من غرف الأخبار إلى المنابر الفردية: حين يصير الاستقلال سلعةً قابلةً للبيع

حين يُقرأ هذا المشهد من ضفةٍ عربية، يبرز سؤالان متلازمان: هل يمكن أن تُروى هذه القصة عن إعلامنا، وهل توجد بالفعل نماذج صحفية عربية بلغت الاستقلالية ذاتها؟

Author

في صيف 2020، استقالت الكاتبة باري وايس علناً من نيويورك تايمز، متهمةً الصحيفة بأنها صارت بيئةً معاديةً للنقاش تكفي فيها تغريدةٌ لإنهاء مسيرة كاتب. تزامن رحيلها مع مغادرة أندرو سوليفان مجلة نيويورك ماجازين، وغلين غرينوولد موقع ذا إنترسبت احتجاجاً على رقابةٍ تحريرية، ثم لحق بهم مات تايبي وماثيو ييغلاسياس وعشرات الأسماء التي صنعت سمعتها داخل المؤسسات الكبرى.

ما بدا قراراتٍ فرديةً تحوّل خلال خمس سنوات إلى ظاهرة. فهؤلاء لم يعودوا إلى الإعلام التقليدي، بل أسّسوا منصات اشتراكٍ ذاتية عبر سبستاك وإكس ويوتيوب. وأوضح نموذج قدّمته وايس نفسها: أطلقت في يناير 2021 نشرةً إلكترونيةً باسم كومن سينس، سرعان ما توسّعت لتصبح مؤسسةً إعلاميةً مستقلةً باسم ذا فري بريس. وعند بيعها لشركة بارامونت سكاي دانس في أكتوبر 2025 بمئةٍ وخمسين مليون دولار، كانت قد بلغت مليوناً ونصف المليون مشترك، بينهم أكثر من 170 ألف مدفوع، ونمت إيراداتها بأكثر من 82% خلال عامٍ واحد، فيما قدّرت فاينانشال تايمز إيراداتها السنوية بأكثر من 15 مليون دولار.

ولم تقتصر الموجة على واجهةٍ واحدة. فقد بنى تاكر كارلسون، بعد طرده من فوكس نيوز في 2023، حضوراً مباشراً على إكس، حتى تجاوزت مقابلته مع بوتين في فبراير 2024 مئةً وخمسين مليون مشاهدة خلال يومٍ واحد — رقمٌ يفوق متوسط نشرات المساء على معظم الشبكات الكبرى. وعلى الضفة المقابلة، أسّس مهدي حسن، بعد إلغاء برنامجه في إم إس إن بي سي، شركة زيتيو التي ركّزت على تغطية حرب غزة، وراكمت خلال خمسة عشر شهراً أكثر من 450 ألف متابع و50 ألف مشترك مدفوع.

لكن السمة الأهم أن أسماء معظم هؤلاء تشكّلت أصلاً في رحم المؤسسات التي تركوها؛ فقد خرجوا إلى الاستقلال محمَّلين برأس مالٍ جماهيريٍّ صنعته مؤسساتهم السابقة دون أن تستفيد منه. والإشارة الأبلغ جاءت من وايس حين باعت منصتها المستقلة لمؤسسةٍ تلفزيونيةٍ كبرى، ليصير الاستقلال نفسه — بعد خمس سنوات — سلعةً قابلةً للبيع لمؤسسةٍ تشبه تلك التي غادرتها.

السؤال العربي: هل يُنقَل النموذج كما هو؟

حين يُقرأ هذا المشهد من ضفةٍ عربية، يبرز سؤالان متلازمان: هل يمكن أن تُروى هذه القصة عن إعلامنا، وهل توجد بالفعل نماذج صحفية عربية بلغت الاستقلالية ذاتها؟ الإجابة المتسرّعة أن نستبدل الأسماء فحسب، فنضع مكان وايس وكارلسون مذيعين عرباً تركوا قنواتهم. لكن هذه المقايسة تخفي الفارق الجوهري الذي يجعل النموذج الغربي غير قابلٍ للترجمة الحرفية.
فالموجة الأميركية قامت على ركيزةٍ واحدة: علاقة دفعٍ مباشرة بين الصحفي وقارئه، عبر اشتراكٍ شهري على سبستاك أو عضويةٍ مدفوعة على يوتيوب.

هذه الركيزة هي بالضبط ما يكاد يغيب في السوق العربية، حيث تتوزّع جماهير اثنتين وعشرين دولة على لغةٍ واحدة لكن على أسواق دفعٍ رقمية ضعيفة ومتفاوتة، وجمهورٍ لم يعتد دفع المال مقابل الأخبار. ولهذا فإن أقرب ما أنتجه العالم العربي من صحافةٍ مستقلة لم ينشأ من اشتراكات القرّاء، بل من مصدرٍ آخر تماماً.

النموذج المؤسسي المستقل: استقلالٌ مموَّل من الخارج

التجربة العربية الأنضج لا تتمثل في صحفيٍّ فردٍ على منصة، بل في مؤسساتٍ صغيرة مستقلة وُلدت بعد الربيع العربي وبنت هويةً تحريريةً مستقلة. أبرزها مدى مصر، التي أسّسها عام 2013 فريقٌ من الصحفيين بعد إغلاق صحيفتهم إيجيبت إندبندنت، فقدّمت صحافةً استقصائيةً في ملفات حقوق الإنسان والاحتجاز والفساد.

غير أن بنيتها المالية تكشف المفارقة: نحو 80% من موازنتها يأتي من المنح والتبرعات، وتُكمل الباقي ببرنامج عضويةٍ يتراوح بين 60 و2000 دولار سنوياً وبيع خدمات تحرير وترجمة. أي أن استقلالها عن الدولة لم يُبنَ على جمهورٍ دافع، بل على مانحٍ أجنبي.

والثمن الذي تدفعه هذه المؤسسات لا يُقاس بالمال وحده. فمنذ 2017 حجب موقع مدى مصر داخل مصر ضمن أكثر من 600 موقعٍ مُنعت من دون أمرٍ قضائي، واستُدعيت رئيسة تحريره لينا عطا الله للتحقيق مراراً، كان آخرها في أغسطس 2025 على خلفية تقريرٍ عن أوضاع الاحتجاز. هنا يختلف المسار العربي عن الأميركي: الصحفي الغربي الذي يترك مؤسسته يخاطر بدخله وسمعته، أما نظيره العربي فيخاطر بحريّته وبقاء منصّته أصلاً متاحةً للقراءة.

ويتكرّر النمط نفسه في لبنان مع درج، التي أسّسها عام 2017 صحفيون كبار غادروا مؤسساتٍ راسخة: حازم الأمين من الحياة، وعلياء إبراهيم من العربية، إلى جانب ديانا مقلد.
وهنا تتجلى الآليّة ذاتها التي حرّكت الموجة الغربية؛ فهؤلاء لم يخرجوا من العدم، بل حملوا معهم جمهورهم الذي صنعته مؤسساتهم.

لكن تمويل درج يبقى معتمداً في معظمه على منحٍ من مؤسسات مثل أوبن سوسايتي وإنترناشونال ميديا سابورت والوقف الأوروبي للديمقراطية.

وفي تونس، اختارت إنكفادة منذ 2014 مساراً أكثر اعتماداً على الذات، إذ تعمل ضمن منظمةٍ غير ربحية، وحقّقت نحو 65% من موازنتها من بيع خدماتٍ مهنية كتطوير المواقع والتصميم والتدريب، مقابل 35% من المنح، من دون إعلانات؛ وهو أقرب النماذج العربية إلى الاستقلال المالي، لكنه استقلالٌ مبنيٌّ على عملاء الخدمات لا على القرّاء.

كما تتوزّع أسماء أخرى على المنطق نفسه: ميغافون اللبنانية التي تموَّل عبر منحٍ من مؤسساتٍ غربية وعربية وتقرّ صراحةً بصعوبة إيجاد مانحٍ لا يفرض شروطاً تحريرية، والحدود الساخرة التي وُلدت في الأردن ثم نقلت عملياتها إلى بريطانيا بعد رفض ترخيصها وحُجبت في بلدها الأصلي، ورصيف22 الذي يدير برنامج عضويةٍ باسم ناس رصيف ويقدّر قرّاءه بالملايين، إضافةً إلى الجمهورية السورية وحبر الأردني والسفير العربي. 

القاسم المشترك بين هذه التجارب جميعاً أنها حقّقت استقلالاً تحريرياً حقيقياً عن حكومات المنطقة، لكنها فعلت ذلك باستبدال التبعية لا بإلغائها: من تبعيةٍ لمؤسسةٍ مملوكةٍ للدولة أو لرأس مالٍ خليجي، إلى اعتمادٍ على المانح الأجنبي. وهذا تحديداً ما يجعل الاستقلالية في السياق العربي مفهوماً أكثر التباساً منه في السياق الأميركي.

المنبر الفردي العربي: بين الاحتواء والرعاية الجيوسياسية

يبقى السؤال الأقرب إلى روح الظاهرة الأصلية: أين الصحفي الفرد العربي الذي بنى منبراً مستقلاً كما فعل كارلسون أو حسن؟ النموذج الأوضح يأتي من الخليج، حيث قدّم عبد الرحمن أبو مالح تجربة ثمانية وبودكاست فنجان مثالاً على فردٍ راكم جمهوراً عربياً واسعاً. 

لكن مآل التجربة يعيدنا إلى مفارقة وايس نفسها، بل في صورةٍ أوضح: فقد استحوذت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام على 51% من ثمانية عام 2021، ثم رفعت حصتها إلى 75% في 2026، ليتحوّل المشروع الفردي المستقل إلى ذراعٍ ضمن أكبر مجموعةٍ إعلاميةٍ في المنطقة. إن كان بيع ذا فري بريس لشركةٍ تلفزيونيةٍ كبرى مفارقةً، فإن انتقال أنجح منصةٍ صوتيةٍ عربية إلى مجموعةٍ وثيقة الصلة بالدولة هو المفارقة ذاتها مكتملةً: الاستقلال بوصفه سلعةً، والمؤسسة الكبرى بوصفها المشتري الأخير.

ولعل أقرب التجارب العربية إلى روح النموذج الفردي الغربي يقدّمها الكاتب والسيناريست المصري بلال فضل، الذي راكم اسمه عبر سنواتٍ من الكتابة الصحفية والبرامج التلفزيونية قبل أن ينتقل إلى تقديم محتواه عبر قناته الخاصة على يوتيوب. هناك يبثّ تعليقاته وحلقاته السياسية والثقافية في قالبٍ يقوم على كاتبٍ منفرد يخاطب جمهوره مباشرةً، بقناةٍ تتجاوز 300 ألف مشترك، وتتيح إلى جانب محتواها المفتوح خاصية العضوية المدفوعة التي يدفع المنضمون إليها مقابل اشتراكٍ شهري على موادّ ومقاطع خاصة بالأعضاء وحدهم.

ومثل سائر القنوات الفردية، لا يُعلِن يوتيوب عدد الأعضاء الدافعين في قناة فضل، ولا تتوفر بشأنه بيانات موثقة، وهو ما يجعل قياس متانة النموذج اقتصادياً متعذّراً من الخارج. لكن التجربة في ذاتها لافتة، لأنها تمثّل محاولةً نادرة في الفضاء العربي لبناء علاقة دفعٍ مباشرة بين كاتبٍ وقرائه على غرار ما فعله نظراؤه في الغرب، بعيداً عن مظلّة مؤسسةٍ كبرى أو مانحٍ أجنبي، وإن بقي السؤال مفتوحاً عمّا إذا كان سوقٌ عربيٌّ ضعيف الاعتياد على الدفع قادراً على إعالة مثل هذه التجارب وتثبيتها.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي