كان عنوان “واشنطن بوست” يسأل كيف انتهى الأمر بمسعفين فلسطينيين في مقبرة جماعية في غزة، لكن المؤرخة والباحثة في شؤون الشرق الأوسط عسل راد رأت أن السؤال يخفي المعلومة الأهم، فأعادت كتابة العنوان بصياغة تسمي القوات الإسرائيلية بوصفها الجهة التي قتلت المسعفين ودفنتهم.
تستعيد مجلة “كولومبيا جورنالزم ريفيو” هذا المثال في مقابلة أجراها أموس بارشاد مع راد، ونشرتها في 30 سبتمبر 2026، لمناقشة نقدها لتغطية غزة، وكيف يمكن للاختيارات اللغوية أن تغيّر فهم الواقعة، حتى عندما تتناول العناوين الحدث نفسه.
اشتهرت راد بمراجعة العناوين على منصات التواصل، وتناقش في كتابها “لا تقل فلسطين: كيف صنع الإعلام القبول بالإبادة الجماعية” أداء مؤسسات إعلامية كبرى منذ 7 أكتوبر 2023، وتتمحور حجتها حول إخفاق هذه المؤسسات، في تقديرها، في تسمية المسؤولية ونقل حجم ما يجري إلى الجمهور الأمريكي.
العنوان الذي يصل وحده
تفسر راد اهتمامها بالعناوين بطبيعة استهلاك الأخبار، فالجمهور قد يمر على الخبر أثناء تصفح الهاتف، أو يقرأ شريطًا إخباريًا على شاشة في مقهى، من دون أن يفتح المادة أو يعرف تفاصيلها، وقد تحول الاشتراكات المدفوعة بينه وبين قراءة النص الكامل، ليبقى العنوان هو الجزء الوحيد الذي وصله.
في هذه الحالات، ترى أن الفرق بين وصف غزة بأنها المكان الأكثر فتكًا بعمال الإغاثة، وتحديد الجهة المسؤولة عن قتلهم، يغير المعنى الذي يستقر لدى المتلقي، فالصياغة الأولى تجعل المكان محور الخبر، بينما توجه الثانية الانتباه إلى الفعل والمسؤولية عنه.
وتستشهد راد باستطلاع لمركز “بيو” للأبحاث نُشرت نتائجه في 21 مارس 2024، أظهر أن نحو نصف الأمريكيين فقط عرفوا أن عدد القتلى الفلسطينيين في الحرب يفوق عدد القتلى الإسرائيليين، وبالعودة إلى النتائج الأصلية، بلغت نسبة الإجابات الصحيحة 52%، فيما قال 34% إنهم غير متأكدين من الإجابة.
تقرأ راد هذه النتيجة بوصفها مؤشرًا على قصور التغطية في إيصال حقيقة أساسية عن الحرب، غير أن الاستطلاع لا يقيس أثر العناوين وحدها ولا يثبت أنها سبب نقص المعرفة، كما يشير إلى تفاوت كبير في متابعة الجمهور للأخبار، وهو قيد ضروري عند استخدام الرقم لتقييم أداء الصحافة.
حين تصبح هوية الصحفي جزءًا من تبرير قتله
يتخذ نقد اللغة بعدًا أكثر مباشرة عندما تتناول راد تغطية مقتل الصحفيين، إذ تستشهد بمنشور لـ”سكاي نيوز” وصف وسائل إعلام استُهدفت في لبنان بأنها مرتبطة بحزب الله، وترى أن تقديم الانتماء السياسي في هذا الموضع يهيئ القارئ لتقبل الاستهداف.
وتقول: “كأنهم يفسحون المجال لإضفاء الشرعية على استهداف زملائهم”، فاعتراضها يتعلق بالانتقال من وصف التوجه السياسي للمؤسسة إلى الإيحاء بأن العاملين فيها أهداف مبررة، من دون تقديم دليل على مشاركتهم في القتال.
وترى أن تكرار أوصاف مثل “مرتبط بحزب الله” أو “مدعوم من إيران” قد يمنح الرواية العسكرية وزنًا يتجاوز ما يسنده الدليل، خصوصًا عندما تنقلها مؤسسة إخبارية تحظى بثقة الجمهور.
وتستعيد في السياق نفسه تغطية الهجوم على مجمع ناصر الطبي في أغسطس 2025، منتقدة تداول الرواية الإسرائيلية عن استهداف كاميرا تابعة لحماس، وينصب اعتراضها على تحول الادعاء العسكري إلى تفسير جاهز للهجوم، قبل إخضاعه لفحص صحفي يوضح ما ثبت وما بقي موضع ادعاء.
مفردات مختلفة للوقائع المتشابهة
تمتد المقارنة في المقابلة إلى تغطية غزة وأوكرانيا، حيث ترى راد أن مؤسسات إعلامية وخطابًا رسميًا أمريكيًا يستخدمان لغة أكثر صراحة عند مناقشة مسؤولية روسيا عن الانتهاكات، بينما يترددان في استخدام المفردات نفسها عند تناول أفعال إسرائيل.
وتضرب مثالًا بطريقة وصف التجويع، إذ تنتقد تقديم معاناة الفلسطينيين باعتبارها نتيجة مأساوية للحرب، من دون إبراز القرارات والأفعال التي أدت إليها، وتقارن ذلك باستخدام تعبير “التجويع سلاحًا” في الحديث عن روسيا.
كما تعترض على تفاوت استخدام كلمات “اختطاف” و”احتجاز” و”أسر” في الأخبار، وترى أن اختيار اللفظ يوجه فهم القارئ لوضع الشخص وما إذا كان قد ارتكب مخالفة، وهي ملاحظة تضع التعريفات المستخدمة وأسانيدها أمام الفحص، مع بقاء كل واقعة بحاجة إلى التحقق من ظروفها.
وتربط راد بين ضعف المساءلة عن مقتل شيرين أبو عاقلة عام 2022 واستمرار الاعتداءات على الصحفيين لاحقًا، معتبرة أن غياب العواقب شجع الإفلات من العقاب.
الموضوعية واختبار الأدلة
حين يسألها المحاور عما إذا كانت تدعو إلى عدم الثقة بالتصريحات الإسرائيلية أو الامتناع عن نقلها، تعيد راد النقاش إلى مسؤولية الصحفي عن التحقق، فإيراد تصريحين متعارضين لا يحسم ما حدث، وتظل مهمة التغطية فحص الأدلة وتوضيح ما تدعمه.
وتنتقد أيضًا ما تصفه بتراجع الاهتمام بغزة بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وترى أن هذا الوصف أعطى انطباعًا بانتهاء الحرب رغم استمرار القتل والمعاناة، لكنها لا تقدم في المقابلة قياسًا كميًا لحجم التغطية قبل ذلك وبعده.
تعرض المقابلة قراءة راد النقدية من دون إيراد ردود من المؤسسات الإعلامية التي تناولتها، وتبقى أمثلتها أساسًا لفحص ممارسات محددة، لا مسحًا شاملًا لأداء كل مؤسسة أو لكل ما نُشر عن غزة.
وتكتسب هذه القراءة أهميتها لغرف الأخبار العربية عند ترجمة المواد الأجنبية وصياغة عناوينها، فالدقة تشمل مراجعة ما تحمله الجملة من إسناد للمسؤولية، وما تتركه للقارئ من انطباع، خصوصًا حين يكون العنوان هو كل ما سيقرأه عن الواقعة.

