في الحادي والثلاثين من مايو، التاريخ الذي يصادف عيد الإعلاميين وذكرى أول نداء “هنا القاهرة” قبل اثنين وتسعين عاماً، أطلق التلفزيون المصري برنامجه الحواري الجديد “من ماسبيرو“. لم يكن اختيار التوقيت عابراً، بل كان رسالة محسوبة: المؤسسة العريقة تريد أن تربط عودتها إلى ساحة المنافسة بلحظة تأسيسية في وجدان المصريين، وأن تذكّر الجمهور بأن الشاشة التي تخاطبه اليوم امتداد للإذاعة التي صنعت الذاكرة الجمعية للأمة طوال قرن تقريباً.
البرنامج، الذي وصفه القائمون عليه بأنه أكبر برنامج حواري مسائي على التلفزيون المصري، جاء ثمرة تحضيرات امتدت ثلاثة أشهر بإشراف الكاتب الصحفي محمود التميمي وبتكليف من رئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني، ويقدّمه أربعة من الإعلاميين هم رامي رضوان ومريم أمين وأحمد سمير وجومانة ماهر، تحت شعار “من الناس لكل الناس“. وقد تصدّر البرنامج فور انطلاقه تريند منصة إكس في مصر والسعودية، في مؤشر على نجاح حملة الإطلاق وقدرتها على استدعاء رموز ماسبيرو القديمة — محمود سعد وسناء منصور وأسامة كمال وهالة أبو علم — لتقديم الجيل الجديد في مشهد عاطفي مشحون بالحنين والدموع.
لكن وراء حفلة الافتتاح وزخمها سؤالان أعمق لا تجيب عنهما لغة الاحتفال، وهما اللذان يحدّدان قيمة المشروع الحقيقية.
السؤال الأول: سقف لا يُرى
أي تقييم مهني لبرنامج حواري يبدأ من مساحة الحرية المتاحة له، ومن هنا يصطدم “من ماسبيرو” بأكثر مما تحتمله شعاراته. فالبرنامج يُولد داخل بيئة إعلامية مصرية باتت توجيهاتها معروفة في الأوساط المهنية حتى صار لها اسم متداول: “إعلام السامسونج“. والمصطلح وُلد من زلة مذيعة في قناة إكسترا نيوز حين أنهت خبر وفاة الرئيس الأسبق محمد مرسي بعبارة “مُرسَل من جهاز سامسونج“، لتكشف من حيث لا تدري أن المحتوى يُجهَّز ويُرسَل جاهزاً من جهات بعينها إلى الشاشات لبثّه كما هو. لم يعد المصطلح نكتة عابرة، بل صار توصيفاً دقيقاً لآلية اشتغال الحقل الإعلامي: رسالة تصل، فتُقرأ.
في هذا السياق يصبح شعار “من الناس لكل الناس” موضع اختبار قاسٍ. فقيمة أي توك شو تُبنى على التوتر الخلّاق بين المذيع وضيفه، وبين الشاشة والسلطة، وهو توتر يصعب توافره حين يكون السقف معروفاً سلفاً ومرسوماً من خارج غرفة الأخبار. وحين يطالب رئيس الهيئة فريق العمل بأن يكون “المحتوى هو جوهر العمل“، يبقى السؤال المعلّق: أي محتوى يمكن أن يكون جوهراً حين تُحدَّد حدوده قبل أن يُكتب؟ البرامج التي تنشأ في ظل هذا السقف لا تُقاس بما تقوله، بل بما يُسمح لها بأن تقوله، وهذه مسافة لا يردمها حنينٌ ولا دموعُ عودة.
السؤال الثاني: منافسة وهمية بين أدوات جهاز واحد
يُسوَّق “من ماسبيرو” بوصفه عودة التلفزيون الرسمي العتيق إلى منافسة القنوات “المستقلة” أو الخاصة التي اكتسحت سوق التوك شو المسائي طوال السنوات الماضية. غير أن وصف هذه القنوات بـ“المستقلة” هو جوهر المفارقة التي يقوم عليها المشهد كله. فالقنوات الكبرى التي يُفترض أنها المنافس — “سي بي سي” و“دي إم سي” و“أون” و“الحياة” وسواها — تقع كلها تحت إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، المملوكة لجهاز المخابرات العامة، والتي استحوذت منذ ظهورها عام ٢٠١٦ على غالبية القنوات والصحف والمواقع الخاصة، حتى صارت المهيمن الأكبر على المحتوى الإعلامي في البلاد.
وهنا تكتمل المفارقة على نحو يكاد يكون عبثياً: الشركة المتحدة نفسها هي التي تعاقدت على تطوير القناة الأولى في التلفزيون المصري على مدى سنوات. أي أن الطرفين اللذين يُفترض أنهما يتنافسان الليلة — ماسبيرو الرسمي من جهة، والقنوات “الخاصة” من جهة أخرى — يعودان في نهاية خيوط الملكية إلى مركز واحد. فالدولة تملك ماسبيرو عبر الهيئة الوطنية للإعلام، وجهازها السيادي يملك الشبكة الخاصة عبر المتحدة، والأصوات التي تظهر على الشاشتين تخضع في المحصلة لما تسمح به الأجهزة ذاتها.
فلماذا إذن خطّان متوازيان لمالك واحد؟ السؤال مشروع، والإجابة عنه تتجاوز حدود المعلوم الموثّق إلى التحليل. غير أن المنطق المهني يشير إلى أن تعدد الواجهات تحت ملكية واحدة يخدم وظيفتين: الأولى إيهام الجمهور بوجود تعددية وتنافس يمنحان المشهد مظهر الحيوية، والثانية توزيع الأدوار والنبرات بين منصات تبدو مختلفة بينما تصدر عن المرجعية نفسها. وفي هذا الإطار، فإن “منافسة” ماسبيرو للقنوات الخاصة ليست صراعاً على الجمهور بقدر ما هي إعادة توزيع لحصص السوق داخل البيت الواحد، بل ربما محاولة لاستعادة العلامة التجارية العريقة “ماسبيرو” بوصفها رصيداً رمزياً تعجز القنوات الحديثة عن ادعائه.

