من “زجاجة مياه بـ200 جنيه” إلى “مصيف بمليار”.. “اقتصاد الساحل” يختبر قالبًا جديدًا للمحتوى الاقتصادي

"اقتصاد الساحل": قالب جديد لتفسير المحتوى الاقتصادي المصري

يحضر الساحل الشمالي في المحتوى المتداول على المنصات بوصفه مسرحًا للأسعار الباهظة والعقارات الفاخرة وأنماط الاستهلاك التي تثير الفضول والجدل، لكن الباحث الاقتصادي عمر الشنيطي اختار التعامل معه بوصفه مادة قابلة للتفسير، وتحويل صور المصيف وارتفاع أسعار وحداته وسلعه إلى أسئلة عن القيمة والتضخم والاستثمار والقدرة الشرائية وتفاوت الدخول.

بهذه الزاوية بدأ الشنيطي بث سلسلة “اقتصاد الساحل” على قناته في “يوتيوب”، مقدمًا تجربة تقع في المساحة المشتركة بين التثقيف الاقتصادي والمحتوى الإعلامي التفسيري، إذ تبدأ من ظاهرة محلية يعرفها الجمهور، ثم تحاول الوصول عبرها إلى آليات اقتصادية تتجاوز حدود الشاطئ وموسم الصيف.

ويملك الشنيطي خبرة أكاديمية ومهنية تساعده على تقديم هذا النوع من المحتوى؛ فهو أستاذ للتمويل في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وشريك إداري في شركة “زيلا كابيتال” للاستشارات المالية، كما يقدم برنامج “مال شو” الصوتي، وسبق أن ارتبط اسمه بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية.

وحتى إعداد هذا التقرير، صدرت ثلاث حلقات تكشف عناوينها عن البنية التحريرية للسلسلة، إذ تنطلق كل حلقة من رقم أو مفارقة قادرة على جذب الانتباه، قبل الانتقال إلى السؤال الاقتصادي الكامن خلفها.

تبدأ الحلقة الأولى بعنوان “مصيف بمليار جنيه”، مستفيدة من ضخامة الرقم لفتح النقاش حول تكلفة العقارات والإنفاق في الساحل، بينما تسأل الحلقة الثانية “هو متر الساحل أغلى متر في العالم؟”، في مدخل إلى مقارنة أسعار العقارات وفهم العلاقة بين السعر والقيمة، أما الحلقة الثالثة، “إزازة مياه بـ200 جنيه”، فتنطلق من سلعة يومية لشرح تسعير الرفاهية وطبيعة الأسواق المغلقة وحدود القدرة الشرائية.

ويمثل هذا البناء أحد أبرز عناصر الجدة في السلسلة، فالحلقة لا تبدأ بالمؤشرات الاقتصادية الكلية أو المصطلحات المتخصصة، وإنما بتفصيل يراه الجمهور أو يسمع عنه في حياته اليومية، ثم تستخدمه جسرًا للوصول إلى سؤال أوسع، وهو أسلوب يمنح المحتوى الاقتصادي مدخلًا إنسانيًا ومحليًا، ويخفف المسافة بين الخبير والمتلقي غير المتخصص.

وتقترب “اقتصاد الساحل” بهذا المعنى من الصحافة التفسيرية التي لا تكتفي بعرض الرقم، وإنما تحاول الإجابة عن كيفية تكوّنه وما الذي يعنيه، كما تستفيد من أدوات المنصات القائمة على العنوان المكثف والسؤال المباشر والمفارقة الرقمية، من دون أن تتخلى، من حيث المبدأ، عن مهمة شرح السياق.

وجاء اختيار الساحل الشمالي في توقيت أصبح فيه الشريط الممتد غرب الإسكندرية جزءًا من نقاش اقتصادي يتجاوز السياحة الصيفية، بعدما تحول إلى وعاء ضخم للاستثمار العقاري، وتزايد حضور رؤوس الأموال الخليجية والمشروعات الحكومية والخاصة فيه.

وتكثف هذا الحضور مع إعلان صفقة تطوير رأس الحكمة في فبراير 2024 بقيمة تقارب 35 مليار دولار، والتي وُصفت رسميًا بأنها أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر، إلى جانب التوسع في مدينة العلمين الجديدة ومحاولات تحويل المنطقة من مصيف موسمي إلى تجمع عمراني يعمل طوال العام.

هذا السياق يمنح السلسلة مادة أغنى من مجرد رصد مظاهر الترف، لأن ارتفاع سعر وحدة سكنية أو زجاجة مياه يمكن أن يقود إلى أسئلة تتعلق بتسعير الأرض، والمضاربة العقارية، وتدفق رؤوس الأموال، وقيمة العملة، وتوزيع الثروة، ومن يملك القدرة على دخول هذه الأسواق أصلًا.

ومن زاوية صناعة الإعلام، تكشف التجربة عن إمكانية بناء محتوى اقتصادي واسع الانتشار من موضوع قريب ثقافيًا من الجمهور، بدل تقديم الاقتصاد بوصفه مجموعة من الأرقام المنفصلة عن الحياة، فالمشاهد الذي قد لا يتابع بيانات التضخم أو حركة الاستثمار يستطيع فهم أثرهما عندما يراهما منعكسين في سعر متر أو إقامة صيفية أو سلعة بسيطة.

لكن هذا القالب يفرض أيضًا اختبارًا مهنيًا واضحًا، فالعناوين اللافتة مثل “أغلى متر في العالم” و”مصيف بمليار جنيه” تحتاج داخل الحلقة إلى تحديد مصادر الأرقام ومعايير المقارنة، والتمييز بين أسعار العرض وصفقات البيع الفعلية، وبين الحالات الاستثنائية ومتوسطات السوق، حتى لا يتحول السؤال الجاذب إلى تعميم أكبر مما تسمح به البيانات.

كما أن اختزال اقتصاد الساحل في استهلاك الأثرياء قد يترك جوانب أخرى خارج الصورة، من بينها العمالة الموسمية، وملكية الأراضي، والبنية التحتية، والعائد العام من المشروعات، والأثر البيئي، والفجوة بين المنتجعات المغلقة وحق الجمهور في الوصول إلى الشاطئ، وهي زوايا يمكن أن توسع السلسلة من شرح الأسعار إلى فحص البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تنتجها.

ولا تتوافر حتى الآن معلومات مؤكدة عن عدد حلقات “اقتصاد الساحل” أو المدة التي ستستمر خلالها، لذلك لا يزال الحكم على اكتمال التجربة مبكرًا، لكن حلقاتها الأولى تقدم درسًا مفيدًا لصنّاع المحتوى الاقتصادي والإعلامي: يمكن البدء من السؤال الذي يشغل الجمهور، شرط ألا تتوقف المادة عند قدرته على جذب المشاهدة، وأن تقوده إلى تفسير موثق ودقيق لما يقع خلف الرقم.

وإذا حافظت السلسلة على هذا التوازن، فلن تبقى مجرد محتوى موسمي عن مصيف باهظ، بل قد تصبح نموذجًا لكيفية تحويل ظاهرة يومية متداولة إلى مادة إعلامية تشرح كيف تُصنع القيمة، ومن يحدد السعر، ومن يستطيع دفعه في الاقتصاد المصري.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي