صحفي مشطوب من نقابة الصحفيين يحاكم محرري “متصدقش” على شاشة عمرو أديب

عبد الرحيم علي يحاكم صحفيي "متصدقش" على شاشة عمرو أديب

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

مساء 2 أكتوبر 2026، استضاف الإعلامي عمرو أديب، عبر شاشة “إم بي سي مصر”، عبد الرحيم علي للحديث عن المنصة المصرية التي اعتقلت السلطات 6 من صحفييها، وتضمنت المداخلة تسجيلات هاتفية وحديثًا عن التمويل والعلاقات السياسية وتدريبات العاملين، قُدّمت ضمن رواية تؤيد التحرك الأمني ضدهم.

وفي اليوم التالي، تقدمت نقابة الصحفيين بطلبين إلى النائب العام ونيابة أمن الدولة العليا، لاستيضاح حقيقة الأخبار المنشورة عن حبس الصحفيين 15 يومًا، وقالت إنها لم تُخطر بمكان احتجازهم أو التحقيق معهم، ولم تطّلع على رقم القضية أو لائحة الاتهامات، رغم توجه وفد منها إلى النيابة وطلبه حضور التحقيقات.

في هذا التوقيت، أُتيحت لعبد الرحيم علي، الذي قررت نقابة الصحفيين شطبه من جداولها في يناير 2026، مساحة لعرض اتهاماته، بينما ظل الصحفيون المحتجزون غائبين عن النقاش، ولم يتمكن محاموهم من معرفة الأساس الذي يُحتجزون بموجبه.

وتكشف المداخلة كيف جرى الجمع بين تسجيلات قديمة وعلاقات سياسية وأدوات بحث صحفي، ثم تقديمها باعتبارها تفسيرًا للاعتقال، من دون أن يثبت هذا الجمع، في ذاته، مسؤولية أي من الصحفيين الستة عن فعل محدد.

“قطع أصابع الداخل”: الاعتقال بوصفه رسالة

نقل موقع “مصراوي” عن عبد الرحيم علي قوله إن الأمن المصري رصد الصلة بين الخارج والداخل، وقرر أن “يقطع أصابع الداخل”، في سياق حديثه عن توجيه رسالة إلى الخارج، وقدّم التحرك الأمني باعتباره مواجهة لمحاولات الإضرار بالأمن القومي.

تحمل العبارة موقفًا واضحًا من الاعتقال، فالصحفيون يظهرون فيها بوصفهم امتدادات لجهة خارجية، ويصبح احتجازهم وسيلة لمعاقبة تلك الجهة أو تحذيرها، أما أفعالهم الفردية والأدلة المتعلقة بكل منهم، فتتراجع أمام هذا الوصف الجماعي.

وهنا كان على المذيع أن يطلب من ضيفه تفسيرًا محددًا: ما الفعل المنسوب إلى كل صحفي؟ وما الدليل عليه؟ وكيف يثبت أن عمله جزء من نشاط مخالف للقانون؟

هذه الأسئلة ضرورية لأن وصف المحتجزين بأنهم “أصابع” لجهة خارجية يمنح الاعتقال مبررًا قبل فحص الوقائع، ويشجع المشاهد على قبول الاتهام من خلال اللغة المستخدمة في تقديمه.

أدوات التحقق تصبح سببًا للشبهة

تناول عبد الرحيم علي حصول العاملين على تدريبات للتعرف على الأشخاص من صورهم وصور أقمار صناعية ومعلومات لتتبع الطائرات وأبراج المراقبة، واعتبرها أنشطة تتجاوز طبيعة العمل الصحفي.

لكن صور الأقمار الصناعية وبيانات حركة الطائرات تدخل ضمن أدوات التحقيق الصحفي المعتمد على المصادر المفتوحة، وتنشر الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية أدلة لتتبع الطائرات، كما تقدم تدريبات على استخدام صور الأقمار الصناعية في توثيق التغيرات على الأرض وكشف انتهاكات حقوق الإنسان.

وجود هذه الأدوات لدى صحفي، أو حصوله على تدريب لاستخدامها، لا يشير إلى أي مخالفة، فهي أدوات صحفية تستخدم في كل غرف الأخبار، وإذا كان الاتهام يتعلق باستخدام بعينه، فالمطلوب تحديد ذلك الاستخدام والأدلة عليه، بدل الاكتفاء بأسماء تقنيات قد تبدو غامضة لبعض المشاهدين.

وكان هذا التمييز من مسؤولية أديب وفريق البرنامج، فحين تُعرض أدوات التحقق بوصفها قرائن اشتباه من دون شرح استخداماتها المهنية، يتلقى الجمهور صورة مضللة عن طبيعة الصحافة نفسها.

يمتد أثر هذا الطرح إلى كل صحفي يحاول اختبار رواية رسمية أو الوصول إلى معلومات مستقلة، إذ يجعل تطوير مهاراته البحثية سببًا للارتياب فيه، ويضيّق المساحة المقبولة لعمله حتى تكاد تقتصر على تلقي البيانات وإعادة نشرها.

مكالمة من 2011 لا تثبت اتهامات في 2026

عرض عبد الرحيم علي 4 تسجيلات نسبها إلى عبد الرحمن منصور، وقال إنه يمتلك نحو 500 مكالمة تخصه، ومن بينها اتصال بخيرت الشاطر، نائب مرشد جماعة الإخوان المسلمين، قال إنه يعود إلى مارس 2011.

يفصل هذا التاريخ نحو 15 عامًا عن الاعتقالات، ونحو 7 سنوات عن تأسيس “متصدقش” في 2018، بحسب بيان مشترك نشرته منظمات حقوقية بشأن القضية.

حتى بافتراض صحة التسجيل ونسبته وتاريخه، فإن دلالته تظل مرتبطة بمضمونه وسياقه، ولا تكفي مكالمة مع قيادي سياسي لإثبات تبعية مؤسسة تأسست بعد سنوات، أو لإسناد مسؤولية إلى العاملين فيها.

كما استند علي، بحسب التغطية المنشورة، إلى مقابلات سابقة تحدث فيها منصور عن علاقته بالإخوان، لكن حتى ثبوت انتماء سياسي سابق لشخص لا يحسم طبيعة مؤسسة ارتبط بها لاحقًا، ولا يثبت ارتكاب صحفييها جرائم.

كان يلزم توضيح الصلة بين هذه المواد والوقائع المنسوبة إلى المحتجزين، فكل انتقال من علاقة شخصية إلى تبعية مؤسسية، ثم إلى مسؤولية فردية، يحتاج إلى دليل مستقل.

أما القول بامتلاك 500 مكالمة، فيفتح سؤالًا آخر عن مصدرها وطريقة الحصول عليها، ولا يمنح صاحبها، بمجرد كثرتها، دليلًا على صحة الاستنتاجات التي يعرضها، بل يفترض أن يتعرض هو للمحاسبة للتجسس على المكالمات الشخصية.

التسجيلات نفسها تحتاج إلى فحص

لا تتوافر في المواد المنشورة التي استندت إليها هذه القراءة معلومات مؤكدة عن الجهة التي سجلت المكالمات أو الظروف التي أُجري فيها التسجيل، ولذلك لا يمكن الجزم بمصدرها أو بمشروعية تسجيلها ونشرها.

وتحمي المادة 57 من الدستور المصري خصوصية الاتصالات وسريتها، وتقيد مراقبتها أو الاطلاع عليها بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون، أما تحديد المسؤولية القانونية عن تسجيل معين أو إذاعته، فيحتاج إلى معرفة ملابساته.

مهنيًا، كان على البرنامج التحقق من أصالة التسجيلات واكتمالها، وتوضيح سياقها وصلتها بالاتهامات المعروضة، وإتاحة الرد لمن نُسبت إليهم.

فقد يكون التسجيل صحيحًا، بينما يكون الاستنتاج المبني عليه مضللًا، بسبب اجتزائه أو تجاهل زمنه أو تحميله معنى لا يثبته، ولهذا لا تنتهي مهمة البرنامج عند التأكد من هوية المتحدث وتشغيل المقطع على الهواء.

مسؤولية أديب وفريق البرنامج

البحث في تمويل “متصدقش” وملكيتها وعلاقات القائمين عليها موضوع مشروع للعمل الصحفي، مثلما تخضع المؤسسات الإعلامية الأخرى للمساءلة، لكنه يتطلب مستندات واضحة، وشرحًا لما تثبته، وردودًا من المعنيين، وتمييزًا بين مسؤولية المؤسسة ومسؤولية كل فرد يعمل فيها.

وتزداد هذه المتطلبات حين تتزامن التغطية مع احتجاز أشخاص لا يستطيعون عرض روايتهم، فغيابهم يحمّل المذيع مسؤولية أكبر في اختبار الاتهامات، والتمييز بين ما يقوله الضيف وما تدعمه الأدلة.

في المواد المعروضة عن المداخلة، استُخدمت علاقات قديمة وتسجيلات وتدريبات صحفية لبناء رواية تؤيد الاعتقال، لكن الصلة بين هذه العناصر وفعل محدد ارتكبه كل صحفي بقيت بحاجة إلى إثبات.

هذه هي مسؤولية “الحكاية” التحريرية: أن يشرح للمشاهد ما تثبته المواد التي يبثها، وأين تقف حدودها، ونسبة الاتهامات إلى عبد الرحيم علي لا تعفي عمرو أديب وفريقه من مسؤولية اختيارها وطريقة تقديمها والأسئلة التي كان ينبغي توجيهها إلى صاحبها.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي