متى تعلن وسيلة إعلامية تأييدها لمرشح؟ درس من انتخابات أوهايو

متى تعلن وسيلة إعلامية تأييدها لمرشح؟ درس من انتخابات أوهايو

Author

  • فريق مرصد الإعلام العربي

    منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

في أغسطس 2026، طلب قراء صحيفة “بلاين ديلر” في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو الأمريكية من محرريها أن يولوا اهتمامًا أكبر لانتخابات القضاة والمناصب المحلية، حيث يصعب على الناخب العثور على معلومات تعينه على الاختيار، واستجابت الصحيفة، فأعلنت أنها ستمتنع عن تأييد مرشحين في سباقَي حاكم الولاية ومجلس الشيوخ، لكن في 25 أكتوبر، نشرت هيئة تحريرها افتتاحية دعت فيها الناخبين صراحة إلى انتخاب الديمقراطية إيمي أكتون حاكمة لأوهايو.

ما الذي تغيّر في شهرين؟ بحسب رئيس التحرير كريس كوين، عاد قراء إلى الصحيفة يطلبون منها هذه المرة أن تتخذ موقفًا، بعدما استخدمت حملة المرشح الجمهوري فيفيك راماسوامي قصة اعتداء جنسي تعرضت له أكتون في طفولتها للطعن في صدقها، وفي مقال نشرته مجلة “كولومبيا جورناليزم ريفيو” في 30 أكتوبر، دافعت سوزي بانيكاريم عن قرار الصحيفة، ونقلت عن كوين قوله إن السياسة التي اتفقت عليها مع قرائها كانت تناسب منافسة انتخابية عادية، أما ما فرضه الإعلان، في تقديره، فكان قرارًا أخلاقيًا.

من إدانة الإعلان إلى تأييد المنافسة

ظهرت والدة أكتون في الإعلان الانتخابي لتتهم ابنتها بالكذب بشأن ماضيها، ولفتت بانيكاريم إلى سياق غيّبه هذا الاتهام، فالقطيعة بين الأم وابنتها مستمرة منذ نحو نصف قرن، وكانت الأم قد وقفت إلى جانب زوجها حين وُجه إليه اتهام باغتصاب أكتون وهي في الثانية عشرة من عمرها.

كان بوسع الصحيفة أن تدين استخدام تلك الواقعة في الدعاية الانتخابية وتنتهي عند ذلك، وهذا تحديدًا موضع الجدل، فالحكم على إعلان لا يحسم وحده مسألة أهلية المرشحة الأخرى للحكم، ومن يقرأ الافتتاحية الأصلية يجد أن محرريها أدركوا أن الانتقال من الإدانة إلى التأييد يحتاج إلى حجة إضافية

استندت الهيئة إلى سجل أكتون في إدارة الصحة بالولاية خلال الجائحة، وإلى لقاءاتها مع السكان، ثم ذكّرت القراء بعمل صحفي أتاحت لهم من خلاله المقارنة بأنفسهم، فقد جمعت أسئلتهم عما ينتظر الحاكم المقبل، وخصصت لها سلسلة من 15 جزءًا، شاركت فيها أكتون ومرشح الحزب الليبرتاري دون كيسيك، فيما امتنع راماسوامي عن الإجابة، وشرحت الهيئة أيضًا لماذا لم تقنعها إجابات كيسيك رغم مشاركته، وهكذا استطاع القارئ أن يميّز بين الواقعة التي دفعت الصحيفة إلى تغيير سياستها والأسباب التي بنت عليها اختيارها

مَن يتحدث باسم الصحيفة؟

في نهاية الافتتاحية وضعت “بلاين ديلر” توضيحًا قصيرًا يكتسب أهمية خاصة حين ينتقل الخبر إلى لغة أخرى، فالافتتاحيات، ومنها ما يؤيد مرشحًا، تعبّر عن رأي هيئة تضم قيادات تحريرية وكتّاب افتتاحيات، وتُنشر من دون توقيع فردي لأنها تمثل موقف المؤسسة، ومن ثم فإن عبارة “هيئة تحرير الصحيفة تؤيد أكتون” أدق من عبارة توحي بأن مراسليها تبنّوا المرشحة أو أن موادهم الإخبارية أصبحت تعبيرًا عن هذا الاختيار

يمنح الإعلان القارئ فرصة لمحاسبة الصحيفة على المعيار الذي اختارته، لكنه يحمّلها أيضًا عبئًا مهنيًا في اليوم التالي، فكيف سيتلقى الناخب تحقيقًا يدين المرشح الذي أوصت بالتصويت ضده؟ وماذا لو وصل إلى غرفة الأخبار مستند يحرج المرشحة التي أيدتها؟ هنا يستطيع الناخب اختبار استقلال التغطية من خلال ما تنشره الصحيفة عن الطرفين، وما تتيحه لكل منهما من حق الرد

وللامتناع عن التأييد جدله أيضًا، فقبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2024، أعلنت “واشنطن بوست” أنها ستتوقف عن تأييد مرشحين للرئاسة، بعدما أعدّ محررو الرأي افتتاحية تؤيد كامالا هاريس، وبحسب “كولومبيا جورناليزم ريفيو”، اتخذ المالك جيف بيزوس القرار، ودافع عنه لاحقًا مقرًّا بأن توقيته أثار انتقادات، وكان الفارق بين الحالتين في هوية صاحب القرار وتوقيته بقدر ما كان في مضمونه، ففي كليفلاند شرحت الهيئة علنًا لماذا غيّرت سياستها، وفي واشنطن دار الخلاف حول سلطة المالك في وقف افتتاحية قبل الاقتراع بأيام

كيف نقرأ التأييد في الصحافة العربية؟

يتغير معنى التأييد بحسب المؤسسة التي تعلنه، فالقارئ يعرف كيف يفسّر دعوة صحيفة حزبية إلى انتخاب مرشح حزبها، لكنه يحتاج إلى تفسير مختلف حين يصدر الموقف عن صحيفة خاصة تقدم نفسها باعتبارها مستقلة، أما في وسيلة إعلام عامة، فمن حق الناخب أن يسأل كيف يحصل المرشحون المختلفون على فرصة للوصول إليه، وأين ينتهي حق الحكومة في الظهور بصفتها الرسمية ويبدأ الترويج الانتخابي لمرشحيها.

وتبيّن تجربة الانتخابات النيابية اللبنانية عام 2022 لماذا لا يكفي البحث عن افتتاحية تعلن التأييد، فقد رصدت بعثة الاتحاد الأوروبي أكثر من 295 ساعة من التغطية الانتخابية على تلفزيون لبنان وثلاث قنوات خاصة، ووجدت أن المقابلات شغلت 35٪ من الوقت المرصود، وأن معظم المرشحين اضطروا إلى الدفع مقابل الظهور على القنوات التجارية، وخلصت البعثة إلى أن التغطية لم توفر للمتنافسين فرص ظهور متكافئة، وتضع هذه النتيجة أمام المشاهد سؤالًا يسبق تقييم أداء الضيف نفسه، كيف وصل هذا المرشح إلى مقعد المقابلة، ومن لم يستطع تحمّل كلفة الجلوس عليه؟

لا تتطابق تجربة تلفزيون تجاري لبناني مع افتتاحية صحيفة محلية في أوهايو، لكن المقارنة تكشف ما يستحق الفحص في الحالتين، من اختار المرشح الذي سيسمعه الجمهور، وبأي صفة، وعلى أي أساس؟ وإذا أوصت صحيفة عربية بانتخاب مرشح وشرحت أسبابها، يبقى الاختبار الأهم لاستقلالها هو ما ستفعله بعد ذلك، يوم يحصل أحد مراسليها على قصة موثقة قد تكلّف ذلك المرشح أصواتًا.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي