في أواخر يوليو/تموز 2026، تحولت سبتة، المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية على الساحل المغربي، إلى مركز واحدة من أكبر موجات العبور منذ أزمة 2021. وقدّرت مصادر إسبانية عدد الواصلين أو محاولي الوصول بعشرات الآلاف، بينما قالت وزارة الداخلية المغربية إن نحو 40 ألف شخص توجهوا نحو المدينة. ومع تراجع الموجة وعودة معظم العابرين، بقي الخلاف مفتوحًا حول أعداد الضحايا ومسؤولية ما جرى.
لكن الأزمة لم تكن أزمة حدود وأرقام فقط؛ ففي العناوين العربية ظهرت معركة أخرى أقل وضوحًا وأكثر تأثيرًا: هل كان القادمون «مهاجرين غير شرعيين» أم «مهاجرين في وضع غير نظامي»؟ وهل ما حدث «عبور» أم «اقتحام»؟
تبدو الفروق لغوية، لكنها تحدد منذ العنوان الأول إن كان القارئ سيرى أشخاصًا في وضع قانوني معقد، أم تهديدًا أمنيًا يقترب من الحدود.
ماذا قالت مئة عنوان؟
اعتمد التقرير على عينة من مئة عنوان صحفي جُمعت آليًا بمفتاح «سبتة» من نحو 45 منصة عربية ودولية حتى 3 أغسطس/آب 2026، وصُنّف كل عنوان بحسب إطاره الغالب، سواء وصف نوع الهجرة، أو استخدم فعلًا يحدد طبيعة الحركة، أو تجنب التصنيف من الأصل.
والعينة رصدية وليست تمثيلًا إحصائيًا لكل الإعلام العربي، لكنها تقدم صورة واضحة عن اللغة الأكثر حضورًا في ذروة الحدث.
الجدل الشائع بين «غير الشرعية» و«غير النظامية» ظهر في أربعة عناوين فقط؛ ثلاثة استخدمت «غير النظامية»، وعنوان واحد استخدم «غير الشرعية».
وفي المقابل، فضّلت 27 منصة ألفاظًا محايدة مثل «تدفق» و«عبور» و«موجة»، واستخدمت أربعة عناوين «اقتحام» أو «مقتحمون»، فيما نقل عنوانان وصف «الغزو» المنسوب إلى اليمين المتطرف الإسباني.
أما 62 عنوانًا، وهي الفئة الأكبر، فلم تصف نوع الهجرة أصلًا، وانشغلت بأعداد القتلى، والعودة إلى المغرب، والحواجز البحرية، والخلاف الأوروبي، والقصص الإنسانية.
وهذه النتيجة تعني أن التغطية اللحظية ابتعدت غالبًا عن التصنيف المباشر، لكنها لم تصبح محايدة بالضرورة؛ لأن الحكم قد ينتقل من الصفة إلى الفعل، أو الرقم، أو الصورة.

المعركة الحقيقية في الفعل
في الأخبار السريعة، يقرأ الجمهور الفعل قبل أن يتوقف عند المصطلح القانوني، ولذلك يصنع الفرق بين «عبروا» و«اقتحموا» إطارًا كاملًا للخبر.
فالأول يصف حركة من مكان إلى آخر، أما الثاني فيستدعي العنف والقصد والتهديد، حتى إن لم يقدم العنوان دليلًا على استخدام القوة.
استخدمت الجزيرة نت عبارة «التدفق الكبير»، وكتبت الشرق الأوسط عن «تدفق المهاجرين»، واختارت سكاي نيوز عربية فعل «عبروا»، كما مالت منصات بينها العربي الجديد وعربي21 وهسبريس إلى ألفاظ الحركة، أو اكتفت بذكر الضحايا.
في المقابل، ظهر «الاقتحام الجماعي» في عناوين للعربية ومونت كارلو الدولية، واستخدمت روسيا اليوم، في مادة مصورة، صيغة «يقتحمون مدينة سبتة».
المشكلة هنا ليست في تحريم كلمة أو فرض أخرى، بل في معيار استخدامها. فإذا كانت المادة تتحدث عن عبور أشخاص سباحة أو مشيًا من دون مقاومة موثقة، فإن «الاقتحام» يضيف معنى أمنيًا لا تحمله الواقعة وحدها.
أما إذا تضمن الحدث تحطيم حواجز أو عنفًا موثقًا، فيصبح على الصحفي أن يذكر هذا الفعل بوضوح بدلًا من الاكتفاء بكلمة مشحونة وعامة.
«غير شرعية» أم «غير نظامية»؟
في العربية، لا تؤدي الصفات المعنى نفسه؛ فـ«غير شرعية» تتجاوز المخالفة القانونية إلى إيحاء أخلاقي وديني يتعلق بالمشروعية، و«غير قانونية» تركز على مخالفة القانون، و«سرية» تصف الخفاء، بينما تحيل «غير نظامية» إلى وضع إداري لا يطابق قواعد الدخول أو الإقامة، أما «غير موثقة» فتصف نقص الأوراق من دون حكم أوسع.
والفارق الأهم هو موضع الصفة؛ فقول «مهاجر غير شرعي» يجعل المخالفة جزءًا من هوية الإنسان، بينما يضع تعبير «مهاجر في وضع غير نظامي» الوصف على الحالة القانونية في لحظة محددة، وهي حالة يمكن أن تتغير بطلب لجوء، أو تسوية إقامة، أو قرار قضائي.

لماذا تفضّل المؤسسات الدولية «غير النظامية»؟
هذا الاختيار لا يقوم على مجاملة لغوية حديثة؛ ففي عام 1975، طلب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3449 من هيئات المنظمة استخدام «العمال المهاجرين غير الحائزين للوثائق أو غير النظاميين» بدلًا من وصفهم بـ«غير الشرعيين»، ثم تبنت مؤسسات دولية وحقوقية لاحقة لغة تضع عدم النظامية في الوضع أو الفعل، لا في الإنسان.
وفي عام 2013، عدّلت وكالة أسوشيتد برس دليلها الأسلوبي، فلم تعد تجيز وصف الشخص بأنه «مهاجر غير شرعي»، وأوصت بأن تصف كلمة «غير قانوني» الفعل، لا الإنسان.
كما تستخدم المنظمة الدولية للهجرة «الهجرة غير النظامية» للحركة التي تقع خارج القوانين أو اللوائح أو الاتفاقات المنظمة للدخول والخروج.
لا يعني ذلك إنكار حق الدولة في ضبط حدودها أو تجاهل مخالفة قواعد الدخول، كما لا يقرر وحده التكييف القانوني الذي يختلف من بلد إلى آخر.
المقصود هو الدقة: وصف ما حدث قانونيًا وإداريًا من دون تحويل المخالفة إلى حكم دائم على الشخص.
أربعة أطر في الإعلام العربي
تكشف العناوين المرصودة أربعة مسارات رئيسية؛ أولها التوصيف المحايد بألفاظ الحركة مثل «تدفق» و«عبور» و«موجة»، وثانيها التأطير الأمني باستخدام «اقتحام» أو «غزو»، وثالثها التوصيف الإداري «غير النظامية»، ورابعها الحكم على المشروعية باستخدام «غير الشرعية».
ولا تلتزم المؤسسات دائمًا مسارًا واحدًا؛ فقد استخدمت روسيا اليوم «غير النظامية» في خبر مكتوب، ثم اختارت «يقتحمون» في مقطع مصور.
وجمعت مونت كارلو الدولية بين «موجة هجرة» و«اقتحام» في تغطيات متقاربة.
وهذا التفاوت يكشف أن المشكلة لا تتعلق باختيار مصطلح واحد فقط، بل بغياب دليل تحريري موحد يُطبق على الخبر، والفيديو، والشريط العاجل، ومنصات التواصل.
وتظل «الهجرة غير الشرعية» أكثر رسوخًا في الإعلام الرسمي المصري وبعض الصحف المصرية حين يعالج الملف بوصفه ظاهرة أمنية وتشريعية، بينما تميل المنظمات الحقوقية والأممية ومنصات أخرى إلى «غير النظامية».
أما في أزمة سبتة نفسها، فقد تفوقت لغة الحركة والأرقام على المصطلحين معًا.

حين تصبح الأرقام جزءًا من الرواية
لم يقتصر الخلاف على وصف المهاجرين، بل امتد إلى عددهم وعدد الضحايا.
فقد قالت الداخلية المغربية إن نحو 40 ألف شخص توجهوا نحو سبتة، وإن 11 شخصًا توفوا، بينما أعلنت سلطات إسبانية لاحقًا ارتفاع حصيلة القتلى إلى 72.
وظهرت في بعض العناوين العربية أرقام أعلى بلغت 87 ثم 108، كما اختلطت في تغطيات أخرى أعداد ضحايا الموجة الجديدة بعدد الجثامين الموجودة في المشرحة، وبينها حالات قد تعود إلى محاولات سابقة.
لا يمكن تقديم هذه الأرقام المتعارضة كأنها حقيقة واحدة؛ فقد تختلف الفترة الزمنية، أو المنطقة الجغرافية، أو طريقة احتساب الضحايا بين مصدر وآخر.
والصياغة المهنية هنا ليست اختيار الرقم الأكبر أو الأقرب إلى رواية المؤسسة، بل نسب كل رقم بوضوح إلى مصدره، وشرح ما إذا كانت المقارنة تجري بين الفئة نفسها.
وفي الإعلام المغربي، دخلت السيادة إلى قلب التغطية؛ فوصفت هسبريس المكان بأنه «سواحل سبتة المحتلة»، وأعادت بعض المواد النقاش إلى «الجذور المغربية» لسبتة ومليلية.
وفي المقابل، ركزت الرواية الرسمية على التضليل الرقمي وشبكات الاتجار بالبشر، وعززت منصات عربية كبرى هذا المسار حين تحققت من مقاطع زعمت أن الحدود فُتحت.
بهذا، لم يعد القارئ أمام خبر عن الهجرة وحدها، بل أمام ثلاث روايات متداخلة: أزمة إنسانية، وتهديد للحدود، ونزاع على السيادة. وتختار كل غرفة أخبار من بينها ما تضعه في مقدمة المشهد.
اللغة الصحفية بين الفهم والحكم
توضح عناوين سبتة أن التأطير لا يختفي حين تختفي صفة «غير شرعي»، بل قد ينتقل إلى فعل مثل «اقتحام»، أو إلى رقم بلا مصدر واضح، أو إلى وصف للمكان يحول الهجرة إلى قضية سيادة.
لذلك لا تكفي مراجعة المصطلح وحده، بل يجب فحص الجملة كاملة: من يفعل؟ وما الفعل؟ ومن قال الرقم؟ وما الذي تتركه الكلمات في ذهن القارئ؟
الدقة هنا لا تعني تجميل العبور أو إنكار القانون، بل تعني الفصل بين الإنسان ووضعه، وبين الواقعة وتفسيرها، وبين الرقم ومصدره.
وهذا هو الحد الأدنى الذي يجعل اللغة الصحفية أداة للفهم، لا حكمًا يسبق الخبر.

