في يومهم.. صحفيو مصر خلف القضبان

في يومهم… صحفيو مصر خلف القضبان

تحتفل مصر في العاشر من يونيو من كل عام بما يُعرف بـ«يوم الصحفي المصري». مناسبة من المفترض أن تكون للتهنئة. لكنها هذا العام أقرب إلى وقفة أمام مرآة. ففي اليوم نفسه الذي نحتفي فيه بالمهنة، يجلس عدد من أبنائها في زنازين منذ سنوات. والمسافة بين ما يقوله الدستور وما يحدث على الأرض صارت واسعة إلى حد أن مجرد التذكير بها بات فعلًا يحتاج إلى شجاعة.

والأرقام هنا ليست مبالغة. ففي حصادها لشهر أبريل 2026، رصدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات أن أكثر من 20 صحفيًا خلف القضبان على ذمة قضايا سياسية، بعضهم محبوس احتياطيًا منذ سنوات دون إحالة إلى محاكمة، وبعضهم بأحكام من دوائر أمن الدولة الاستثنائية. وفي تقرير لجنة حماية الصحفيين لعام 2025، جاءت مصر في المرتبة السادسة عالميًا من حيث عدد الصحفيين المسجونين، بإجمالي 24 صحفيًا. أما مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن «مراسلون بلا حدود»، فوضع مصر في المركز 170 من أصل 180 دولة، في خانة «السيئ جدًا».

لكن خلف كل رقم اسم وحكاية. الصحفي أحمد سبيع. قبضت عليه قوات الأمن في فبراير 2020 وهو يشيّع جنازة المفكر محمد عمارة، وأُدرج على القضية رقم 1360 لسنة 2019 أمن دولة، بتهمة نشر أخبار كاذبة. ومنذ ذلك اليوم لم يخرج. أمضى أكثر من ستة أعوام في الحبس الاحتياطي وحده، قضى جزءًا طويلًا منها دون زيارة واحدة، ولم يرَ محاميه وجهًا لوجه إلا مرة يتيمة على مدى عامين كاملين. وهذه ليست تجربته الأولى مع السجن؛ فقد سبق أن قضى خمس سنوات في قضية أخرى قبل أن يُبرّأ منها. تقول زوجته في جملة تختصر القصة كلها: سنوات من عمرنا تُؤخذ لأنه «حضر جنازة». الصحافة، في حالته، ليست مهنة بل تهمة.

وسبيع ليس وحده. رسّام الكاريكاتير والمترجم أشرف عمر اقتيد من منزله في يوليو 2024، واختفى يومين خارج القانون قبل أن يظهر أمام نيابة أمن الدولة، وما زالت محاكمته تُؤجَّل بتهم تتصل بالتمويل. والصحفي أحمد بيومي قُبض عليه في سبتمبر 2024 واختفى 47 يومًا لم تعرف أسرته خلالها مكانه. والكاتب سيد صابر جُدّد حبسه بسبب منشور على صفحته. أسماء مختلفة، لكن النمط واحد: قبض من المنزل، فاختفاء قسري يحرّمه القانون الدولي، فتهمة جاهزة من قاموس قصير لا يتغير.

والعقوبة لا تتوقف عند جدران الزنزانة. حين يُمنع الصحفي من الزيارة سنوات، وتُحرم أسرته من رؤيته، يصبح العقاب موجّهًا إلى البيت كله. زوجة سبيع تكتب أن أبناءها كبروا بلا أب، يشعرون باليُتم وهو حي. وهذا بالضبط ما يجعل العقاب رسالة لمن هم خارج السجن، أكثر منه عقابًا لمن هم بداخله.

القانون نفسه يكرّس هذه المفارقة. الدستور المصري يمنع، كقاعدة عامة، حبس الصحفي في قضايا النشر، ويكفل حرية الصحافة ويحظر الرقابة عليها. لكن قانون العقوبات ما زال يحتفظ بمواد تعاقب الصحفي بالسجن. وفي مايو 2026 رفضت المحكمة الدستورية العليا طعنًا على دستورية مواد تجرّم سب الموظف العام وتشدّد العقوبة إذا جاء النقد عبر النشر. وفي المقابل، غابت قوانين وعد بها أهل المهنة منذ سنوات: قانون يضمن حرية تداول المعلومات، وقانون يحسم منع حبس الصحفيين في قضايا النشر. نقيب الصحفيين نفسه جعل من إصدار هذين القانونين أول خطوة في خارطة إنقاذ المهنة، وهو اعتراف بأنهما ما زالا غائبين.

ثم يأتي الجانب الاقتصادي ليكمل الصورة. في مايو 2026 أصدر صحفيو جريدة «الفجر» بيانًا قالوا فيه إنهم لم يتقاضوا رواتبهم منذ ما يقارب عامًا كاملًا، وإن نسختهم الورقية توقفت، وإن بينهم من يعمل سنوات بلا تعيين أو عقد. ومن يطالب بأبسط حقه قد يجد نفسه في موضع المساءلة. صحيح أن محكمة في شمال الجيزة قضت في الشهر نفسه بتعويض صحفية فُصلت تعسفيًا، استنادًا إلى الحد الأدنى للأجور المقرر قانونًا. لكن الحكم نفسه يكشف، من حيث أراد الإنصاف، حجم الهشاشة التي يعمل في ظلها كثيرون.

وفي الوقت نفسه يتسع نشاط الجهات المنظِّمة للإعلام. المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أصدر خلال شهر واحد سلسلة قرارات بالمنع والحجب والتغريم: منع تداول محتوى بعينه، حجب حسابات، تغريم قناة، إلزام الوسائل بمنع ظهور أشخاص. بعض هذه القرارات له ما يبرّره مهنيًا. لكن تراكمها يصنع بيئة يحسب فيها الصحفي خطوته قبل أن يخطوها. هذا ما يسميه أهل المهنة، بلغة مهذبة، «الرقابة الذاتية».

ومع هذا كله، ما زال هناك من يكتب. عشرات الصحفيين يواصلون عملهم على طريق مفروش بالشوك، يوثّقون ويسألون ويحلّلون رغم ثمن السؤال. هؤلاء هم المعنى الحقيقي ليوم الصحفي المصري؛ ليس الاحتفال، بل الإصرار. ويوم يخرج آخر زميل من قضية نشر، وتصدر القوانين الموعودة، ويأمن من يكتب على رزقه، يصير لهذا اليوم اسم يليق به. إلى أن يحدث ذلك، تبقى التحية واجبة لكل من يكتب صحافة حقيقية، ويبقى السؤال معلقًا: متى نحتفي بالصحفي وهو حر؟

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي