار السوداني ومؤتمر لجنة تهيئته في الخرطوم. وتقترب العربية من الحدث مع ميل أوضح إلى المواقف الدولية (23%).

وتخرج “سكاي نيوز عربية” من هذا النمط كلياً. فملف الأسلحة الكيميائية وحده يستحوذ على 68% من موادها السودانية (15 من 22) خلال فترة العينة، ولا يتجاوز نصيب الميدان والمعارك 9%، ولا تظهر في عناوينها أو أوصافها مادة واحدة مخصصة للوضع الإنساني.

والأوضح من ذلك جغرافيا الغياب. ففي الأسابيع التي أطلق فيها الجيش عملياته في شمال كردفان والنيل الأزرق، وتعرضت مدينة الأبيض لهجمات متكررة بالمسيّرات، نشرت الجزيرة 47 مادة يرد في عنوانها اسم كردفان أو النيل الأزرق أو دارفور أو إحدى مدنها، والعربي 62، والحدث 45، والعربية 27.

ولم تنشر “سكاي نيوز عربية” أي مادة من هذا النوع.

هذه هي الأبيض التي أطلقت بعثة تقصي الحقائق في يوليو 2026 تحقيقاً عاجلاً بشأنها، محذّرة على لسان عضوها منى رشماوي من أنها “يجب ألا تصبح مسرح الجريمة التالي” بعد الفاشر. ويشير تفريغ حلقة “نبض السودان” في 5 سبتمبر إلى أن افتتاحيتها تطرقت إلى تصاعد حرب المسيّرات في كردفان، وهي إشارة ينبغي تسجيلها إنصافاً، لكنها بقيت فقرة داخل حلقة ولم تصبح مادة قائمة بذاتها.

شكل 2 — توزيع مواد السودان على المحاور في القنوات الخمس الأكثر تغطية، 1–23 سبتمبر 2026 (تصنيف آلي للعناوين راجعه فريق مجهر). تتوزع الخرائط الأربع الأولى على الميدان والإنسان والسياسة، بينما يحتل الملف الكيميائي أكثر من ثلثي خريطة “سكاي نيوز عربية”.

اختبار الفاعل الغائب: حربٌ بطرفٍ واحد

لا تنشأ الحرب من طرف واحد، لذا فإن أبسط ما يُطلب من تغطيتها أن يظهر طرفاها معاً. من هنا بنينا الاختبار الأول، وسمّيناه “اختبار الفاعل الغائب”: كم مرة يظهر كل طرف في عناوين القناة، وبأي صفة؟ في القنوات الأربع الكبرى ظهر الدعم السريع في العناوين 115 مرة: 22 في الجزيرة، و42 في العربي، و18 في العربية، و33 في الحدث، وجاء اسمه في 41 منها في سياق هجوم أو انتهاك أو اتهام بجرائم.

أما في “سكاي نيوز عربية” فالرقم صفر، في العناوين والأوصاف معاً، وعلى امتداد المواد الـ378 كلها لا السودانية وحدها.

وفي المقابل ظهر الجيش السوداني وقائده في عناوين القناة وأوصافها في موضع الاتهام بصورة شبه حصرية.

وتتضح دلالة الصفر حين نسرد ما غطّته القنوات الأخرى ولم يظهر على قناة “سكاي نيوز عربية” في يوتيوب. ففي 1 سبتمبر قالت رئيسة مجلس الأمن للعربية والحدث إن قوات الدعم السريع “ترتكب جرائم مروعة في دارفور”. وفي 3 سبتمبر هاجمت قوات الدعم السريع قافلة مساعدات أممية متجهة إلى كادقلي بحسب شبكة أطباء السودان، في خبر نشرته الجزيرة والعربي في 6 مواد. وفي 7 سبتمبر نقلت الجزيرة عن بعثة تقصي الحقائق قولها: “وثقنا إبادة جماعية بالفاشر”. وفي 8 سبتمبر قُتل 13 مدنياً في هجوم بمسيّرة على أم روابة نسبته شبكة أطباء السودان إلى الدعم السريع. وفي 20 سبتمبر نشر الحدث تحقيقاً مصوراً عن معتقلات سرية للدعم السريع، ونقل عن حكومة إقليم النيل الأزرق اتهامها لتلك القوات بارتكاب إبادة جماعية في الكرمك وقيسان. لم تُنشر أي من هذه الوقائع على قناة “سكاي نيوز عربية” في يوتيوب.

أما على مستوى المحتوى، فيُظهر تفريغ مواد تقارير سكاي نيوز أن الدعم السريع ورد مرة واحدة تقريباً، على لسان ضيف من تحالف “تأسيس” الذي يقوده الدعم السريع، وفي سياق الترحيب بالتحقيق الدولي في الكيماوي.

وفي حلقة 7 سبتمبر عرضت القناة، بحسب التفريغ، قصف شاحنتين لبرنامج الأغذية العالمي في الدلنج بمسيّرة نسبتها إلى الجيش. أي أن الاعتداء على الإغاثة حضر حين نُسب إلى الجيش، وغاب قبل ذلك بأربعة أيام حين نُسبت قافلة كادقلي إلى الدعم السريع.

شكل 3 — ثلاثة مؤشرات في عناوين القنوات الخمس الأكثر تغطية، 1–23 سبتمبر 2026 (بيانات رصد مجهر). مواد الحدث والعربية عن الكيماوي كلها تنفي الاتهام، ومواد “سكاي نيوز عربية” كلها تتبناه، فالعمود الذهبي يقيس الاهتمام بالملف لا اتجاهه.

الملف الكيميائي: قصة حقيقية بمنبر واحد

في مايو 2025 أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها خلصت إلى أن “حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في 2024″، وفرضت عقوبات على هذا الأساس.

وفي 5 سبتمبر 2026 نشرت صحيفتا واشنطن بوست ونيويورك تايمز تحقيقين منفصلين استندا إلى نحو 150 وثيقة وصورة وتسجيل صوتي وآلاف الرسائل النصية، وتحدثا عن مخزون يقارب 300 ذخيرة كلور.

في المقابل رفض الجيش الاتهامات ووصف المواد المنشورة بأنها تفتقر إلى “أساس إثباتي مادي”، ولم تؤكد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الاتهامات علناً حتى تاريخ الرصد. أي أن القناة التي تغطي هذا الملف تمارس عملاً صحفياً مشروعاً.

المشكلة إذن في ثلاثة أمور أخرى. أولها التناسب. فمن بين 23 مادة عن الملف الكيميائي نشرتها القنوات التسع كلها، نشرت “سكاي نيوز عربية” 15 مادة، أي نحو 65%، ونُشر نحو نصفها (8 مواد) في يومي 5 و6 سبتمبر وحدهما. لم تكن القناة تغطي ملفاً ضمن ملفات الحرب، بل جعلت هذا الملف هو الحرب كما تُعرض على جمهورها.

وثانيها المنبر، وهو موضوع الاختبار الثاني الذي سمّيناه “اختبار المنبر”: من يُمنح حق الكلام؟

المواد الـ22 تمكن نسبة 19 ظهوراً إلى ضيوف محددين. سبعة منها لقيادات في التحالف المدني “صمود”، وثلاثة لحسب النبي محمود، رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية وعضو الهيئة القيادية لتحالف “تأسيس” الذي يقوده الدعم السريع ويرعى حكومته الموازية. وظهوران لضيف قدّمته القناة بوصفه “المختص في الشؤون السودانية خالد عمر”، في حين تستضيف القناة في مواد أخرى على موقعها “خالد عمر يوسف”، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في “صمود”، وهم متهمون بالقرب والشراكة مع الدعم السريع.

وفي المقابل كان عدد الضيوف من الجيش أو الحكومة السودانية أو المؤيدين لهما صفراً. ولم يرد موقف الحكومة إلا مرتين، في جملة واحدة تذكر أنها “تنفي” أو “ترفض”.

شكل 4 — توزيع ظهور الضيوف في مواد “سكاي نيوز عربية” عن السودان بحسب انتماءاتهم، 1–23 سبتمبر 2026 (بيانات رصد مجهر). من 19 ظهوراً لم يُمنح أي ظهور للطرف المتهم.

وهنا تمييز يقتضيه الإنصاف. فتحالف “صمود” تحالف مدني مناهض للحرب، يرفض الطرفين معاً ويطالب بإخراج العسكريين من السياسة، والجيش يتهمه بموالاة الدعم السريع بينما ينفي هو ذلك، أما “تأسيس” فهو التحالف السياسي الذي يقوده الدعم السريع نفسه. فالسؤال لا يتعلق بمشروعية أي صوت منفرداً، بل بتركيبة المنبر كله: ملف اتهام موجّه إلى طرف بعينه، يناقشه خصوم ذلك الطرف وحدهم، بلا صوت يمثل المتهم.

وثالثها ما يمر بلا تمحيص: دعا ضيوف سكاي نيوز إلى تصنيف الجيش “منظمة إرهابية”، وإحالة قائده ونائبه إلى المحكمة الجنائية الدولية. وقال حسب النبي محمود إن البرهان “لا يملك قرار الحرب” وإنه يأتمر بأمر علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية.

وهذه اتهامات تصدر عن طرف خصم ولا تُعدّ معلومات موثقة، ومع ذلك لم يظهر صوت يعترض عليها أو سؤال يختبرها.

اختبار العنوان: ما الذي يُختار من التصريح

الاختبار الثالث أدق من الاختبارين السابقين، لأنه يتعلق بما تختاره القناة من الكلام الصحيح نفسه. في 19 سبتمبر بثّت “سكاي نيوز عربية” مقابلة مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، بعنوان: “مسعد بولس: لا نعترف بحكومة السودان”. والعبارة قيلت فعلاً. لكن بولس قال في المقابلة نفسها، بحسب ما نقله راديو تمازج، إن واشنطن “لا تعترف بأي حكومات موازية” وتعارض التقسيم. وقال بحسب التفريغ إن 12 دولة تمدّ الطرفين بالسلاح، وطالب بحظر شامل له. وقال إن الأطراف المتحاربة لا مكان لها في مستقبل السودان، ورفضَ الحكومات الموازية. أما العنوان، وهو ما يراه معظم الجمهور، فاختار النصف الموجّه إلى الجيش وحده.

وللمعجم دلالته أيضاً. ففي مواد “سكاي نيوز عربية” السودانية ترد عبارتا “جيش البرهان” و”كيماوي البرهان” في العناوين، و”سلطة بورتسودان” و”حكومة بورتسودان” في الأوصاف، بينما مواد القنوات الثماني تستخدم “الجيش السوداني” و”الحكومة السودانية”. وللتعبيرين وظيفة واضحة: الأول يحوّل مؤسسة الدولة إلى جيش رجل واحد، والثاني يحوّل الحكومة التي تشغل مقعد السودان في الأمم المتحدة إلى سلطة محلية في مدينة. ويورد التفريغ تعبيراً أشد، هو “عصابة بورتسودان”، في مادة 15 سبتمبر، لكن لم يتضح منه ما إذا كان التعبير على لسان القناة أم على لسان ضيفها.

من يملك العدسة؟

لا يمكن فصل ما سبق عن سياق الملكية وسجل القناة. ففي 1 يونيو 2026 انسحبت مجموعة “سكاي” البريطانية من الشراكة، وانتقلت السيطرة الكاملة على القناة إلى شركة أبوظبي للاستثمارات الإعلامية (International Media Investments – IMI)، المملوكة للشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات، مع احتفاظ القناة بالعلامة بموجب ترخيص.

وجاء الانسحاب بعد أشهر من الجدل حول تغطية السودان تحديداً. فقد نقلت صحيفة التلغراف عن مسؤولين تنفيذيين سابقين في “سكاي” أن القناة أصبحت “منصة دعائية لقيادة الإمارات”، وأن مجلس رقابتها التحريرية “بلا سلطة حقيقية”، ثم أفادت الصحيفة في مارس 2026 بأن “سكاي” قررت عدم تجديد ترخيص العلامة.

وللجدل وقائع محددة. ففي نوفمبر 2025 حظرت الحكومة السودانية القناة بعد تقرير لها من الفاشر، ظهرت فيه المذيعة تسابيح مبارك خاطر مع ضابطة في الدعم السريع متهمة بالتحريض على العنف الجنسي، بعد أسابيع من سقوط المدينة. وذكر موقع ميدل إيست آي أن زوج المذيعة، إبراهيم الميرغني، سياسي انحاز إلى الدعم السريع ووقّع على تحالف حكومته الموازية.

ولا يكتمل السياق دون ما تقوله المنظمات الحقوقية عن الدولة المالكة. ففي يناير 2025 خلصت وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية في دارفور، وفي فبراير 2026 وجدت بعثة تقصي الحقائق الأممية “سمات الإبادة الجماعية” في ما جرى في الفاشر. وعلى هذه الخلفية وصفت منظمة اللاجئين الدولية (Refugees International) الإمارات في أبريل 2026 بأنها “تواصل تغذية الإبادة الجماعية في السودان”، ودعت منظمة “الديمقراطية للعالم العربي الآن” (DAWN) في يوليو 2026 إلى حظر السلاح على الإمارات “لمساعدتها في الإبادة”. وفي يونيو 2026 أحال تحالف منظمات بقيادة مركز راؤول والنبرغ لحقوق الإنسان مسؤولين إماراتيين كباراً إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة المساعدة على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، فيما سمّى بلاغ منفصل قدّمه ناجون سودانيون الشيخ منصور بن زايد نفسه، مالك القناة. وسبق ذلك أن وثقت منظمة العفو الدولية في مايو 2025 أسلحة صينية متطورة وصلت إلى الدعم السريع عبر الإمارات، وفي 8 سبتمبر 2026 قالت هيومن رايتس ووتش إن أفراداً وكيانات تعمل من الإمارات أدوا “دوراً مهماً” في تجنيد مرتزقة كولومبيين قاتلوا مع الدعم السريع ونشرهم. في المقابل، تنفي الإمارات ذلك كله.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي