يوم التضامن الثالث تحت النار.. ماذا بقي من التضامن مع الصحفي الفلسطيني؟

يوم التضامن مع الصحفي الفلسطيني: ماذا بقي منه تحت النار؟

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

في السادس والعشرين من سبتمبر من كل عام يُحيي الصحفيون الفلسطينيون يوماً للتضامن معهم. تقول المصادر الفلسطينية إن الاتحاد الدولي للصحفيين أقرّه عام 1996 على خلفية أحداث “هبّة النفق” في القدس. وتحلّ المناسبة هذا العام، وهي الثالثة منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر 2023، فيما تتصدر عناوين مواقع فلسطينية عبارة واحدة تتكرر: “أين التضامن؟”. والسؤال مشروع؛ فبعد ثلاث سنوات من البيانات، لا يزال الصحفي الفلسطيني يُقتل ويُسجن ويُمنع من العمل، ولا يزال قطاع غزة مغلقاً أمام الصحافة الأجنبية، ولم يُعلَن حتى اليوم عن محاسبة أحد.

سجلّ قتل لم يُغلق

يختلف عدد القتلى باختلاف الجهة التي تُحصي: من 191 لدى لجنة حماية الصحفيين في نيويورك، بعد مراجعة أنجزتها في 24 سبتمبر وحذفت فيها 22 اسماً قالت إن أصحابها ثبت انخراطهم في أجنحة عسكرية، إلى 264 لدى نقابة الصحفيين الفلسطينيين حتى يونيو 2026، وأكثر من 300 بحسب بيان المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية “مدى”.

غير أن الخلاف على الرقم، مهما اتسع، لا يغيّر الخلاصة؛ فاللجنة نفسها ختمت مراجعتها بأن القوات الإسرائيلية “لا تزال مسؤولة، بفارق كبير، عن غالبية” عمليات قتل الصحفيين في العالم منذ 2023، وكانت قد وثّقت في نيسان/أبريل 2026 ما لا يقل عن 32 صحفياً قدّرت أنهم استُهدفوا عمداً بسبب عملهم.

ولم يوقف وقف إطلاق النار هذا السجل؛ إذ وثّقت نقابة الصحفيين مقتل 8 صحفيين في النصف الأول من 2026 وحده، ضمن 467 انتهاكاً سجّلتها في الأشهر الستة.

السجن: الوجه الأقل ظهوراً

وفق جمعية نادي الأسير الفلسطيني، في معطيات نشرتها في 12 أغسطس 2026، يقبع نحو 40 صحفياً وصحفية في السجون الإسرائيلية، بينهم 5 صحفيات و19 رهن الاعتقال الإداري بلا تهمة، فيما مرّ أكثر من 250 صحفياً بالاعتقال أو الاحتجاز منذ بدء الحرب.

وما يجري خلف الأسوار وثّقته لجنة حماية الصحفيين في تقرير نشرته في فبراير 2026، استند إلى شهادات 59 صحفياً أُفرج عنهم: كلهم إلا واحداً أفادوا بتعرّضهم لتعذيب أو إساءة، و55 منهم تحدثوا عن تجويع حاد بمتوسط فقدان وزن بلغ 23.5 كيلوغراماً، واثنان أفادا بتعرّضهما للاغتصاب، ولم تُوجَّه تهمة لـ48 من أصل 58. وخلصت اللجنة إلى أن “حجم هذه الشهادات واتساقها يشيران إلى ما هو أبعد بكثير من سوء سلوك فردي”، فيما ردّ متحدث باسم الجيش الإسرائيلي بأن المحتجزين يُعامَلون “وفقاً للقانون الدولي” وأن أي مخالفات “سيُنظر فيها”.

الضفة: انتهاك يومي بلا ضجيج

بعيداً عن غزة، يأخذ الاستهداف في الضفة الغربية والقدس شكل الاستنزاف اليومي. فمن أصل 467 انتهاكاً وثّقتها النقابة في النصف الأول من 2026، كان 192، أي 41 في المئة، منعاً للتغطية واحتجازاً في الميدان، إلى جانب 29 حالة إطلاق نار حي و78 حالة استهداف بقنابل الغاز والصوت. وفي تموز/يوليو وحده سجّلت النقابة 108 انتهاكات، بينها 11 اعتداءً للمستوطنين على صحفيين. هذا النمط لا يصنع عناوين كبرى، لكنه يحقق النتيجة ذاتها: صورة ناقصة لما يجري.

تدمير المنظومة لا الأفراد فحسب

لم يقتصر الاستهداف على الصحفي، بل طال البيئة التي يعمل فيها. فبحسب الحصيلة التراكمية للنقابة حتى يونيو 2026، دُمّرت 187 مؤسسة إعلامية و140 منزلاً لصحفيين.

وتضاف إلى ذلك عزلة مفروضة من الخارج؛ فمنذ بدء الحرب تمنع إسرائيل الصحفيين الأجانب من دخول غزة بصورة مستقلة، وظل التماس رابطة الصحافة الأجنبية أمام المحكمة العليا الإسرائيلية يُؤجَّل مرة بعد أخرى، حتى وجّهت كبرى المؤسسات الإعلامية الدولية في أبريل 2026 نداءً جديداً لفتح القطاع. والنتيجة أن الصحفي الفلسطيني صار الضحية والشاهد والموثّق في آن واحد، وأن غياب التحقق المستقل، الذي يُستدعى أحياناً للتشكيك في رواياته، هو نفسه ثمرة الحظر.

المساءلة: ملفات مفتوحة بلا أحكام

على صعيد العدالة، قدّمت منظمة مراسلون بلا حدود خمس شكاوى إلى المحكمة الجنائية الدولية منذ أكتوبر 2023، آخرها في سبتمبر 2025، وأبلغها مكتب المدعي العام في يناير 2024 بأن الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين مشمولة بتحقيقه في الوضع في فلسطين، ثم طلبت في مايو 2025 الاعتراف بالصحفيين المتضررين ضحايا لا مجرد شهود.

لكن لم يصدر حتى الآن أي إجراء قضائي معلن يخص قضية صحفي بعينها. وعلى المستوى الإسرائيلي، تتحدث لجنة حماية الصحفيين عن “إخفاق منهجي” للسلطات في التحقيق في الانتهاكات المزعومة أو ملاحقة مرتكبيها، وعن “وصم ممنهج” للصحفيين بالإرهاب دون أدلة مثبتة.

أيّ تضامن؟

في بيانها بالمناسبة، رفعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين شعار “لا نريد تضامناً في الكلمات، بل حماية في الميدان ومحاسبة في المحاكم”، وجدّد “مدى” دعوته إلى تحقيقات مستقلة وشفافة ومساءلة وفق القانون الدولي. ويختصر الشعار الفجوة التي تكشفها المناسبة عاماً بعد عام: تضامن خطابي يتّسع، في مقابل أدوات حماية ومحاسبة لم تُفعَّل. فالتضامن الذي يُقاس أثره هو فتح غزة أمام الصحافة المستقلة، والإفراج عن المحتجزين بلا تهمة أو محاكمتهم محاكمة عادلة، وتحويل الشكاوى المكدّسة إلى ملفات قضائية. وحتى ذلك الحين، سيبقى السادس والعشرون من أيلول يوماً لإحصاء الخسائر أكثر منه يوماً للتضامن.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي